في نص أدبي عميق يجسد الكاتب مأساة الحرب في السودان وتأثيرها المدمر على الإنسان والمكان، بحوار مكثف عند نقطة التقاء النيلين، يسلط النص الضوء على الآثار النفسية للنزاعات المسلحة، وكيف تتحول الصدمات والفقدان إلى إرث ثقيل يحمله الناجون معهم عبر الأجيال، ما يؤكد أن النجاة الجسدية من الحرب لا تعني بالضرورة النجاة من دمارها الداخلي.
جغرافية الألم وتاريخ النزاعات
عندما يلتقي النيلان عند الخرطوم، يبدو المشهد المهيب كأن قارةً كاملة تحاول أن تجمع دمها المتفرق في شريانٍ واحد ينبض بالحياة والألم معًا.
هناك تبدأ الحكاية الحزينة؛ بين صحراءٍ تعرف لغة الصبر أكثر مما تعرف رحمة المطر، وغاباتٍ في الجنوب تتنفس رطوبةً كثيفة كأنها دموع الأرض المنهمرة، وسهولٍ وُسطى كانت يومًا طريقًا آمنًا للقوافل ومرعى للقبائل، قبل أن تتحول بفعل صراعات السلطة إلى خطوطٍ وهمية على خرائط السياسيين.
عثمان.. حارس الذاكرة المنهكة وصدمة الفقد
في ذلك المكان الموحش والمثقل بالذكريات رأيتُ عثمان، كان يجلس بوهن خلف خيمةٍ باهتة اللون، متكئًا على عصا من خشب السنط الذي يرمز لصلابة الإنسان وعناده.

جسده نحيل مثل غصنٍ يابس استنزفته السنين، لكن عينيه بقيتا يقظتين كأنهما آخر حارسين لذاكرةٍ طويلة ومؤلمة. الريح تحرِّك أطراف الخيمة في بطء شديد، والرمل حوله يحمل آثار أقدامٍ كثيرة، كأن المكان اعتاد أن يرى الناس يأتون يحملون آمالهم ثم يختفون تاركين وراءهم سرابًا.
ترددتُ قبل أن أقترب منه. ففي زمن الحرب يصبح الاقتراب من الغرباء مغامرة محفوفة بالمخاطر وتوجسًا مبررًا. لكن عثمان رفع رأسه بثبات قبل أن أتكلم وقال بصوتٍ خشن يحمل حكمة الشيوخ:
«اجلس يا ولدي، الناس صاروا يخافون من الكلام أكثر من الرصاص».
جلستُ على الرمل بجواره. كانت الأرض دافئة، كأنها تخفي حرارة دمٍ قديم.
سألني فجأة:
«هل تعرف كيف يفقد الإنسان كل شيء في يومٍ واحد؟».
لم أعرف ماذا أقول. أشار بعصاه إلى الفراغ أمامنا.
«هناك كان بيتي».
لم يكن هناك شيء. فقط أرض قاحلة وبعض الحجارة السوداء.
قال بهدوء:
«صحوتُ ذات صباح فوجدت البيت رمادًا. زوجتي، أولادي، حتى أبي العجوز الذي كان يحدثني عن أيام المهدية، كلهم ذهبوا».
صمت لحظة.
«بقيتُ أنا».
سيكولوجية الاغتراب وصراع الهوية الوطنية
كانت الريح تمرُّ بين الخيام مثل أنينٍ طويل.
قال عثمان وهو يحدِّق في الأفق:
«الشباب اليوم ضاعوا. بعضهم تحت الركام، وبعضهم في بلادٍ بعيدة يعدُّ أيامه بعدد الإيجارات».
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«هناك يقولون إننا جئنا لنأخذ رزقهم. لا يعرفون أننا جئنا لأن الموت كان خلفنا مباشرة».
رفع رأسه نحو السماء.
«تعرف ما مشكلة هذه البلاد؟».
هززت رأسي.
قال:
«نحن في نقطة التقاء كل شيء. الصحراء والغابة، العرب والأفارقة، الطرق القديمة والحدود الجديدة».
ثم أضاف:
«نحن قلب إفريقيا، أو ربما بنكرياسها».
انتظر قليلًا ثم قال:
«عضو صغير يربط أجزاء الجسد. حين يعمل جيدًا لا يلاحظه أحد، لكن حين يمرض، يتألم الجسد كله».
سكت طويلًا. ثم قال:
«عشت تسعين سنة. رأيت الاستعمار يدخل ويخرج، رأيت الاستقلال يولد مثل طفلٍ ضعيف، رأيت الانقلابات والثورات».
تنهد.
«وفي كل مرة كنت أقول: هذه آخر حرب».
نظر إليَّ بعينين عميقتين.
«لكن هذه الحرب مختلفة».
سألته: «لماذا؟»
قال بهدوء: «لأنها ليست بين جيشين».
ثم أضاف: «إنها بيننا، وبين ما أصبحنا عليه».
كانت النجوم قد بدأت تظهر في السماء.
قال عثمان بصوتٍ خافت:
«الذي فقد أهله، والذي فقد حلمه، والذي فقد وطنه، كلنا نحمل الجرح نفسه».
ثم ابتسم ابتسامة متعبة.
«لكن المفاجأة يا ولدي، ليست أننا نموت».
توقف لحظة.
«المفاجأة أننا ما زلنا أحياء».
جلسنا صامتين طويلًا.
ثم سألته أخيرًا:ر«هل تعتقد أن هذه الحرب ستنتهي؟».
ابتسم عثمان ببطء، ابتسامة رجلٍ تعب من الأجوبة السهلة.
قال: «الحروب تنتهي دائمًا».
سكت لحظة. ثم أضاف: «لكن المشكلة ليست في الحروب».
نظرت إليه. نهض ببطء متكئًا على عصاه، وغرسها في الرمل وقال:
«المشكلة في الناس الذين ينجون منها».
سألته: «كيف؟»
نظر إليَّ بعينين هادئتين وقال:
«لأنهم يحملونها معهم، إلى الحرب التالية».
ثم مضى ببطء بين الخيام. وبقيتُ وحدي تحت السماء. أفكر في شيءٍ واحد فقط:
ربما لم يكن وطننا مريضًا بالحرب، ربما كانت الحرب هي الشيء الوحيد الذي بقي حيًا فيه.
تقدم لنا هذه الخاطرة درسًا قاسيًا ومؤلمًا عن الثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب ضريبةً للنزاعات المسلحة، إن الدمار الحقيقي لا يكمن في انهيار الجدران والمؤسسات، بل في انهيار الأرواح وفقدان الشعور بالانتماء والأمان.
تبقى الحروب دائرةً لا تنتهي ما دام الناجون يحملون ندوبها في أعماقهم وينقلونها كإرث غير مرئي لمن بعدهم؛ لذا فإن التعافي الوطني الحقيقي يبدأ بالدعم النفسي والاجتماعي العاجل، وإرساء قيم السلام والتسامح لكسر دائرة العنف المفرغة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.