أمزجة الفلسفة: كيف تعبر التجربة الإنسانية إلى الفكرة؟

ليست الفلسفة، في أعمق طبقاتها، ذلك البناء البارد الذي يبدو لنا بعد اكتماله كأنه قد هبط من سماء العقل في صورة مفاهيم مكتملة، ولا هي سلسلة من القضايا التي يمكن فصلها عن أصحابها ثم ترتيبها في تاريخ محايد للأفكار، وإنما لعلها، قبل أن تصبح مفهومًا وبرهانًا ومذهبًا، كانت ارتعاشةً في جسد إنسان، وقلقًا في روحه، ونفورًا من عالم لم يعد قابلًا للسكن بالطريقة التي كان يسكن بها الآخرون، ورغبةً في النجاة من سؤال لم يجد صاحبه له اسمًا بعد؛ ومن هنا تكتسب قراءة بيتر سلوتردايك للفلسفة أهميتها بالنسبة إلى فلسفة العبور، لأنها تنقل النظر من الفكرة بعدما استقرت إلى اللحظة التي كانت فيها الفكرة لا تزال في طور التشكل، حين كانت التجربة الإنسانية تبحث عن لغة تعبر فيها من الحياة إلى المفهوم.

بين المزاج والمفهوم: الفلسفة بوصفها سيرة ذاتية متخفية

إن الفيلسوف، وفق هذا المنظور، لا يبدأ من الفكرة، وإنما تبدأ الفكرة منه؛ لا تأتيه دائمًا بوصفها نتيجة تأمل عقلي محض، بل قد تكون شيئًا كان يسكنه قبل أن يسكن كتابه، مزاجًا وجوديًا أخذ يبحث عن صيغة نظرية، وخبرةً لم تجد خلاصها إلا حين تحولت إلى لغة. ولذلك يمكن أن يكون المذهب الفلسفي، في بعض وجوهه، سيرة ذاتية متخفية في هيئة نظرية؛ فحين يكتب الفيلسوف عن الحقيقة قد يكون في العمق يكتب عن حاجته إلى الثبات، وحين يكتب عن الحرية قد يكون يفاوض سجنه الخاص، وحين يبحث عن النظام ربما يكون قد جاء من عالم شديد الفوضى، وحين يهدم الميتافيزيقا قد يكون قد خاض تجربة جعلته يشك في كل ما كان يمنح الأشياء معنى نهائيًا.

وهنا تبدأ فلسفة العبور من سؤال مختلف: ليس ماذا قال الفيلسوف فحسب، وإنما ماذا عبر فيه حتى قال ما قال؟

ذلك أن الفكرة لا تولد دائمًا في رأس الإنسان كما يولد البرق في السماء، بل لها تاريخ خفي، ولها جسد قبل أن يكون لها مفهوم، ولها مزاج قبل أن يكون لها برهان، ولها جرح قديم ربما لم يعد يظهر حين تتحول إلى نص فلسفي متماسك. وما نراه في نهاية الطريق، أي المفهوم، قد يكون قد محا آثار الطريق الذي جاء منه؛ فالنسق الفلسفي حين يكتمل يملك قدرة عجيبة على إخفاء طفولته، وعلى أن يبدو وكأنه لم يكن في الأصل سوى ضرورة عقلية، مع أنه قد يكون قد خرج من تجربة شديدة الخصوصية، ثم نجح في عبور حدودها حتى صار قابلًا لأن يسكن عقول الآخرين.

وهذا هو المعنى العميق لفكرة «مزاج الفكرة»؛ فالمزاج هنا ليس حالة نفسية عابرة، ولا وصفًا لشخصية الفيلسوف، وإنما هو المناخ الوجودي الذي يجعل بعض الأسئلة ممكنة وبعضها مستحيلًا، ويجعل مفهومًا بعينه يظهر في لحظة تاريخية بعينها، وعلى لسان شخص بعينه. إن الإنسان لا يفكر من فراغ، وإنما يفكر من موقع، ومن ذاكرة، ومن خوف، ومن أمل، ومن خسارة، ومن رغبة في المقاومة أو الانسحاب أو التمرد أو المصالحة؛ ولهذا فإن الفكرة تحمل، حتى حين تتجرد في اللغة، شيئًا من حرارة اليد التي كتبتها.

