إذا كان للشاعر حالة كما يعرفون، فإن أمين نخلة، شاعر لبنان الراحل (1901-1976)، كان ذا حالة متميزة بين شعراء عصره؛ يصدر عن مزاجية فريدة البيئة، يكسوها طبع الفنان المرهف، ويحدوها الإحساس الدائم بالجمال؛ يعيشه ويشربه وينشره من حوله وأمامه، حتى في أشد الحالات ألمًا ومعاناةً وصدقَ شعور.
فلسفة الحزن الجميل والكبرياء في مواجهة الألم
لكن على مدار عقده السابع أراد أن يؤكد أن الشعر الحقيقي لا يكون كذلك ما لم يكن طاقة زفر، وقارورة عطر، والتحاقة فجر. فإذا هو ـ أي الشاعر ـ إذا أراد أن ينفض شكاياته أو ينفث آهه، تعامل في ذلك مع نفسه بكبرياء وتجلد وصمت؛ وكان ضنينًا بحزنه وألمه على قارئه وسامعه، طوى ذلك بين جوانحه دون بوح، ويمسك عنها أعصابته الكثيرة الكثاثة من الشعراء من شكوى وأنين، فيما يأسى أو يستكين. همه كله أن يملأ الكون شدوًا وأغاريد؛ يتجاوز الألم الصغير إلى الأمل الكبير، ومسائل الذات إلى مشارف الحياة.
وعنى في «الخصوصيات» إنما يعبر عن العموميات، ويحرص كل الحرص على أن يعالج العبوس في صفاء النفوس، ويبدد التجهيم بالتفاؤل، ويكون مجسدًا لمقولة أبي ماضي في فلسفته: «كن جميلًا ترَ الوجود جميلًا».

المفكرة الريفية
وكذلك كان شاعرنا الراحل أمين نخلة تعبيرًا عن أناقة الشعر وترفه، وتجسيدًا لنثره العذب في كل ما كتب، وبخاصة في «مفكرته الريفية»؛ وفيها يغزل الكلام غزلًا لطيفًا، مستعيرًا صورة يومية يزخر بها الريف. فكان أن وضع ما يشبه «الموسوعة الريفية» في منتهى البساطة والعفوية ونقاوة الحياة من شوائب الأرض وأدران المادة:
«ألف رغيف يدخل فرن الضيعة، وألف رغيف يخرج منه، يا حبيبة، فلا والله ما رأت عيني رغيفًا قد احمرَّ كخدك، ولا رأت عيني رغيفًا قد احترق كقلبي!»
وصورة أخرى مترفة، كما لو أن حياة الشاعر قد خلت من كل همٍّ وغمٍّ:
«ظني على تلك التفاحة في وطن التفاح؛ أتت عند الفاكهاني في المدينة، تخطف النظر، وتمد بصرها مذعورة حيرى، تبحث ههنا وهناك، وقد أطلت برأسها من قفة القفص مخافة أن يراها صاحب الدكان، تود لو ترى رفيقًا لها من موطنها الذي أتوا بها منه، تستجير من أهل المدينة: ارحموني من نهش وعض».
وصورة ثالثة من «المفكرة الريفية» للأمين: «تسأل الزهرة الشمس: كيف أستطيع أن أعبدك؟ فتجيبها: بتفاؤلك وصمتك».
وفي كل ما ترك الأمين من أثر أدبي غزير من شعر ونثر ومؤلفات شتى في البحث والتاريخ وأدب الذات وفقه اللغة وخاطرات الوجدان، كانت تتبدى أناقته في أعماله وآثاره شكلًا ومحتوى؛ بل إنه لفي ذلك ترجٍّ. وكان طريفًا لبقًا، يميل إلى المرح وروح المداعبة ولطف المعشر؛ يحب الناس ويحبونه، ويغشى مجالس كبار الساسة وعلية القوم ومجالس الأدب والطرب.
