أسباب انتشار الكلام البذيء وتدهور الوعي هل هو انحطاط للغة أم أزمة أخلاق؟

تُعد أسباب انتشار الكلام البذيء في مجتمعاتنا العربية ظاهرة مقلقة تستدعي التوقف والدراسة. فبينما نرى انحطاط اللغة يزداد يومًا بعد يوم، يبرز السؤال الجوهري: هل البذاءة اللفظية مجرد عادة عابرة أم أثر لتدهور الوعي الثقافي وقلة الأدب في المجتمع؟

في هذا المقال، نغوص في تحليل ظاهرة الكلام السوقي وعلاقتها بالتربية مع التركيز على المجتمع التونسي نموذجًا.

العلاقة بين ضعف الثقافة وانتشار الكلام السوقي

كلَّما تدنَّى مستوى الوعي، وكلَّما تدنى مستوى قراءة الكتب، وهو ما يؤكد دور القراءة في رفع مستوى الوعي، لذا تدنَّي المستوى الثقافي، تنتشر الوقاحة وقلَّة الأدب وقلة الاحترام والكلام البذيء والألفاظ السوقيَّة على نحو رهيب.

هي لم تنتشر فقط، بل استفحلت وتغلغلت وتجذَّرت في السلوك الإنساني وفي المجتمعات، خاصة منها العربية، خاصة في المجتمع التونسي، ما يشير إلى ارتباط انحطاط الوعي الثقافي بزيادة العنف اللفظي.

دائرة الانحدار الأخلاقي

لماذا ينتشر الكلام البذيء في المجتمع التونسي؟

لقد أصبح الكلام البذيء للأسف جزءًا من هويَّتنا، أو ما يمكن تسميته الهوية الاجتماعية السلبية، على غرار سبِّ الجلالة، وهي ظاهرة سبّ الدين الخطرة، سواء في حالة الغضب أو في حالة فرح.

هل البذاءة ظاهرة أم عادة اجتماعية؟

هي ليست ظاهرة، بل طبيعة اكتسبها الإنسان على مرِّ أجيال وعصور، فأصبحت متلازمة بزاده اللُّغوي، لوهلة تبدو كأنها خُلقت معه منذ ولادته، لكنها في الحقيقة انصهرت في عقله ووجدانه. إنه أمر مزعج ومريب يجعل العقلاء -وأنا واحدة منهم- أتساءل عن السبب الأصلي في ولادة هذا التلوُّث السمعي والمنطق البشع والكلمات المقرفة، أو ما يُعرف علميًّا بالبذاءة، إنه آفة بكل ما في الكلمة من معنى.

إنها حالة سلوكيَّة تواصليَّة كلاميَّة سافلة وملوَّثة ومقرفة، ترعرعت في أجواء ساعدتها ومكَّنتها من التوسُّع والامتداد والاستفحال، فتغلغلت في مفاصل سلوك الإنسان وكلامه وتواصله مع الآخرين، وفرضت سيطرتها عليه والتصقت به. إنه صعب جدًا التخلُّص منها، فالكلام البذيء مرض ليس له دواء، يمكننا القول إنه إعاقة لغويَّة كلاميَّة.

لا أنفي أن في جميع أنحاء العالم يتكلَّمون الكلام البذيء لكن بدرجات متفاوتة، وليست لديَّ فكرة واضحة عن هذا الأمر، لكن كل ما أعرفه أنه موجود ولا يُستعمل إلا في حالات الغضب القصوى أو الاستفزاز كأنه وسيلة للتَّعبير عن الانزعاج.

 لكن في تونس الأمر مغاير تمامًا، فأصبح الكلام المسيء في تونس نمط حياة، فالكلام البذيء أو السَّفيه ليس حكرًا على حالة الغضب فقط، بل حتى في المزاح، وفي حالة الفرح والسعادة -للأسف الشديد- يستعملونه ويتفوَّهون به.

هل الكلام البذيء يعبر عن القوة أم ضعف الشخصية؟

ومن جهة أخرى ليثبت الشخص في مجتمعنا التونسي قوَّة شخصيَّته، وأنه بطل ولا يخاف ولا يُقهر، وأنَّه صعب المراس، تجده يسب الجلالة أو يتفوَّه بالكلام البذيء، كأحد أشكال العنف اللفظي، وهو في الحقيقة ليس سوى إنسان سليط اللسان وعديم التربية والأخلاق.

