أزمة الوعي العربي وتجليات الأزمة الفكرية في العالم العربي هما محور حديثنا لتشخيص الواقع، بالنظر إلى العصر الذي نعيش فيه والسبل اليسيرة التي تمكننا من أن نكون في الريادة، والواقع العربي ضمن هذا العصر الذي من المفترض أن تشمله هذه الريادة، لكن الواقع الكائن فيه يظهر تساؤلًا جوهريًا: ما الحلقة المفقودة التي تجعلنا نعيش على نحو يناقض الريادة؟ أو ما يُعرف بـ(الركود الفكري والانحدار الثقافي)، والريادة هنا لا نقصد بها ريادة اقتصادية أو تجارية أو غير ذلك، وإنما ريادة فكرية، ريادة جوهرية تمس فكر الإنسان وتعامله الحكيم مع واقعه.
أزمة الوجود بين الطموح والواقع في المجتمعات العربية
فالحلقة المفقودة في خريطة الواقع العربي والهوية العربية هي التي -بفقدها- تخلق الفجوة التي تجعلنا نتأرجح بين أماني التقدم وغفوة فكر، وهي الفجوة بين الطموح والواقع؛ فإذا كنا نعمر هذه الأرض وزوايا هذا الواقع بأقدام تسير وتعمل وبنبضات قلب، فلماذا نعيش عكس ما يجب أن نكونه؟ أَيُعقل أن في وجودنا عِلّة، أي أزمة الوجود في المجتمعات العربية؟ أم أن الحلقة المفقودة تكمن فيه؟

ما أسباب ضعف الوعي الذاتي عند الفرد العربي؟
لقد أخذ مصطلح الوجود حيزًا في الدراسات الفكرية والفلسفية، وكانت بدايته سؤالًا عن معنى الوجود: لماذا وجدنا؟ فنجح، إلى حد ما، في تشكيل الوعي الذاتي، الوعي الذي ينصب أساسًا على أفكار الذات ومشاعرها، وهو جوهر الوعي الذاتي والوجود. ولكن ما موقع الوعي بغاية الوجود في الإطار الفكري والفلسفي في الدراسات العربية؟ وهنا نناقش غياب الوعي الذاتي، فهل الفرد العربي يعي غاية وجوده؟ وإن لم يكن كذلك، فهل هذا الوعي غاب أم غُيِّب؟
أزمة وجود: نفتقد الغاية قبل الوسيلة!
ما نعيشه الآن هو أزمة وجود، وتتحدد أساسًا في تعاملنا معه بمعناه السطحي؛ فالوجود مصطلح عميق وُضعت له غاية، وللأسف نعاني غياب الغاية لدى الفرد العربي. مع كل بداية سنة نبدأ برسم غاياتنا وأهدافنا ونضع لها الوسائل لنصل إليها، وهذا يظهر وجودنا الذاتي أي الوعي الذاتي، وجودًا يُرسم بمعايير ذاتية لا جماعية.
ولكن لم نكن ندري أن هذا سيجرنا إلى أزمة، أزمة كان تكوينها ابتداءً من إغفالُنا الغايةَ الأسمى، الغاية التي تبقى ثابتة حتى وإن خططنا لإنجازاتنا الصغيرة؛ بل إن هذه الإنجازات كان من المفترض أن تدخل في إطار تلك الغاية، ولكن لسبب ما تقوقعت في الغايات الذاتية فقط. فأزمة الوجود تتكون عند افتقارنا إلى الغاية لا إلى الوسيلة فقط؛ لأن إدراك الغاية والوعي بها هما اللذان يدفعاننا إلى البحث عن الآليات التي ترمي إلى تحقيقها؛ لا نستطيع أن نرسم الخطوات ونحن نجهل الغايات.
إن هذه الأزمة تكمن في كوننا تجردنا من التساؤل العميق الذي يخلق فينا المعنى الحقيقي لكوننا إنسانًا؛ فعلى مدار السنوات الأخيرة أصبح الفرد العربي مجردًا من جوهره الذي يجعله يؤدي دورًا يخدم وجوده، أو بالأحرى يكون قادرًا على أن يعي غاية هذا الوجود. إن أزمة الوجود لا تقتصر على الوعي الذاتي، وإنما تمتد إلى الوعي الجماعي والقيم والأخلاق في المجتمع، وهذا الأخير يبدأ بالتكوُّن على أساس صحيح قائم على الوعي بالذات، ونحن في موضع ما زلنا نتصارع مع ذواتنا، والقلة تعرف ماذا تريد وبماذا تشعر.
ربما الحديث عن الوعي الجماعي أمر مبكر في ظل التحول الاجتماعي الراهن، وما زلنا لم نقطع شوطًا في الوعي الذاتي، ولكن الواقع يتطلب أن نكشف أن القصور في الوعي الذاتي هو الذي أنتج تغييبًا في الوعي الجماعي، وعلى هذا انعدام الوعي بغاية الوجود. ولكن إلى أي حد يمكننا أن نحصر أسباب هذا التغييب؟
لماذا يغيب التفكير النقدي في العالم العربي؟
إن التفكير النقدي في العالم العربي يواجه تحديات جمة، أبرزها تأثير التكنولوجيا على الفكر، لنعرف أولًا أن التفكير خاصية تميز بها الإنسان، وهو قادر على أن يفكر ويُبدع كأنه أصل عام، ولكن مع التطورات الحاصلة، وحدوث فجوة إدراكية أو تمييزية بسبب التكنولوجيا التي اكتسَت حياتنا، وهنا يكمن كيف تؤثر التكنولوجيا على نوعية الفكر العربي؟ حدث انعدامٌ في التفكير العميق وطرحِ تساؤلات تُنجي الواقع، بل الفرد، من الأزمات الحاصلة، وهو ليس على دراية بهذه الأخيرة.
فالقراءة السطحية، والرغبة السريعة في الوصول إلى الجواب والمعلومة، ما أدى إلى تراجع الثقافة المعرفية في الدول العربية، أعدمت هذا النوع من التفكير، حتى أصبحنا استهلاكيين لا في الغذاء فحسب، بل حتى في المعلومات دون تمحيصها؛ وهذا ما يُسمى انعدام مهارة التفكير النقدي، وهو الفارق بين القراءة النقدية مقابل الاستهلاك المعلوماتي؛ لأن كلاهما يسهم في أشكلة الواقع وفلسفته للكشف عن قضاياه.
فالجمود الذي أصاب تفكيرنا كان نتيجة عدم حرصنا وإدراكنا على فرز ما يصلح لتفكير الآلة وما يصلح للتفكير البشري العميق والنقدي. فصناعة الوعي الجماعي تكمن في السبل نفسها التي قضت على تشكله؛ وربما قضايا الفكر العربي من بين القضايا التي تستلزم الوسائل عينها التي شكلت أزمتها التي يمكنها في الوقت نفسه أن تخرجها من زنزانة الأزمات.

كيف نعيد بناء الفكر العربي بعد سنوات الركود؟
إن الحل يكمن في التنوير الفكري وتفعيل دور الثقافة والمعرفة في إصلاح المجتمع العربي. في آخر كتاب قرأته، ختم كاتبه بعبارة «كن راديكالي»، وهذه العبارة تعني أن نكون مختلفين في تفكيرنا وفي رؤيتنا للأمور، برؤية عميقة تجعلنا نصنع واقعًا مختلفًا عما هو الآن.

فصناعة هذا الوعي، ومثل هذه النماذج، يطرحان إشكالية أخرى، وهي: كم نحتاج من الوقت لنعد كل هذا؟ ولكن لا بأس إن عدنا إلى الوراء وتوقفنا لحظة وقلنا إننا بحاجة إلى كثير من الوقت حتى نعترف بأننا نعيش مثل هذه الأزمة؛ فالاعتراف أول سُبل التشافي. فإلى أي مدى يمكن للواقع العربي أن يصمد في ظل غياب الوعي بغاية الوجود؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.