وفي المواقف الحاسمة، قوميةً ووطنيةً، كان ذلك الشاعر الهادر؛ قلبه وضميره على شفتيه وفي سنان قلمه. وحينما كان يفقد بعض صحبه ومعاصريه من قادة أو رجال فكر وأدب ممن تربطه بهم صداقة حميمة، يرثيهم أصدق الرثاء ويبكيهم مرَّ البكاء؛ فظل شعره جيلًا معبرًا، يحبب إليك الحزن فيجعله من ذلك النوع المعروف بالحزن الجميل، وينحو في ذلك منحى الألم الكبير؛ صانع النفس الكبيرة.
إنسانية تتجاوز المذاهب والطوائف
وكان الأمين يتعشق القرآن الكريم، وهو المسيحي، ويعتز بنسبه القديم. وكان كثيرًا ما يردد على مسامع جلسائه أنه هاشمي المحتد؛ قد تحدر من شجرة يعربية في الجزيرة، تدين بالولاء للعروبة أرضًا وسماءً. وهو الماروني المذهب؛ ولكن مذهبه في الحياة شعرًا وفكرًا واستشفاف حياة يفوق عنده كل مذهب طائفي، ويتجاوز ذلك إلى أعماق الحياة وأعماق الإنسان. وكثيرًا ما سمعته، كلما التقينا، يتغنى بهذا البيت من الشعر لسواه:
«لست تستطيع أن تكون إلهًا، فإذا استطعت فكن إنسانًا!»
رأس مال الشاعر.. قسوة المعلم ودروس الإبداع
وأذكر، فيما أذكر، أنني كنت أزوره في فندق سميراميس في دمشق إبان عهد الوحدة بين مصر وسورية، لمناسبة اشتراكه في مهرجان الشعر في العام 59؛ حين وفد عليه في مجلسه أحد الشعراء الشبان آنذاك، وأهداه ديوانه الذي كان أصدره لتوه، مغتبطًا نشوانًا. وحين قلب الأمين الديوان الوليد بين يديه وأمعن نظره في بعض صفحاته وقصائده الأقرب إلى النثر منها إلى الشعر، هاله ما عثرت به عيناه من أخطاء فاحشة في اللغة والتركيب وفي الإملاء والاتساق.
فقال له، رحمه الله: يا فتى، ماذا كان يضيرك قبل أن تخرج على الناس بنتاجك الأنيق هذا، الذي كلفك قوتك وقوت عيالك، أن تحسن اللغة التي تكتب بها؟ لأن اللغة هي رأس مال الشاعر أو الكاتب. فكيف تتعامل مع قرائك بلا رأس مال، كالتاجر يتعامل مع تجارته بلا مال؟ والأدب، يا بني، أسمى وأبهى. وما عليك إن كنت تسعى لإرضائي ومباركتي شعرك إلا أن تعكف منذ اليوم على الإلمام بأبسط قواعد اللغة بمعونة أستاذ، حتى ولو قلت إنك تحمل شهاداتك العالية!
وبرغم أن الشاعر الشاب يومها فوجئ بالأمين قاسيًا على ذلك النحو، فإنه تقبَّل ذلك منه راضيًا مقتنعًا وشاكرًا على رغمه، وهو اليوم واحد من أكبر الأدباء والشعراء، ويؤكد أنه لولا قسوة الأمين عليه وسط الجالسين لبقي حتى يوم الناس هذا صغيرًا مغرورًا بلا رأس مال.
وبرغم أعمال الأمين الأدبية والشعرية الوفيرة التي أغنى بها المكتبة العربية، من مثل «مفكرته الريفية» و«في الهواء الطلق» و«دفتر الغزل» و«أوراق مسافر ـ من أدب الرحلات»، وديوانه الكبير الذي صدر في سنواته الأخيرة قبل أن يفقد ذاكرته ويضعف بصره ويموت قبل أن تحترق بيروت بفترة قصيرة، فإنه كان يقول: «لا يمسح القلم من شيء، فلو رُدَّ شكسبير إلى الحياة لاستأنف النظر في هملت نفسها».