إنها مأساة أن يكون الكلام البذيء وسبُّ الجلالة هويَّة المجتمع التونسي، ولا يكفيك أن نكون الرِّياديين وفي المرتبة الأولى في هذا الأمر المخزي، عوض أن نكون رياديين في أشياء أخرى مهمَّة تنفع البشريَّة والمجتمع.

تأثير البيئة والمحيط في أسلوب الكلام

بطبيعة الحال هذه الخصوصيَّة ليست حكرًا على طبقة معيَّنة، فهي موجودة عند الأغنياء والفقراء على حدٍّ سواء لكن بدرجات متفاوتة، لكن المقياس هنا العقل والفكر، فكلَّما كان الإنسان متعلِّمًا ومثقَّفًا ومفكِّرًا وعقلانيًا ومستنيرًا في فكره وواعيًا لا يعتمد الأسلوب السُّوقي والتفوُّه بالبذاءة في التواصل اليومي مع الآخرين، ما عدا بعض الاستثناءات.

فلا ننسى أنَّ الحقيقة نسبيَّة، وكلَّما كان مستوى العلم والفكر والثقافة والوعي لدى الفرد متدنِّيًا، يكون أسلوبه في التواصل والحوار مبتذلًا ومنحطًا، وهذا يوضح علاقة الثقافة بالأخلاق، ما عدا بعض الاستثناءات كذلك، فأنا هنا أتحدَّث بمنطق الأغلبيَّة.

ما أصل ظهور الكلام البذيء؟

ودائمًا تراودني الأسئلة: من أول شخص تفوَّه بالكلام البذيء وجعلنا نعاني هذا المصيبة حتى تنتهي الدنيا؟ ولماذا؟ وما الدافع؟ ولماذا استعمل التعبير المبتذل في تواصله مع الآخر، أيًّا كانت الحالة التي هو فيها؟ ماذا يشعر عندما يتكلَّم بذلك الكلام؟ ألا يوجد كلام آخر أرقى وأجمل يمكن أن يعبِّر به عما يخالج نفسه من غضب أو اشمئزاز أو فرح أو زهو؟

كيف تؤثر التربية المنزلية على أسلوب الكلام؟

لا شك أن هناك عدَّة عوامل أسهمت في انتشار هذا الشيء وتوسُّعه ذكرت منها سابقًا، لكن أبرزها هي التربية التي يتلقاها الفرد في بيته وتأثير البيئة الاجتماعية على اللغة والمحيط الذي يعيش فيه.

كيف نواجه انتشار الكلام الفاحش؟

وتظل الكلمة الجميلة والطيبة والسليمة عنوانا لرقيِّ الفرد وتخلُّقه، لذا رقيِّ المجتمع وتحضُّره، فحتى ديننا الإسلامي يحث ويوصي بالكلمة الطيبة. وأستشهد بقول سيدنا محمد ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». رواه الترمذي والحاكم وصححه الألباني.

في النهاية، يظل انتشار الكلام البذيء دليلًا شديدًا خطرًا على الانحدار الأخلاقي في المجتمعات، إن مواجهة ظاهرة الكلام السوقي تتطلب تكاتفًا بين الأسرة والمدرسة لتعزيز الوعي الثقافي، فالتربية المنزلية والسلوك الأخلاقي هما خط الدفاع الأول ضد انحطاط اللغة. فلنعد للكلمة الطيبة رونقها، لأنها ليست مجرد أصوات، بل هي مرآة للروح والهوية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

للمؤرخ التونسي الهادي التيمومي رأي طريف في هذه الموضوع في كتابه "كيف صار التونسيون تونسيّين"، إذ يبدو أنّ للبذاءة تاريخ قديم في بلادنا قد يعود إلى الحقبة الرومانية، ولنكتفي بالتذكير هنا بما قاله محمود بيرم التونسي في مقال له نشره سنة 1934 وسماه “مدينة البذاءة” متحدثا عن كثرة البذاءة في مدينة تونس، والذي جاء فيه ما يلي: “…تسمع في كلّ مكان حناجر تنطلق بذكر أعضاء التناسل، وتقليبها على كلّ وجود الاستعارات والمجازات، ولا يقتصر ذكرها على ساعات الخصام ولكن نسمعها في البيع والشراء والجدل والمزح…وتكاد تكون تونس الوحيدة في العالم التي لا يراعي أوباشها آداب السّير والحديث،…فقد انغمست كلّ ألسنة سكـّانها في البذاءة وأصبحت كأنها من علامات الرجولة والفتوّة”. »
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.