كوكب إلياس الأصغر خارج المجموعة الشمسية.. ماذا يخبرنا عن ولادة الكواكب؟

ربما تكون دراسة نظام إلياس ورصد الكواكب الصغيرة الأولية الناشئة فيه قد أحدثت تحولًا جوهريًا في علم الفلك وغيرت المفاهيم التقليدية حول كيفية وزمن ولادة الكواكب حول النجوم الشابة. فمنذ سنوات طويلة، والنظريات الكلاسيكية تفترض أن تكون الكواكب يستغرق ملايين السنين من التراكم البطيء للحصى، إلا أن رصد نظام إلياس أثبت أن أجنة الكواكب تبدأ بالتكون خلال أقل من مليون سنة فقط من نشأة النجم.

وفي هذا المقال نلقي الضوء على كوكب إلياس الصغير جدًا «إلياس 2-24 ب»، وماذا يخبرنا عن ولادة الكواكب، وكيف يكتشف العلماء الكواكب الجديدة في الفضاء، وما هي التلسكوبات المستخدمة لدراسة ولادة الكواكب.

ما هو نظام إلياس الفلكي؟

نظام إلياس هو نظام نجمي شاب يبعد نحو 300 سنة ضوئية عن الأرض في كوكبة حواء، ويحتوي على أحد أشهر وأهم الأقراص الكوكبية الأولية التي يدرسها علماء الفلك لفهم كيفية ولادة الكواكب. ويُقدَّر عمر النجم المركزي في نظام إلياس بأقل من مليون سنة، وهو ما يعد زَمَنًا قصيرًا جدًا بمقاييس الأعمار النجمية.

يحيط بالنجم قرص هائل من المادة الأولية وتمتد أبعاده لمسافات تتجاوز حدود نظامنا الشمسي بكثير. وأظهرت الصور الحديثة وجود ذراعين حلزونيين متماثلين من الغاز والغبار يلتفان حول النجم، وهي النتيجة المباشرة للاضطرابات الجاذبية داخل القرص.

ما سبب شهرة كوكب إلياس؟

تعود شهرة كوكب إلياس والجسم الفلكي النامي داخل النظام إلى أنه قدم للعلماء أدلةً حيةً غيرت المفاهيم الاستقرارية حول كيفية وزمن نشأة الكواكب في الكون، وهو ما يمكن توضيحه كالتالي:

  • إثبات الولادة المبكرة جدًا: أثبت نظام إلياس أن عملية تكون الكواكب تبدأ في مرحلة مبكرة للغاية من عمر النجم (أقل من مليون سنة)، بخلاف التقديرات القديمة التي كانت تفترض أن الأمر يستغرق ملايين السنين.
  • الأذرع الحلزونية الفريدة: نتيجة التقاط صور للأذرع الحلزونية الضخمة والمتماثلة حول النجم، اكتشف العلماء البصمة المباشرة التي يتركها الكوكب الأولي عندما يتشكل ويتفاعل مع سحابة الغاز المحيطة به.
  • تأكيد نظرية اللا استقرار الجاذبي: يعد نظام إلياس هو الدليل الرصدي الأبرز حتى الآن على أن الكواكب يمكن أن تتكون من خلال انهيار سريع لأجزاء كثيفة من القرص الغازي بفعل الجاذبية، وليس فقط عبر التراكم البطيء للصخور والحصى.
  • رصد آليات نحت المدارات: يعد نظام إلياس أيضًا نموذجًا مثاليًا لكيفية تشكيل الكواكب الشابة لبيئتها، حيث يقوم الكوكب الوليد بالعمل كمكنسة جاذبية تحفر في الجوار وتجمع الغبار في مناطق محددة لتغذية نموه السريع.

لماذا يعد Elias 2-24 b تحديًا لنماذج تكون الكواكب؟

النظام النجمي إلياس هو بالفعل تحدٍّ مباشر للنماذج التقليدية لتشكل الكواكب لأنه يحتوي على فجوات دائرية ومفرغة من الغبار على مسافة بعيدة جدًا من النجم داخل قرص غازي لا يتجاوز عمره مليون سنة، وهو ما يخالف النظريات الكلاسيكية في النقاط التالية:

  • الموقع المداري البعيد جدًا: كشفت الأرصاد الحديثة عن وجود فجوة مظلمة ومحددة بدقة على مسافة تتجاوز 50 وحدةً فلكيةً من النجم المركزي.
  • بطء نموذج التراكم النواتي: تفترض النظريات القديمة أن الكوكب يتشكل عبر التكتل التدريجي للحصى والصخور، وهو ما يتناقض مع العمر الفعلي لإلياس والذي يُقدَّر بأقل من مليون سنة.
  • الكتلة المطلوبة لنحت الفجوة: تفترض النظريات الكلاسيكية أن الكوكب، ليتمكن من تفريغ فجوة بهذا الاتساع ونحت الغبار حوله في قرص كثيف، يجب أن تبلغ كتلته عدة أضعاف كتلة كوكب المشتري، وهو ما يجعل من كوكب إلياس لغزًا كبيرًا في فيزياء الأقراص النجمية.
  • الفرز بين النظريات البديلة: كوكب إلياس يفرض على العلماء إعادة الاعتبار لنموذج اللا استقرار الجاذبي والذي ينص على أن أجزاءً من القرص الكثيف تتفكك وتنهار سريعًا بفعل جاذبيتها الخاصة لتبني كواكب غازيةً ضخمةً أو حتى البحث عن آليات غير كوكبية لنحت الفجوات.

ماذا يخبرنا نظام إلياس عن كيفية تكون كوكب الأرض؟

يعمل نظام إلياس كآلة زمنية تمكن الفلكيين من مراقبة الشروط الفيزيائية التي سادت في مجموعتنا الشمسية وذلك عندما كان عمرها أقل من مليون سنة، وبالتالي تغيير فهمنا للخطوات الأولى الممهدة لنشأة كوكب الأرض والكواكب المشابهة كالتالي:

  • البدء المبكر جدًا لبذور الأرض: أظهر نظام إلياس أن كتل الغبار والحصى تبدأ بالاندماج والتكتل في أقل من مليون سنة فقط، وهو ما يعني أن اللبنات الأساسية لكوكب الأرض بدأت بالتكون أثناء مرحلة تشكل الشمس نفسها.
  • حل لغز انجراف الحصى: تكشف صور إلياس عن وجود مصايد غبار وحلقات ضغط تمنع سقوط الحصى وتراكمه في مناطق محدودة، وهو ما يتيح الوقت الكافي لبناء النواة الصخرية للأرض.
  • تأثير الكواكب الخارجية على البيئة الداخلية: ما يحدث مع إلياس بسبب الأذرع الحلزونية والفجوات يؤكد دور كوكب المشتري المبكر في تحويل مسار المذنبات والصخور الحاملة للمياه والمواد العضوية نحو النطاق الداخلي القريب من الشمس، حيث نشأت الأرض.
  • توزيع المواد الكيميائية والمياه: يوفر نظام إلياس نموذجًا حيًا لكيفية توزيع الغازات والعناصر الثقيلة داخل القرص الكوكبي، وهو ما يوضح كيف احتفظت المنطقة الداخلية شديدة الحرارة بالمواد الكافية لبناء كوكب صخري ذي غلاف جوي ومحيطات مثل الأرض.

كيف يتم اكتشاف الكواكب الجديدة؟

يستخدم العلماء طرقًا عدة ومبتكرة لاكتشاف الكواكب خارج مجموعتنا الشمسية، حيث يعتمدون على رصد التأثير الذي يسببه الكوكب على نجمه، ورصد الكوكب نفسه مباشرة، ومن أبرز طرق اكتشاف الكواكب في الفضاء ما يلي:

  • طريقة العبور الفلكي: طريقة قديمة نوعًا ما تعتمد على قياس التغيير في شدة ضوء النجم عندما يمر الكوكب بين الأرض والنجم الذي يدور حوله ويحجب جزءًا ضئيلًا من ضوء النجم بشكل دوري. في هذه الطريقة يتم استخدام تلسكوبات مثل «كيبلر» و«تيس».
  • طريقة السرعة الشعاعية: يُطلق عليها أيضًا طريقة ترنح النجم، وتعتمد على الجاذبية المتبادلة حيث يجذب النجم الكوكب ويجذب الكوكب النجم قليلًا نحو جهته، وهو ما يجعل النجم يتحرك أو يتذبذب في مكانه بحركة ضئيلة. وبالتالي يقيس الفلكيون هذا الترنح عبر تحليل زياح الطيف الضوئي للنجم.
  • التصوير المباشر: من خلال التقاط صور حقيقية للكواكب عن طريق إخفاء وهج النجم الساطع باستخدام أجهزة خاصة تسمى «الكوروناغراف»، وتُستخدم هذه الطريقة مع الكواكب الضخمة والشابة التي ما زالت تنبعث منها حرارة عالية.
  • العدسية الجاذبية المصغرة: طريقة تستغل نظرية النسبية لأينشتاين، فعندما يمر نظام نجمي كوكبي أمام نجم أكثر بعدًا، تعمل جاذبية النجم والشيء الكوكبي المحيط به كعدسة مكبرة تقوم بتضخيم ضوء النجم الخلفي لفترة زمنية، وبالتالي يكشف عن وجود الكوكب.
  • رصد الفجوات والآثار في الأقراص الكوكبية: في حالة الكواكب الفتية جدًا مثل نظام إلياس، يلتقط العلماء عبر التلسكوبات الراديوية مثل تلسكوب «ألما» الفجوات والحلقات المفرغة التي ينحتها الكوكب الوليد أثناء دورانه.

تلسكوب كيبلر مخصص لاكتشاف الكواكب الخارجية التي بحجم الأرض وتدور حول نجوم أخرى

هل كوكب إلياس هو أصغر كوكب عمرًا معروف حتى الآن؟

نعم، يُعد كوكب إلياس هو الأصغر عمرًا والأحدث ولادةً بين الكواكب المعروفة حتى الآن، وتصنّف الأجسام والكواكب الأولية في نظام إلياس كواحدة من أصغر الكواكب عمرًا وأحدثها ولادةً التي استطاع العلماء رصدها في الكون. ويُقدّر عمر النجم والقرص الكوكبي في نظام إلياس بأقل من مليون سنة، وتحديدًا بنحوو 800 ألف سنة، وهي مرحلة تُعتبر في الفيزياء الفلكية مرحلة جينية أو ولادة مبكرة جدًا.

وعند المقارنة بكوكب الأرض فإن عمر كوكب الأرض يبلغ تقريبًا 4.5 مليار سنة، ولو اختصرنا عمر الأرض في عمر إنسان يبلغ 45 عامًا، فإن كوكب إلياس سيكون طفلًا حديث الولادة لم يتجاوز عمره بضع ساعات.

في ختام رحلتنا الفلكية، يتجلى لنا كيف أتاح كوكب إلياس الصغير جدًا للعلماء فرصةً استثنائيةً لإعادة كتابة تاريخ ولادة الكواكب، مُثبتًا أن لبنات العوالم الفلكية تتشكل سرعة تتجاوز ما تصورته النظريات الكلاسيكية لسنوات طويلة. إن فك أسرار نظام إلياس والنظم النجمية الشابة لا يمنحنا فهم تفاصيل تكون الكواكب العملاقة البعيدة فحسب، بل يفتح لنا نافذةً فريدةً لننظر من خلالها إلى القصة الأولى لنشأة كوكبنا الأرض ومجموعتنا الشمسية.

شاركونا آراءكم وتساؤلاتكم في التعليقات: هل تعتقدون أن التلسكوبات الحديثة ستكشف لنا قريبًا عن كواكب أولية أحدث سنًّا من نظام إلياس؟ ولا تنسوا مشاركة المقال عبر منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة ويعم الشغف بعلوم الفضاء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.