ومن هنا يمكن لفلسفة العبور أن تعيد صياغة تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخًا لانتقال التجارب الإنسانية إلى المفاهيم. فهناك دائمًا مسافة بين الحدث والفكرة، وبين الألم واللغة، وبين التجربة والنظرية، وبين الحياة والكتاب، وهذه المسافة ليست فراغًا؛ إنها منطقة العبور التي يحدث فيها التحول. هناك يتغير الشيء الذي كان حادثة إلى معنى، والذي كان خوفًا إلى سؤال، والذي كان عزلة إلى فلسفة، والذي كان تمردًا إلى مفهوم، والذي كان عجزًا عن تغيير العالم إلى محاولة لإعادة تفسيره.

ولذلك فإن فلسفة العبور لا تريد أن ترد الفلسفة إلى نفسية الفيلسوف، ولا أن تقول إن كل نظرية ليست سوى عقدة شخصية كُتبت بلغة أكاديمية؛ فهذا اختزال آخر للفلسفة، وربما كان أشد فقرًا من القراءة التي تفصلها تمامًا عن الحياة. المسألة أعمق من ذلك: التجربة لا تفسر الفكرة وحدها، لكنها تمنحها نقطة انطلاق؛ والفكرة لا تبقى أسيرة التجربة التي أنجبتها، بل تعبرها وتتجاوزها وتدخل في فضاء التاريخ.

حركة العبور: من تجربة الفرد إلى فضاء التاريخ

وهنا تظهر إحدى أجمل حركات العبور: إن الفيلسوف قد يكتب من تجربة خاصة جدًا، لكن ما يكتبه يستطيع أن يتحول إلى تجربة عامة؛ قد يبدأ المفهوم من حياة فرد، ثم يعبر إلى حياة جماعة، ثم إلى مؤسسة، ثم إلى ثقافة، ثم يعود بعد قرون ليصبح جزءًا من الطريقة التي يفكر بها الإنسان في نفسه. لذلك لا يكون العبور في اتجاه واحد من الإنسان إلى الفكرة، وإنما يتحرك في دائرة أكثر تعقيدًا: التجربة تنتج الفكرة، والفكرة تعيد تشكيل التجربة، ثم تنتقل إلى الآخرين، والآخرون يعيدون تأويلها، حتى تصبح الفكرة نفسها قوةً تصنع الإنسان الذي لم يكن موجودًا حين ولدت.

ومن هنا نستطيع أن نفهم العبارة العميقة التي يتيحها لنا سلوتردايك: الفلسفة قد تكون اعترافًا ذاتيًا غير مقصود. فالإنسان يستطيع أن يخفي نفسه عن الآخرين، وقد يستطيع أن يخفيها عن نفسه أيضًا، لكنه حين يبني عالمًا من المفاهيم يترك شيئًا منه في هندسة ذلك العالم؛ يترك طريقته في رؤية الخوف والأمل، والآخر والذات، والزمن والموت، والسلطة والحرية، والحقيقة والوهم. ولذلك قد يكون النص الفلسفي أكثر اعترافًا بصاحبه مما يظن صاحبه نفسه، لأنه يقول عن الإنسان أحيانًا ما لم يكن ينوي قوله.

وهنا تصبح قراءة الفيلسوف شبيهة بقراءة أثرٍ قديم؛ لا يكفي أن نقرأ الكلمات الظاهرة، بل علينا أن نبحث عن آثار القَدَم التي تركتها التجربة في النص، عن المسافات بين المفاهيم، عن المفاهيم التي جرى تضخيمها وتلك التي جرى إهمالها، عن الأسئلة التي أصبحت مركزية والأسئلة التي بقيت في الهامش، عن الأشياء التي يخشاها الفكر بقدر ما يعلن الأشياء التي يؤمن بها. فالفلسفة، بهذا المعنى، ليست فقط ما تقوله، بل أيضًا ما تكشفه دون أن تقصد، وما تسكته لكي تستطيع أن تقول ما تريد قوله.

