لم يكن التوغّل في قلب الحشد حِصنًا من الأخطار، بل كان هو الخطر متجسّدًا في هيئة الأمان، إذ لم يتوسّط الحمل صفوف القطيع فرارًا من الذئب، بل لأنه عَلِم «في غور وعيه المرهَق» أن الذئب لا يجيء من الجهات التي تحرسها الظنون، وأن الراعي المتكئ على عصاه، في مشهد الرعاية المألوف، ليس إلا امتدادًا مُموّهًا لسلطة الذئب، وأن هذا الركام من الأجساد الصوفية لم يكن قطيعًا بريئًا، بل جدارًا من لحمٍ يُساق على مهلٍ ليحجبَ عن الأبصارِ أيَّ منفذٍ يوهم بالخلاص.
وأن الذئب «في جوهره» لم يكن قابعًا على تخوم الطريق، بل حاضرًا منذ النشأة، يتنقّل بيننا دون استئذان، وأن المراعي التي تُبطئ خطانا لم تُمنح لنا تفضّلًا، بل غُرست عمدًا لتشدّ أعناقنا نحو التراب، حتى نألف أن السماء لا تُرى إلا من كسرة العنق، ونعتاد أن الريح التي تحمل إلينا رائحة الدم المترسّب ليست موحشة بما يكفي لِتُوقِفَ المسيرَ، إذ لم نعد نُفرّق: أذلك دمنا الراهن، أم دم أسلافنا الذين سبقونا، فصار الدم «أيًّا كان أصله» مجرّد صبغة للمشهد، ولونًا من ألوان الطاعة.
وكانت الأرض تتقلّص تحت أقدامنا بقدر ما ينحني الأفق، وكأنّ السماء والأرض قد أبرمتا عهدًا سرّيًا على تضييق المدى حتى يصير مجرّد دهليز إلى فمٍ بلا قاع. فلم تكن المسألة افتراسًا يتربّص، ولا فرائس تهرب، بل كانت مسيرة مرسومة، موزونة الأنفاس والخطى، مسوَّرة بقانون خفي، يُملي بصرامة من يتهاوى أولًا، ومتى، وبأي هيئة.
والحمل الذي يظن أنَّ الوسط صكّ خلاصه، لا يدري أن الوسط هو موضع البصر الأشدّ نفاذًا، وأن الذئب يترصّده منه لافتتاح فصل جديد من الذعر، وأن الراعي «ساعة السقوط» لا يرفع صوته ليحذّر، بل ليطمس بأصدائه وقع الانهيار وأننا جميعًا، منذ الخطوة الأولى، لم نكن نبتعد عن الذئب، بل كنّا نسير إليه في إيقاع من الصمت المُقدَّس، الصمت الذي كان شرط الانتماء الأول، حتى صار الإفصاح عن الفم الذي ينتظرنا جرمًا أفدح من الاندفاع نحوه.
حين يغدو الكل واحدًا
حين انكشفت هوّة الوادي، انكمشت السماء إلى سقف خانق يضغط على الحلق، وارتجفت الأرض تحت أقدامنا كجلدٍ يشهق من ثقل الطعنات، وذابت الفوارق بين الحمل والذئب والراعي، وصِرنا كتلة واحدة تُساق في فراغٍ يتكاثف حضوره كلما ازداد وعينا به، حتى انكشف اليقين المُرّ: أنّ الطريق الذي نزعم امتداده لم يبدأ من خارجنا قط، وأن الذئب لم يكن في انتظارنا آخره، لأنه كان بيننا منذ أُولى الخُطا، وأن الفم المفتوح لم يكن إلا مدخلًا إلى مسير آخر.
وأن القطيع الذي نحيا فيه لم يكن إلا دائرة مكتملة تدور في أبدية صامتة، وأن الخلاص لا يكون إلا بالفناء الذي يقع داخل الحركة نفسها، ذلك الفناء الذي لا يُرى؛ لأن من سقط ومن بقي يذوبان في هوية واحدة، حتى يغدو السؤال عن الغاية عبثًا خالصًا، ويصير إدراكك لدوام اللعبة هو نفسُ اللعبة، وتكتشف «في لحظة الوعي الأخيرة» أنك الحمل والذئب والراعي والقطيع جميعًا في آن، وأنك مهما اخترت موضعك، لن تخرج من الدائرة إلا إذا ابتلعتك من الداخل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.