آليات تحديد الجنس من الكروموسومات إلى نظرية التوازن الجيني

يُعد موضوع تحديد الجنس (Sex Determination) من أهم وأقدم الألغاز البيولوجية التي حيرت العلماء. لماذا تتكون الكائنات الحية من ذكور وإناث بنسب متساوية تقريبًا؟ وما هي الآلية الدقيقة التي تتحكم في هذه الظاهرة؟ منذ زمن أرسطو حتى اكتشاف الكروموسومات تطورت نظرتنا لهذه العملية بشكل جذري.

في هذا المقال، نستعرض رحلة فهمنا لآليات تحديد الجنس، بدءًا من الأنظمة الكروموسومية البسيطة التي تعلمناها في المدرسة، وصولًا إلى النظريات الأكثر تعقيدًا مثل (نظرية التوازن الجيني) التي كشفت عنها التجارب على ذبابة الفاكهة.

يُعد موضوع تعيين الجنس في الكائنات الحية المختلفة من أهم الموضوعات البيولوجية التي تناولها كثير من العلماء بالبحث والدراسة، فقد لفت نظر العلماء -منذ مئات السنين- أن الجنس يتكوّن من ذكور وإناث، في الحيوانات والنباتات، بأعداد متساوية تقريبًا، مع سهولة تمييز كل جنس عن الآخر، ما جعلهم يعتقدون في وجود جهاز خاص يسبب هذه الظاهرة.

تحديد الجنس من أرسطو إلى اكتشاف الكروموسومات

ويُعد ليوناردو دافينشي (1452–1519م) أول من شاهد الحقيقة المعروفة الآن -التي توصّل إليها فيما بعد كثير من العلماء- وهي أن كِلَا الأبِ والأمِّ يتشاركان بالتساوي في توريث صفاتهما إلى أبنائهما، وقد اعتقد أغلب العلماء منذ زمن أرسطو إلى أواخر القرن الثامن عشر بأن الأمهات هُنَّ اللاتي يهيِّئن البيئة الداخلية للجنين، في حين أن الأب هو السبب في إعطائه الحياة الجديدة.

ليوناردو دافينشي

وقد بيّن شبالانزاني Spallanzani (1719–1799م) أنه لا يحدث تلقيح بين ذكرٍ من حيوان الضفدع وأنثاه إذا رُشَّح سائله المنوي.

الكروموسومات والجاميطات أساس تعيين الجنس

مع تقدُّم البحث العلمي، وُجد أن كِلَا البيضةِ والحيوانِ المنوي -في أغلب الكائنات الحية- مختلفان عن بعضهما، ولكن كُلًّا منهما يحتوي على أعضاء متشابهة، وهي النواة والكروموسومات، وأن الأساس المادي للوراثة يعتمد اعتمادًا كليًّا عليهما.

أولاً: جاميطات الذكر مختلفة (Male Heterogametic)

بتقدُّم العلوم السيتولوجية، تمكّن العلماء من معرفة أن عدد كروموسومات الدروسوفيلا هو أربعة أزواج في كل من الإناث والذكور، ففي الإناث يلاحظ أن كروموسومي كل زوج متشابهان، أما في الذكور فيوجد ثلاثة أزواج من الكروموسومات متشابهة تمامًا كما في الإناث، في حين أن الزوج الرابع أحد كروموسوميه يشبه كروموسومي الجنس في الأنثى، ولكن الكروموسوم المرافق يختلف في الشكل والحجم، وهو الذي يُعرف باسم كروموسوم «Y».

فعلى هذا الأساس، يُلاحظ أن إناث ذبابة الدروسوفيلا ميلانوجاستر، والكائنات الحية الأخرى المشابهة لها في تركيبها الكروموسومي، تنتج نوعًا واحدًا من الجاميطات يحتوي على كروموسوم جنس واحد، في حين تُنتج الذكور نوعين من الحيوانات المنوية – بنسبة متساوية – أحدهما يحتوي على الكروموسوم X والآخر على الكروموسوم Y.

ثانيًا: جاميطات الأنثى مختلفة (Female Heterogametic)

يختلف التركيب الكروموسومي السابق في بعض الكائنات الحية الأخرى، فتصبح الأنثى هي الجنسُ المختلفُ الجاميطاتِ، أي إن تركيبها الكروموسومي من ناحية كروموسوم الجنس هو «XY»، والذكر «XX» أي متماثل الجاميطات. وقد اتُّفق في هذه الحالة على اعتبار أن كروموسوم الجنس – بدلًا من إعطائه الرمز «X» – يُعطى له الرمز «Z»، وأن كروموسوم «Y» يُعطى له في هذه الحالة الرمز «W». فسواء اسـتُخدمـت «X أو Y»، أو «Z أو W»، فإن ذلك لا يُغير من نتيجة الصورة النهائية.

تُعد الأنثى في هذه الحالة هي المسؤولة عن تعيين الجنس، ويُميَّز الأفراد بالتركيب الكروموسومي «ZZ» في الذكور، و«WZ» في الإناث، ويُلاحظ وجود هذا النوع من التركيب الكروموسومي في الطيور وبعض الأسماك والفراشات وأبو دقيق.

الكروموسومات وتعيين الجنس

نظرية التوازن الجيني في تعيين الجنس

أظهرت التجارب أن الأمر ليس دائمًا بهذه البساطة. ففي بعض الكائنات، لا يتحدد الجنس بوجود كروموسوم معين (مثل Y)، بل بنسبة الكروموسومات الجنسية إلى الكروموسومات غير الجنسية (الجسمية أو الأوتوسومات).

أولًا: الأفراد ثلاثية المجموعة الكروموسومية في ذبابة الدروسوفيلا

من المعروف أن أنثى ذبابة الدروسوفيلا ميلانوجاستر تحتوي على أربعة أزواج من الكروموسومات، بما في ذلك كروموسوم الجنس، وأن الذكر منها يحتوي على نفس عدد أزواج الكروموسومات، ولكنه يحتوي على كروموسوم جنس واحد والآخر كروموسوم «Y».

كروموسومات ذبابة الدروسوفيلا

وقد اكتشف بريدجر بعض إناث هذه الذبابة ثلاثية المجموعة الكروموسومية بدلًا من أن تكون ثنائية المجموعة الكروموسومية «Diploid»، وأن كروموسومات هذه الذبابة – بما فيها الكروموسومات الجنسية – مكررة ثلاث مرات، ولكن لا تختلف هذه الأنثى في مظهرها أو خصوبتها عن الحشرات ثنائية المجموعة الكروموسومية. وعند تزاوج مثل هذه الحشرات (ثلاثية المجموعة) مع ذكر (ثنائي المجموعة)، يُلاحظ أن الأفراد الناتجين عن مثل هذا التزاوج يحتوون على المجاميع التالية:

  •  أفراد تُشبه الأبوين، إما ثنائية المجموعة الكروموسومية كالذكر، أو ثلاثية المجموعة كالأنثى.
  • مجموعة من الأفراد الجديدة، وهي: أفراد بين جنسية «Intersex»، وإناث فائقة الأنوثة «Superfemale»، وذكور فائقة الذكورة «Supremale».

ويمكن معرفة منشأ هذه الأفراد إذا دُرس الانقسام الميوزي في الإناث ثلاثية المجموعة الكروموسومية. فالمعروف أن مثل هذه الأفراد تحمل كلا من الكروموسومات الجنسية والجسمية في حالة ثلاثية، ويُلاحظ أنها تُنتج أربعة أنواع مختلفة من الجاميطات، وهي:

  1. جاميتة تحمل كروموسوم جنس واحد ومجموعة فردية من الكروموسومات الجسمية.

  2. جاميتة تحمل كروموسوم جنس واحد ومجموعة زوجية من الكروموسومات الجسمية.

  3. جاميتة تحمل زوجًا من الكروموسومات الجنسية ومجموعتين من الكروموسومات الجسمية.

  4. جاميتة تحمل زوجًا من الكروموسومات الجنسية ومجموعة واحدة من الكروموسومات الجسمية.

يُنتج الذكر ثنائي المجموعة نوعين من الجاميطات، إحداهما تحتوي -بجانب الكروموسومات الجسمية في حالة فردية- على كروموسوم الجنس، والآخر يحتوي كروموسوم «Y». وبالتزاوج بين هاتين الذبابتين من الذكور والإناث، يظهر ثمانية زيجوتات مختلفة في تركيبها الكروموسومي.

وقد كان الرأي المعروف قبل ظهور نتائج التجربة السابقة أن كروموسوم الجنس يحتوي على جينات تجعل الفرد أنثى، في حين أن كروموسوم «Y» يحمل جينات تجعل الفرد ذكرًا. وقد بُني هذا الرأي -الذي لم يُؤخذ به- تبعًا لكون الأنثى ذات التركيب الكروموسومي «XX»، والذكر «XY». ولكن بظهور نتائج التجربة، والحصول على فرد يحتوي في تركيبه الكروموسومي على كروموسوم «Y» بجانب احتوائه زوجًا من الكروموسومات الجنسية، أي إن تركيبه هو «XXY»، تبيَّن أن هؤلاء الأفراد هي إناث طبيعية خصبة -إذا وُجدت الكروموسومات الجسمية في حالة زوجية- ولا تختلف هذه الإناث عن الإناث ثنائية المجموعة الكروموسومية أي «XX».

وقد وضع العالم بريدجز الرأي القائل بأنه في ذبابة الدروسوفيلا، أن كروموسوم «Y» لا يحمل جينات تؤثر في الذكورة، وأن هذه الجينات توجد محمولة على الكروموسومات الجسمية، وأن كروموسوم الجنس «X» يحمل الجينات التي تؤثر على الأنوثة، وأن الجنس في هذه الذبابة يتعيّن بواسطة التوازن بين الجينات المحمولة على كل من نوعَي الكروموسومات، أي نسبة الكروموسومات الجنسية إلى عدد الكروموسومات الجسمية في الفرد نفسه.

وهذه النسبة هي 1 صحيح في كل من الإناث الثنائية أو الثلاثية المجموعة الكروموسومية، وتكون الأفراد في هذه الحالة خصبة ذات حيوية طبيعية. وإذا أصبحت النسبة بين الكروموسومات الجنسية والجسمية هي 0.5، يكون الفرد ذكرًا خصبًا أيضًا. ولكن إذا أصبحت هذه النسبة وسطًا بين النسبتين السابقتين، أي 0.67، فإن هؤلاء الأفراد تصبح بينَ جنسيّةٍ، أي إنها أفراد لا هي ذكور ولا هي إناث، ولكنها تقع بين كل من الجنسين، وهذه الأفراد تكون عقيمة (وهذا بخلاف حالة الأفراد الخناثى، التي تحمل كلا من أعضاء التذكير والتأنيث، وتكون مثل هذه الأفراد خصبة ما عدا في الحيوانات الراقية).

وأخيرًا، إذا كانت النسبة بين الكروموسومات الجسمية والجنسية هي 1.5 أو 0.33، تُعطي الأفراد الناتجة إناثًا فائقة الأنوثة أو ذكورًا فائقي الذكورة على الترتيب، ومثل هذه الأفراد تكون ضعيفة وعقيمة.

بذلك يمكن القول إن كروموسوم «Y» في الدروسوفيلا لا يحمل جينات تعمل على تعيين الجنس في الفرد، ولكن وجود أو غياب مثل هذا الكروموسوم لا يحدد الصفات الجنسية للفرد، بل يتوقف ذلك على عدد الكروموسومات الجسمية والجنسية. وقد جاء إثبات ذلك من وجود حشرات ذكور تركيبها الكروموسومي هو «XO» غير خصبة، ما يؤكد أن كروموسوم «Y» لا يؤثر على صفة التذكير، ولكنه مهم في صفة الخصوبة.

ثانيًا: الأفراد بينَ جنسيّةٍ ثنائيةِ المجموعة الكروموسومية: Diploid intersex

تختلف الكروموسومات الجنسية في الأفراد بين الجنسية ثنائية المجموعة الكروموسومية – ومنها الفراشات – عمّا في حالة الدروسوفيلا، إذ إن أنثى الفراشات هي التي تكون نوعين من الجاميطات، أما الذكور فيكونون نوعًا واحدًا منها، يحتوي كل حيوان منوي على كروموسوم جنس «Z».

وقد بدأ جولدشمدت Goldschmidt منذ عام 1911م إلى عام 1938م في نشر أبحاثه متناولًا هذا الموضوع، وبالأخص على فراشة «جبسي موث» Gypsy moth، إذ إن الذكور والإناث يختلفان عن بعضهما اختلافًا واضحًا، وذلك في لون الجسم؛ فالإناث منها ذات لون قبيح، والذكور منها ذات لون جميل، وهذه الحشرة منتشرة بكثرة في جميع أنحاء العالم.

تختلف الأفراد بين الجنسية في فراشة «جبسي موث» عن ذلك في ذبابة الدروسوفيلا ميلانوجاستر، في أن الأولى منها تحتوي على مجموعتين من الكروموسومات الجسمية بجانب كروموسومات الجنس، أي «AA + XX».

أما في حالة ذبابة الدروسوفيلا، فقد سبق أن ذُكر أن الأفراد بين الجنسية ذات تركيب كروموسومي «AAA + XX» أو «AAA + YXX».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة