سفيرة سورية للتراث الثقافي الإنساني إلى العالم، بأوراقها الناعمة وعلى الرغم من صغر سنها، تفتح أبواب المتحف الملكي في تورنتو بإيطاليا خلال شهر يوليو/تموز، تلك الناعمة ذات الخمس سنوات تحمل جواز سفرها السوري أينما حطت رحالها، فقد أدرجتها اليونيسكو على قائمة التراث الثقافي غير المادي في العاصمة الكولومبية عام 2019م.
اقرأ أيضًا لغة الزهور حين تتعطل لغة الكلام
أصل الوردة الشامية لاروزا دامسينا
فالوردة الشامية أو وردة الجوري، هي تعبير عن الثقافية السورية ومرآة لها، تلك الآسرة التي تمتد جذورها ضاربة في التاريخ، قد عُرِّفت باسم «دمشق» أقدم عواصم العالم، ومهد الحضارات، وليس هذا وحسب، فهي ليست تحمل اسمها فقط، بل عمرها أيضًا يُضاهي عمر دمشق.
ومنها ذاع صيتها، وانتشرت عبر العصور إلى بلدان أخرى، فقد انتقلت من بلاد الشام إلى اليونان وروما ومصر القديمة والمغرب العربي وأوروبا وتركيا والهند وإيران عبر القوافل التجارية.
تُنسب ملكة الورود إلى سلالة الفصيلة النباتية الوردية، ويتجدد مولدها سنويًّا، فتتفتح براعمها خلال فصل الربيع بشهر مايو/أيار من كل عام، وتملأ رائحتها الجذابة أطراف الريف الدمشقي.
كانت سفيرتنا محط الأنظار، وتركت بصمتها أينما حلَّت، فلا عجب من أنها قد أغرت بجمالها كل من مرَّ بدمشق أو سكنها، وقد ذاع صيتها عبر مرِّ العصور، ويمتلئ التاريخ بقصصها مع الملوك والأدباء والشعراء.
فقد رُوي أن صلاح الدين الأيوبي عندما حرر القدس من أيدي الصليبيين، جلب 500 جمل محمل بماء الورد من دمشق ليُطهِّر أرض القدس من رجس الغزاة.
أما الخليفة المتوكل فقد بلغ إعجابه بهذه الوردة إلى منع عامة الشعب من زراعتها، وقال فيها: «أنا ملك الملوك، وهي ملكة الورود، لذا يستحق كل منا الآخر».
وقد تغنَّى بها شاعر سوريا نزار قباني في عدة قصائد، نذكر منها «القصيدة الدمشقية»، قال:
أنا وردتكم الدمشقية يا أهل الشام ... فمن وجدني منكم فليضعني في أول مزهرية
وكثيرًا ما كان نزار يُصوِّر بيئته الدمشقية التي ولد وعاش في بيوتها الرائعة، فكان خير من رسم ملامح الجمال الدمشقي وصوَّرها في أذهان القراء في العالم.
وقد جاء ذكر وردتنا في روائع الأدب العالمي (في ملحمتي الأوديسة والإلياذة) لهوميروس.
أمَّا الكاتب البريطاني الشهير وليم شكسبير فكتب واصفًا جمال المرأة على لسان أحد الأبطال في إحدى مسرحياته متغزلًا بحبيبته، فقال: «جميلة كجمال وردة دمشق».
اقرأ أيضًا ألوان الزهور ودلالاتها
أسرة الوردة الشامية لاروزا دامسينا
وإذا أردنا أن نتعرف على هذه الآسرة سريعًا، فإنها شجرة كبيرة الحجم، قوية النمو، كثيرة الفروع، معمرة، تتحمل الظروف البيئية المختلفة، وتصلح زراعتها في بيئات قاسية لا تصلح لزراعة نباتات أخرى، وتوفر بيئة مناسبة لتربية النحل وإنتاج العسل، وأيضًا إنها تُسهم في الحدِّ من التصحر وزيادة رقعة الأماكن المشجرة.
وما يستتبع ذلك من إشادة للمنشآت العمرانية والنشاط السكاني، وتوفير فرص عمل في قطاعات عدة، ولها دور أساسي في تنشيط السياحة البيئية، لكونها منجمًا مهمًّا من مناجم الطبيعة وما لها من فوائد عدة.
ملكة الورود، عُرفت بعدة أسماء أخرى كالورد السلطاني والورد المحمدي، واسمها الشائع هو الورد الجوري، وهي لا تقطف كأي وردة أخرى، بل حين يحين موعد جمعها السنوي، إذ تتجهز الفتيات ونساء القرية لاقتطافها، ويحتفون بها وكأنها عروس في ليلة الزفاف، فيحملن السلات ليجمعن فيها الأزهار المقطوفة، ويتبادلن الأحاديث والنكات وبعض الأهازيج الشعبية والأغاني الفلكلورية، ويطربن لسماع أصواتهن الشجية المملوءة بالحب والعطاء الوفير.
