امرأة شرقية نصف آدمية

من داخل عيادة الاستشارات الزوجية سألت سيدة: هل تحبين أنوثتك؟ فأجابت إجابة جعلت قلبي ينفطر لأنها قالت حقيقة ما تعانيه أكثر النساء الشرقيات، وخصوصًا من الطبقة المتوسطة. وقالت: «أأحب أنوثتي؟ لا، أنا أكرهها؛ لأن كل ذنبي أنني وُلدت أنثى، فكان إخوتي الصبيان يتمتعون بحرية في اللعب أكثر مني منذ كنا صغارًا، فلا يصح أن أركب الدراجة أو أركب حصانًا أو ألعب لعبة دفاع عن النفس مثل الكاراتيه.

كبرت ووجدت نفسي أخدم إخوتي، لأن يجب إعدادي للزواج، وعليَّ أن أفهم كيفية الطبخ وتنظيف المنزل. وأسمع حديث الكبار أن هذه الفتاة أصبحت عانسًا لأنها تخطت الخامسة والعشرين من عمرها، وكان لا يُسمح لي بالحديث مع أي رجل غريب، ولا يصح أن أقول إن لي زميلًا بالمدرسة، في حين كنت أسمع أبويَّ وهما يتحدثان مع إخوتي عن علاقتهم بالبنات، فمجتمعنا يسمح للولد ما لا يسمح به للبنت؛ لأنها «الشرف». شرف! ما معنى الشرف؟ وهل يمتلك الرجل شرفًا أيضًا؟ واكتشفت أن شرف الرجل ليس بأخلاقه، ولكن شرفه يكمن في أخته أو ابنته أو زوجته أو أمه.

عندما كبرت وأدركت أنه يجب عليَّ ركوب قطار الزواج، لم يكن لي يد في الاختيار، ولا حتى لي أن أفصح عما بخلدي، أنني لا أحب ذلك الشخص، ولكن رضيت كي أهرب من أهلي، وقلت في نفسي: إنني سأطيعه وسيكون زوجًا جيدًا لي. ودفع مهري لأهلي، وأنا لم أحصل على شيء منه، ودخلت بيته ووجدت أشد أنواع العذاب وألوانه من الحبس والتحكم والضرر الجسدي والنفسي، فهو كان يريد امرأة تخدمه ليكون لها سيدًا، في حين كان عبدًا لأخرى.

وجدت أن الرجل يريد أن يضع في بيته شبه إنسان يخدمه، ويلد له أطفالًا. حتى الأطفال ليس لي التحكم الكامل بهم، لأنني مجرد أم. حتى لم يكن يحق لي الكلام عن طريقة صرفه في المنزل، فهو ينفق كل ما يريده فقط، وليس كل ما بوسعه.

والدته كانت تعاملني أسوأ معاملة، في حين كانت والدتي لا تستطيع التفوه بكلمة عما يحدث لي؛ لأنها أم البنت.

وفي هذه الحالة، عندما أدركت أنه يحق لي الطلاق بسبب هذه الأضرار الجسيمة، وجدت أهلي هم من يصدُّونني ويفعلون بي ما يفعله هو، وقالوا لي كلامًا مهينًا مثل: «ستجلبين لنا العار. اصمتي وتحمّلي».

واكتشفت أننا في مجتمع أفكاره عن الأنثى أنها عار؛ فإذا تأخرت في الزواج أصبحت عانسًا، وإذا تزوجت ولم تنجب فإنها عقيم، وإن خانها زوجها فإنها معيوبة، وإن تطلقت فهي العار بحد ذاته، وإذا مات زوجها فهي شؤم، وإن قررت الزواج ثانيًا فأخلاقها متدنية، وتُحرم أطفالها.

نحن مجتمع لا يعترف بشيء سوى أن المرأة نصف إنسان، لا يحق لها التحدث إلا فيما هو مسموح به، فهي أَمَة لا تختلف كثيرًا عن عصور تجارة العبيد.

سمعت عن حقوق المرأة، وأنها تستطيع أن تحصل على حريتها، ولكنها ستواجه مجتمعًا يسلبها حتى آدميتها، فكل امرأة حصلت على حريتها، قيل عنها ما لا يُقال، وطعنوا في شرفها، وعانى أولادها سوء سمعتها، مع أنها لم تفعل جرمًا سوى أنها طالبت بحقوقها كأي إنسان.

أما الرجل، فهو رجل لا يعيبه شيء، حتى مثل: «الراجل ميعيبوش إلا جيبه» غير صحيح، فإن لم تتحمل المرأة فقر زوجها أو الحياة الفقيرة التي وضعها بها، فهي غير أصيلة.

إذا مرضت الزوجة، يجب عليه الزواج بأخرى، أما إذا مرض الزوج ولم تتحمله المرأة، فهي ليست بنت أصول.

إذا سافر زوجها عنها، يجب عليها تحمُّل أهله وتكون رجلًا وامرأة في الوقت نفسه، وإذا عاد، يجب عليها أن تكون أنثى. وإن أرادت المرأة السفر، يُقال عنها أسوأ القول.

إذن، أخبريني ما معنى الأنوثة؟ ما حقوقها؟ وهل لها حقوق؟ وكيف تتعامل مع كل هذه الضغوط المجتمعية؟ كيف بعد كل هذا أحب أن أكون امرأة؟ أن أكون أنثى؟ وأنا أنثى شرقية نصف آدمية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رائع وضعتى يدك على لب المشكلة
نعم رغم كل هذا التطور والانفتاح
الا اننا مازلنا نعانى من كبح الانثى التى
بداخلنا 👍🙏
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

رائع وضعتى يدك على لب المشكلة
نعم رغم كل هذا التطور والانفتاح
الا اننا مازلنا نعانى من كبح الانثى التى
بداخلنا 👍🙏
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.