اليوم ... افتقد العالم جدي

أكرمنا في حياته وأكرمنا حين تركنا ورحل وترك لنا من العظمة ما يكفي أن نفتخر به طوال حياتنا.

لم تتسنى لي الفرصة يومًا أن أعرف كيف لإنسان أن يجمع بين كل هؤلاء بين ثنايا قلبه يصب عليهم الحنان صبًا ليترك القلوب في مثل هذا اليوم بجروح لن تلتئم أبدًا ويترك في حياة الكثير فراغًا لن يملؤه رجال الأرض جميعاً ولو ترك بدلًا منه المئات.

عجزت عيناي عن البكاء حين سمعت الخبر، وانفطر قلبي حين أعلنوا بإني لن أراك ثانية، كنت أأبى أن أكتب رحل الذي بدعواته كنا نكرم! رحل الذي جبر خواطرًا فجبر الله خاطره فينا، رحل أغنى مصدر للحنان بعائلتنا، وكأن الكون يأبى بأن أحصر تلك المشاعر نحوك في ورقة لها أول وآخر، يأبى أن أعلن أنني انتهيت، يصر أن يجعل اللانهاية صفة تلك الكلمات!

رحلت عنا ومازلت لا أستوعب تلك الحقيقة، لم أدخل بيتك بعدها، أتمنى أن يطيل غيابي عنه حتى لا أصطدم بتلك التي أحاول التغافل عنها، كيف البيت بدونك، أتعجب كيف يدخلون البيت بعدك، أظنهم يتعايشون وقد سُلِبت منهم حيواتهم حين رحلت أنت، تركت الجميع غارقًا في آلامه، يحاول التشبث في عيون الغير بالحياة ولكن عيون الجميع تعلن الهزيمة ! وما يجب الإعلان عنه أكبر من ذلك؛ ستمر الأيام وستستمر الحياة ولكن ليست كما كانت، فالحق أننا فقدناك، وأن الشوق فينا حتى نلقاك، وأن الحياة بدونك رغم مرورها ألا وإنها لا تساوي شيء، بلا طعم وإن كان فيكون الصبر.

فقدك العالم، فقدك تلك الفتيات الذين صرخوا بأن أباهم قد رحل آنذاك والحق أن أباهم قد رحل منذ عشرات السنين، فقدك تلك الرجل الذي صرخ على محملك وكأن قلبه قد رفض التسليم وأعطى الإشارة لعقله بالانهيار، فقدت ذلك الرجل المجهول الذي أقسم بأنه لن يدخل البلد ثانية وأبى أن يعرفه أحد، والحق أنه على حق، مهما تركت من نسلك في الدنيا فلن يعوض هذا منك شيء، فقدك كل الذين كانوا قد فقدوا من قبل وأبيت أن تُشعرهم بالفقد، لتنهار كل هذه الجموع عند فقدك وكأنه الفقد الأعظم.

فقدتك أمي... وما أعظم هذا الفقد، وفقدك مثلها خمسة وعِظَم هذا الفقد في كسر ذلك السند الذي كن علينا يستندن، وفقدك غيرهن رجالك، تظنهم رجالك والحق أنهم كانوا يحتمون من الدنيا في كلمة أبي! ظلوا شباب صغار حتى أجبرتهم على الشيب برحيلك. وفقدتك زوجتك تلك الذي عاشت معك من السنين أجملها وأصعبها، هي لك بنت العم والزوجة وكنت لها أنت كل شيء، وإن كانت أصلب من رأيتهم على وجه الأرض، ففقدها لك كان الأفدح على الإطلاق.

افتقدناك نحن الأحفاد، وكانت مراسم العزاء ترفض بأن تعطينا حق الحزن عليك، مازالوا يرون أحفادك صغارًا لا يدركون، والحق أنهم لا يريدون الإدراك، يصعب عليهم أن يدركوا أنه لن يكن موجودًا من كان يحنو عليهم كل يوم، كانوا يعدون له أيام غيابه، سيعدون حتى لا يستطيعون مواصلة العد، حينئذ سيدركون، سيدركون أن غيابه تلك المرة نهائياً وأنه لن يعود ثانية.

قالوا حزن عليك الطريق وحزنت عليك أرضك، لا أدري كيف عرفت ولكن أنفاسك في الحياة يستشعرها كل من على قيد الحياة.

ما بالغت حين قلت افتقدك العالم.

ولن أبالغ حين سأقول أن كل شيء ينقصه أنت، ولكننا نحاول أن نسلي أنفسنا بأنك سبقتنا إلى الجنة ولا نزكيك على الله على الله أحدًا، وكل ما أتمناه اليوم أن ألحق بك، ما أتمنى الموت والله ولكني اتمنى أن تكون قد تركت فينا من حنانك وكرمك وسعة قلبك شيئًا. أتمنى أن أرثك في غير الإرث حتى وإن كان في القليل.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
Aug 7, 2020 - زهراء الأمير
Aug 7, 2020 - Najeh Rouissi
Aug 6, 2020 - مودة الطاهر محمد
Aug 6, 2020 - ريم الطوبجى
نبذة عن الكاتب