وبرغم المسحة الغنائية الغزيرة في شعره، فإنه كان متحفظًا في إجازة أن ينشد الملحنون والمطربات أشعاره، مخافة أن تختلط نكهتها بترتيبات زائفة أو أنغام شاذة. ومن القصائد القليلة التي أذن للبعض بغنائها تلك التي أدَّتها نور الهدى ذات يوم:
فـردة عـنـي انـعـمـر
أمـر حـسـن سـبحان مـن أمـر
تـحـيـي ألـف مـرة وأنـا
أحـبه ألـف مـرة أكـثر
مدرسة الغزل المنفردة
بل إن الأمين كان مدرسة في الغزل منفردة، تخرَّج منها شعراء كثيرون ومعروفون إلى يومنا في دروب الغزل والتشبيب.
أما لا أصدق أن هذا الأحمر المشقوق فم
بـل وردة مـبـلـة حـمـراء مـن لـحـم ودم
أكمامها شفتاك، خذ روحي وعلقني فـم
إن الشفاه أحبها؛ كم مرة قالت.. نـعـم
ولم ينتظر الملحنون موافقة الأمين على تلحين وغناء هذه القصيدة الجميلة، فرفعوا عقيرتهم بها على رغمه في حياته وبعد مماته، ومثلها كثير من مثل قوله في قصيدة «الهند والحسناء»:
سـألـت لـه الله أن يـهـدأ
فـقـد تـعـب الـعـقـد ممـا رأى
عـلـى ربـوني صـبـوة وإسهاد
أطـال الإقامة واستمرَّا
تـرى كـيـف ظـنـوا فـإن الـذي
عـلـق بـالـصـدر مـا أخـطـأ
وعـب مـن الأرج الـعـربي
مخافة فـي الـعـمـر أن يـظـمـأ
أما قصيدته في «الأشرفية»، يوم كانت الأشرفية ساحة جمال لا ساحة قتال، فإنه يبلغ مبلغًا في شعر الوصف والغزل المصفى، متميزًا بالطرافة والأناقة والحذاقة و«الحرفية» أو الأستاذية في هذا اللون من شعر الجمال.
في الأشرفية يوم جئت وجئتا
روحـي عـلـى شـفـتـيـك قـد جـعـتـهـا
ذقـت الـثـمـار ونـكـهـة إن لـم تـكـن
هـي نـكـهـة الـعـنـب الـشـهـي فـأخـتـهـا
الـكـرم أورق يـوم حـسـن غـرسـه
أروى عـن الـنـفـة الـتـي قـبـلـتـهـا
وتـرشـح الـعـنـقـود يـقـطـر لـذة
لـمـا انـتـبـهـت فـقـلـت إني ذقـتـهـا
يـاقـوتـة حـمـراء غـاصـت في دمـي
وسـقـيـة الـعـان قـد نـولـتـهـا
لـولا نـعـومـة مـا بـهـا وحـنـو مـا
بـي في الـهـوى لـلقـمـتـهـا وللـكـنـهـا!
مـلـسـاء مـر بـهـا الـلـسـان فـما درى
لـولا تـبـغ طـعـمـهـا لأضعنها!
إنه في هذه القصيدة الأشرفية فنان خارق الوصف، دقيق التعبير، حاذق الصياغة؛ كأنه يجوهر الكلام ويعطره ويرشه بالبخور ليكون لائقًا بمن أدارت منه الرأس فتنة وصبًا وحلاوة مذاق. في أحد مهرجانات الشعر وقف أمين نخلة بقامته المديدة الممشوقة، وزرَّ وردته التقليدية في عروة سترته الزاهية، يدافع عن الشعر الأصيل ويرفض موجة الشعر المنثور على حسابه، ويرفض إلى ذلك دعاوى «فرسان» القصيدة النثرية من أن الشعر العربي بائد في تقليده ورويه؛ فذمهم مستهجنًا لا يتفق مع روح العصر. فكان مما قاله ومما علق في ذاكرتي:
افـسـحـوا لـلـشـعـر فـالـشـعـر لـنـا
نـحـن مـن لـبـنـان مـن عـلـيـا الـدنـا
مـد لـلـشـعـر بـسـاط حـافـل
لـو مـشـى ذو الـتـاج فـيـه لانـحـنـى
أيـقـولـون قـديـم؟ ويـحـهـم
مـن قـال إن الـشـمس هـانـت مـعـدنـا؟
وكان يرد النقد الأدبي في جملته إلى الذوق؛ إنها عنده مذاق شخصي وقياس نسبي، و«أما المصطلحات النقدية فإنها من أفكه ما يكون».
بيعة الإمارة وطرفة البريد.. تواضع العمالقة
وقد ذكر في بعض مؤلفاته التي كان يخط عناوينها بريشه ويرسم لوحاتها بنفسه أن أحمد شوقي بايعه بإمارة الشعر في حياته من بعده:
هـذا ولـي لـمـهـدي وقـيـم الـنـعـر بـعـدي
والعصر عصر أمين
خير مطلع سعد
وكل من قال شعرًا
في الناس عبد العبدي..!
على أن كثيرًا من معاصريه من شعراء وأدباء لم يستطيعوا تأييد ما إذا كان شوقي قد خص أمين نخلة بهذه البيعة وعلى مستوى «العبودية»، في حين أن أمين نخلة كان، إلى ما قبل وفاته، قد بايع الأخطل الصغير الراحل في حفل تكريمه في «اليونسكو» بقوله من قصيدة تكريمية طويلة:
المؤمنون احتفلوا وعبَّروا
أنبت في دولة القوافي.. الأمير!
وروي لي المرحوم أمين نخلة طرفة بريدية في هذا الشأن؛ قال إن البريد حمل إليه ذات يوم رسالة معنونة إلى «أمير الشعر»، فأحالها بدوره إلى خير الدين أبو ريشة، الذي أحالها إلى الأخطل الصغير، وقد أحالها هذا بدوره إلى بدوي الجبل. وهكذا ظلت الرسالة تروح وتجيء دون أن يجرؤ واحد من هؤلاء الأساطين أن يتسلمها على أنه أمير الشعر؛ فيا أحرى بشعراء اليوم أن يحسوا نعمة التواضع ومنعته وفضيلته.
ومارس أمين نخلة في حياته المحاماة والنيابة في مجلس النواب، الذي عرف أية لغة شعرية نثرية آسرة جاء بها نائب «الباروك» منطقته في لبنان، يدلي بها في محاضر الجلسات، ويؤكد أن دولة الشعر أبقى من دولة السياسة. كما أعلن ترشيحه نفسه ذات مرة لرئاسة الجمهورية، وطاف أرجاء الوطن العربي يطلب دعم محبيه ومريديه من ساسة وأمراء وحكام، ثم إنه أحجم عن ذلك في آخر لحظة مخافة أن يفشل.
الرحيل الصامت.. وداع شاعر الجمال وسط أزيز الرصاص
وقد استوطن ذكرياته وأوجاعه مع رفيقة حياته في أخريات أيامه، فاقدًا الذاكرة والأصحاب، إلى أن مات بصمت ومن غير وداع أو تأبين؛ لأن حرب لبنان كانت قد أكلت الأخضر واليابس يومئذ، فألغيت الحفلة المقررة لتخليد الشاعر الذي غنى للجمال والأناقة طوال عمره، وسط أزيز الرصاص ودوي القنابل وقتل الإنسان في لبنان لأخيه الإنسان.
ولذلك كان عزاء أمين نخلة الوحيد أنه مضى في رحلة الموت قبل أن يعرف ماذا حل بلبنان الأخضر من بعده، وقد غناه ذات يوم:
جاء الربيع وحرك الغصنا
أين الربيع وأين ما كنا
يا غصن يا مفني بلا سبب
مَلْ جواننا يا غصن يا مغنى
يا تَوْجًا لعيان من وله
قم من فراش الغنج غازلنا
يا ورد يا ابن الرقة اختبأت
في ظلك العشاق حيتنا
يا درب تفتح للطيب وجهتنا
في دارك الخضراء أنزلنا
وسلام على أمين نخلة، شاعر الأناقة والجمال.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.