«بيسألني الورد بتقطفني لمين؟
قلت للورد..
خود مني هالعهد..
ما رح أهديك إلا لأحلى الحلوين»
يُقيم أهالي القرى المزروعة بالورد الجوري شعائر خاصة وتفاصيل دقيقة للجمع، إذ يبدؤون قطف الزهور في ساعات الفجر الأولى، وقبل شروق الشمس.
اقرأ أيضًا زهرة النرجس
أهمية الوردة الشامية لاروزا دامسينا
ومن أزهار الجوري نحصل على زيت الورد، وهو سائل مشهور عالميًّا يُعد الأساس في صناعة العطور، وماء الورد، وشراب الورد، ومربى الورد، والعسل، ومواد التجميل والمساج، وصناعة المنظفات (الصابون، الشامبو، ملطف الجو). ونحصل عليه بقطف بتلات الأزهار التي تبدأ التفتح عند الربيع.
إذ يُحرَص على قطافها قبل ارتفاع درجة حرارة الشمس للمحافظة على زيتها العطري الذي يتحول بعد ساعات قليلة إلى سائل عطري يجمع في الزجاجات.
ومن المعروف أن كل صناعة تدخل فيها ملكة الورود ذات طريقة خاصة في تحضيرها، فماء الورد الطبيعي يُحضر بجمع بتلات الأزهار ثم وضعها في جهاز التقطير الخاص بكل أسرة، إذ تُوضع الأزهار في الطنجرة وتُغمر بالماء، ويجب أن تكون كمية الماء مناسبة لعدد الأزهار.
وكلما كانت النار هادئة كانت النكهة جيدة أكثر والرائحة أزكى، فماء الورد يُفيد البشرة ويُغذيها ويُرممها ويُنقيها ويُرطبها، ويدخل ماء الورد في كثير من الصناعات الطبية ومستحضرات التجميل والمنظفات.
أما عن شراب الورد الطبيعي فهو مكوَّن من ماء الورد المغلي والسكر، ويُشرب باردًا، وهو غني بفيتامين c، ومنظم للهضم كذلك، وملطف لتهيج الأغشية المخاطية.
أما زيت الورد الصافي، فهو مكلف جدًّا وغالي الثمن، فللحصول على لترٍ واحدٍ منه نحتاج إلى 600 زهرة، وهو المكوِّن الرئيس في تحضير أجود العطور العالمية.
مثل: (Givenchy Harvest 2010 Very)(Irresistible Rose Damascena Givenchy)، التي اتخذت من الوردة علامة تجارية للعطر كذلك.
وأيضًا إن زيت الورد مفتح للون البشرة وقابض لمساماتها، ويُستخدم كذلك لعلاج الالتهابات العينية الخفيفة، وللأطفال في حالة الحساسية والاحمرار، ولمعالجة حموضة المعدة، وتنظيم ضربات القلب.
وعن صناعة الزهورات (زهورات الوردة الشامية) إذ إن لها فوائد جمة مثل معالجة أمراض الجهاز التنفسي والهضمي، ولطالما كانت رفيقة البحارة في أسفارهم إذ يتغذون عليها للوقاية من مرض الإسقربوط فيغلون ثمارها مع البذور، وتُستخدم لمعالجة الحصى والرمل في الكلى أيضًا، وتُحضَّر الزهورات بقطف أزرار الوردة قبيل تمام تفتحها، وتجفف في الشمس.
وإن مطحون البراعم المجففة يُستخدم بوصفه نوعًا من أنواع التوابل المُنكهة التي تدخل في صناعة الحلويات والكعك والقهوة، فيُضفي عليها طعمًا لذيذًا.
ومما نشير إليه أن الوردة الشامية مزروعة على امتداد سورية، فعلى الرغم من أنها تُنسب إلى دمشق، لانتشارها بكثرة في الريف الدمشقي، فإنها مزروعة في محافظات سورية أخرى، كحلب واللاذقية وغيرها.
ستبقى روزا دامسينا سيدة الورود، وملهمة الشعراء، وحاملة أسرار المحبين، وبشذاها الآخاذ استطاعت عبر العصور أن تمد جسرًا للسلام والصداقة والثقافة، فهي رسول المحبة المحمل بتذكرة عبور للعالم، ما جعلها خير مَن يُمثل السوريين، فهي بصفاتها الطبيعية تحمل مزايا وسمات شعبها العريق من الطيب والأصالة والحب والخير والنقاء والعطاء.
❤️❤️❤️
🌹❤️😘
💜💜💜
🌹🌹🌹
❤❤❤
رائع
رائع
جميل جدا
🌸🌸🌸🌸
❤️❤️
💜
🌸🌸🌸🌸
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.