أركيولوجيا الفكرة وجغرافيا الهجرات الفكرية

وهنا تتصل هذه القراءة بمفهوم آخر مركزي في فلسفة العبور، هو أركيولوجيا الفكرة. غير أن ثمة فرقًا بينهما: أركيولوجيا الفكرة تبحث في الطبقات التي تكوّن منها المفهوم، في شروط ظهوره، وفي الخطابات والمؤسسات والمعارف التي جعلت وجوده ممكنًا؛ أما فلسفة العبور فتسأل عن الحركة التي قطعتها التجربة وهي تتحول إلى فكرة، ثم عن الرحلة الثانية التي قطعتها الفكرة وهي تتحول إلى قوة في العالم. الأولى تنظر إلى الطبقات، والثانية تنظر إلى المسار؛ الأولى تسأل من أين جاءت الفكرة، والثانية تسأل كيف عبرت.

وهذا يجعل الفيلسوف نفسه كائنًا عابرًا، لا يقيم نهائيًا في منطقة واحدة؛ فهو يعبر من الحياة إلى اللغة، ومن اللغة إلى المفهوم، ومن المفهوم إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى القارئ، ومن القارئ إلى الثقافة، ثم قد تعود الفكرة بعد قرون إلى الحياة في هيئة أخرى لم يكن صاحبها يتوقعها. إن أفكار الفلاسفة لا تبقى في قبور مؤلفيها؛ إنها تهاجر، تتبدل، تتنكر، تدخل في مذاهب لم تكن جزءًا منها، وتظهر في السياسة والدين والأدب والعلم، وقد تصبح شيئًا آخر تمامًا حين تعبر الحدود التي رسمها صاحبها.

بذلك فإن تاريخ الفلسفة، إذا نظرنا إليه بعين العبور، ليس مقبرةً لأفكار مات أصحابها، بل جغرافيا للهجرات الفكرية؛ أفكار تغادر أصحابها، وتعبر اللغات والعصور، وتدخل أجسادًا جديدة، وتكتسب أمزجة جديدة، ثم تعود إلينا وكأنها كانت دائمًا كذلك. وما يفعله التاريخ بالفكرة ليس حفظها فقط، وإنما تغييرها أثناء عبورها.

لذلك فإن السؤال الذي تقترحه «أمزجة فلسفية» على فلسفة العبور يتجاوز الفيلسوف إلى الإنسان نفسه: ماذا لو كانت أفكارنا جميعًا أمزجةً لم نعثر لها بعد على اسم؟ ماذا لو كانت بعض قناعاتنا الراسخة ليست يقينًا خالصًا، وإنما آثار تجارب قديمة استقرت فينا حتى نسينا أصلها؟ ماذا لو كان الإنسان، وهو يظن أنه يختار أفكاره، يعيد في الحقيقة صياغة تجاربه القديمة في لغة جديدة؟

عند هذه النقطة تصبح فلسفة العبور فلسفةً للإنسان قبل أن تكون فلسفةً للفكر؛ لأنها ترد الاعتبار إلى المنطقة التي كثيرًا ما يحذفها التاريخ النظري: منطقة التحول. فلا الإنسان فكرة خالصة، ولا الفكرة حياة خالصة؛ وبينهما جسر دائم الحركة، عليه تعبر التجارب إلى اللغة، وتعبر اللغة إلى الوعي، ويعبر الوعي إلى العالم.

ومن ثم يمكن أن يكون السؤال الأكثر خصوبة الذي نضيفه إلى تاريخ الفلسفة هو: ليس فقط ما الفكرة التي قالها هذا الفيلسوف، بل أيُّ إنسانٍ كان عليه أن يكون حتى تصبح هذه الفكرة ممكنة؟

عندها لن تعود الفلسفة معرضًا للمفاهيم، بل معرضًا للأرواح وهي تبحث عن أشكالها؛ ولن يعود تاريخها مجرد انتقال من مذهب إلى مذهب، بل انتقال الإنسان نفسه بين صور مختلفة من الوجود. وفي هذا العبور بالذات، بين المزاج والمفهوم، بين التجربة والنص، وبين النص والتاريخ، تظهر الفلسفة لا بوصفها كلامًا عن الحياة من خارجها، وإنما بوصفها الحياة حين تعبر إلى الفكر، والفكر حين يعبر عائدًا إلى الحياة.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة