هل تعلم أن اليابان تغلق أكثر من 400 مدرسة كل سنة؟ ليس بسبب الزلازل أو الكوارث الطبيعية، بل بسبب نقص الأطفال! نعم، لقد وصلت الأمور إلى حد أن ساحات اللعب والحدائق أصبحت خالية تمامًا، كأنها أماكن مهجورة تسكنها الأشباح، وقد أعلنت الحكومة اليابانية نفسها مؤخرًا أن البلاد تتجه بسرعة نحو الانقراض، فما الأسباب؟ وما الإجراءات الغريبة التي اتخذتها الحكومة لمحاولة إنقاذ اليابان من مصير مجهول؟
في هذا التقرير، سنأخذكم في رحلة عبر التاريخ والمجتمع الياباني، لنفهم كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد.
الزواج في اليابان.. من واجب ديني إلى تقليد مهجور
في العصور الإمبراطورية القديمة، كان الزواج والإنجاب وتكوين الأسرة واجبات دينية ومقدسة، أما من لم يتزوج أو لم ينجب، فكان يُتهم بالسحر أو المسّ، وكانت الأسرة اليابانية العادية تتكون من 6 إلى 7 أطفال في الأقل، وأحيانًا أكثر من 15 طفلًا، لأن الأطفال كانوا يُعدّون القوة الإنتاجية الأساسية، خاصة في مجتمع زراعي.

ومع التوسع العسكري للإمبراطورية اليابانية، خاصة في الصين وكوريا، اشتدت الحاجة لعدد غير محدود من الجنود، لذا كان الشاب يُزوّج في سن الـ15 ليبدأ رحلة الإنجاب، فالمطلوب منك أن تتزوج وتنجب وتكرّر العملية.
القنبلة النووية تغيّر كل شيء
كل شيء تغير بعد الحرب العالمية الثانية، فالولايات المتحدة ألقت قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناجازاكي، ما أدى إلى دمار شامل واستسلام اليابان، حينها، بدأ اليابانيون بإعادة بناء دولتهم من الصفر، وكان العمل الشاق هو السبيل الوحيد للنجاة، وكان الجميع -رجالًا ونساء، شبابًا وشيوخًا- يعملون ساعات طويلة تصل إلى 17 ساعة في اليوم، بلا عطل ولا راحة.
كيف أصبح العمل ديانة اليابانيين الجديدة؟
بحلول الثمانينيات، أصبحت اليابان قوة صناعية عظمى، وتحوّل العمل إلى أسلوب حياة مقدس، فالموظفون يعملون من 10 إلى 12 ساعة يوميًا، حتى إن كثيرًا منهم لا يأخذون عطلتهم الأسبوعية.. لا وقت للتعارف، لا وقت للحب، بل حتى الأكل يُشترى من آلات البيع في الشوارع.
اليابان تتجه نحو الانقراض
هذه الثقافة التي تقدِّس العمل أدّت إلى كارثة ديموغرافية، ففي عام 2023، تراجع معدل الإنجاب إلى 1.2 طفل لكل أسرة، في حين أن الحد الأدنى اللازم لاستمرار المجتمع هو 2.1! والنتيجة؟ إغلاق مئات المدارس سنويًّا، وانخفاض عدد السكان بدرجة مرعبة.
بين عامي 2010 و2024، خسر المجتمع الياباني أكثر من 10 ملايين نسمة، وإذا استمر هذا الاتجاه، فسيتراجع عدد السكان إلى 87 مليون نسمة بحلول عام 2055، وإلى 40 مليونًا بعد 150 سنة، ماذا عن 200 عام؟ قد يصبح عدد سكان اليابان مماثلًا لعدد سكان دول صغيرة مثل قطر أو الإمارات.
أزمة شيخوخة غير مسبوقة
%30 من سكان اليابان اليوم هم من كبار السن، وهي أعلى نسبة شيخوخة في العالم، والأسوأ أن 70% من سكان اليابان عام 2125 سيكونون من المسنين، إذا استمر هذا الوضع، وهذا يهدد بانهيار الاقتصاد؛ لأن الشباب هم عماد الإنتاج، وهم من يشغلون الوظائف في التعليم، والطب، والبناء، والصناعة.

الإجراءات اليابانية العجيبة لمواجهة الكارثة
في ظل هذا الخطر، بدأت الحكومة باتخاذ خطوات غير مسبوقة:
- تخصيص 32 مليار دولار سنويًا لدعم الأسر.
- منح المتزوجين الجدد مبلغ 4000 دولار.
- منحة 3000 دولار لكل طفل يولد.
- دعم مراكز رعاية الأطفال، وتقديم إجازات مدفوعة الأجر للآباء.
- إعطاء الأفضلية في التوظيف للمتزوجين.
- تخفيض الضرائب على الأسر وزيادتها على العزاب.
- دعم تطبيقات المواعدة الحكومية.
- إنتاج أفلام ومسلسلات تعزز فكرة الزواج والإنجاب.
- تقديم علاج نفسي مجاني للشباب الذين يعانون الخجل أو الرهبة من الجنس الآخر.
هل يكفي المال لتغيير العقليات؟
على الرغْم من كل هذه الجهود، وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة كبيرة من الشباب لا تزال ترفض فكرة الزواج أو الإنجاب، وفي استطلاع رأي عام 2016 نجد أن:
- %70 من الرجال غير المتزوجين و60% من النساء قالوا إنهم لا يرغبون في الدخول بعلاقة.
- %25 من الشباب اليابانيين يرون أن الحب والزواج مجرد تقاليد قديمة بلا جدوى.
مصير اليابان في مهب الريح
تقف اليابان اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح في تغيير ثقافة مجتمعها وإعادة بناء التوازن الديموغرافي، أو تواجه مستقبلًا غامضًا قد ينتهي بانقراض أمة بِرُمَّتها.
ما رأيك أنت؟ هل يمكن للمال والسياسات الحكومية أن تعيد إحياء الرغبة في الزواج والإنجاب؟ وهل ترى أن اليابان وحدها تواجه هذا المصير، أم أن دولًا أخرى في طريقها إلى النفق المظلم نفسه؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.