إن العامل الإنساني يتمثل بردود الأفعال الإنسانية إزاء الوباء وآثارها المعنوية، فضلاً عن تغير السلوك اليومي المعتاد اجتماعياً والذي صاحب الحظر وما فرضه من إجراءات الوقاية.
1. ردود الأفعال الإنسانية:
إن الحديث عن ردود الأفعال الإنسانية إزاء كل ما يهدد وجودها بالموت أمرٌ طبيعي. يعتبر الهلع من أبرز ردود الأفعال النفسية على الكوارث ومنها وباء كورونا، خصوصاً في ظل الفوضى الإعلامية والتصريحات المتناقضة وكثرة الحديث عن الوباء عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وأيضاً هناك - بعض - منهم من ليس لديهم درايةٌ علميةٌ حقيقيةٌ طبيةٌ في مجال الطب أو علم النفس وأغلب هؤلاء من رجال الإعلام والصحافة ممن ينقلون تلك المعلومات ويخلطون بينها؛ مما ولد حالة من الفوضى أسهمت إلى حد كبير في انتشار المعلومات الخاطئة، والشائعات بات الهلع يسيطر على شرائح أوسع في المجتمع وقد يكون له آثاره خطرة أودت بالوفاة لدى بعضهم .
يكون سلوك الناس من ناحية ثانية إزاء الأزمات والتحذيرات مختلفاً وفيه اختلافٌ كبيرٌ؛ من حيث أن منهم من يصدق ويبالغ في الأمر لدرجة الهوس في التعقيم والوصول إلى مرحلة الوسواس القهري في مسألة النظافة ومنهم من يسفه ويقلل من الآثار إلى حد كبير ويتعامل مع الأمر بذهنية المؤامرة والأمر ليس مختصراً على الإنسان العادي. يُكون هؤلاء على الرغم من كثرتهم ردة فعل على تصريحات رجال السياسة والإعلام وبعض من رجال الطب الذين توثر فيهم المؤامرة ذهنياً.
تكون من بين ذلك لربما أسباب أخرى وتعتبر سبباً في دفع الناس إلى الاستسلام للهلع والخوف حيث يعتقد أن هذه المشاعر وما يرتبط بها من سلوكيات قد تؤدي إلى ضعف جهاز المناعة والخوف المتولد من التفسيرات غير الصائبة؛ وبالتالي يستجيب الجسم لا إرادياً وقد تصل الحالة لفقدان التوازن في المتطلبات النفسية، مما يشكل فرصة للإصابة بفيروس كورونا ويسهم بسقوط مزيد من الناس كضحايا لهذا السلوك. يجب أن نتوخَ الدقة والموضوعية في التفسير والتشخيص حتى نتجنب الأفكار السلبية ولا ندعها تطفو كفقاعة أو تطير بعيداً كسحابة تنشر الخوف والهلع والقلق والحيرة والتوتر، وصولاً لفقدان السيطرة على الأعصاب كلها. ظهرت هذه العوارض مع انتشار فيروس كورونا فالأزمة النفسية ازدادت حدةً؛ لعدم معرفة توقيت انتهاء هذه الأزمة. لا يتوقف الأمر على الإعلام والتفسيرات غير الموفقة بل أن الناس يعانون من التوتر أساساً؛ ذلك نتيجةَ إجراءات الحجر المنزلي التي تدفع إلى المزاجية السيئة والتي أثرت في أجسادهم، إذ قد تظهر في بعض الأحيان أعراض مشابهة لأعراض كورونا عند بعض الناس؛ بسبب حالات القلق والاضطراب النفسي وما تتركه من الأثر سلباً على جهاز المناعة وعلى الراحة الجسدية.
2. تغير السلوك اليومي المعتاد اجتماعياً
هناك تغيرات كثيرة صاحبت انتشار الفيروس وغيرت إلى حد كبير حياتنا بشكل لا رجعة فيه، حيث جعلت الكل يركز على هذه المنحة الإلهية التي زودنا الله بها وجعلت من أجسامنا قادرةً على مواجهة الأزمات والكوارث ومقاومتها وأقصد بها الجهاز المناعي للإنسان؛ فهو وجود طبيعي في الإنسان فلهذا الجهاز مكانة مهمة في توضيح وكشف البرمجة الجميلة والعظيمة التي يتمتع بها الإنسان؛ التي جعلت منه أزمة كورونا خط الدفاع الأول ضد الأمراض، ففي حالة الإصابة بعدوى ما تتجمع الخلايا المناعية لتقضي عليها، ثم يقوم الجسم بتكوين ما يُعرف بالأجسام المضادة لتعطي الجسم مناعة ضد الإصابة بهذه العدوى مرة أخرى. هذه السمات طبيعية مغروسة في الإنسان وجزء من الطبيعة وإلى جانب هذا هناك الثقافة التي يجب أن تؤازر الطبيعة؛ كي ينتصر الإنسان في مواجهته مع الفيروس وهي مواجهة وجودية صعبة جدا.
في مجال الثقافة ودورها المعنوي الكبير، وقيمها العاطفية والرمزية في المقاومة التي يبديها البشر على اختلاف ثقافاتهم للفايروس فقد أطاح فيروس كورونا المستجد بكثير من العادات والسلوكيات وطرق التعبير عن مشاعر الحب، بما في ذلك العناق والتقبيل التلامس الجسدي والتي تعود عليها البشر في المنطقة وأسست خطابهم الاجتماعي والجانب النفسي وما يعبر عنه من خطاب تواصلي له أثر معنوي كبير، لكن جاءت إجراءات الحماية من الفايروس فأحدثت آثاراً جعلت البشر يظهرون كونهم أشد المتضررين من ذلك؛ لأن الكل تعود على عادات وتقاليد تعمق التواصل الاجتماعي بأبعاده الدينية والاجتماعية والإنسانية الحميمة، خصوصاً في حالات الحزن والحداد مثلا أو عندما تكون هناك مناسبة فرح نريد الاحتفال بها معا. يعد من الصعب عدم الرد على من يمد يده من أجل مصافحتك وأنا شخصيا كنت أشعر بالحرج الشديد عندما أمر بهذه التجربة وهي جزء من التواصل الاجتماعي العاطفي؛ إذ أن من الصعب عدم التجاوب معهم وخصوصاً مع أفراد العائلة فمن الصعب لطفل صغير أن يرى جده أو جدته دون أن يعانقهما.
يضاف إلى هذا الثقافة أثرها المعنوي أيضا كجزء مهم. يعد الدعم المعنوي في مقاومة الوباء عاملاً مهماً إذ من الممكن أن يكون له آثار أخرى إيجابية تعوض عن تلك التي هجرناها بفعل الحظر؛ فالثقافة حاضرة ومؤثرة اليوم فيما يجب أن نقدمه من أثر معنوي إزاء مصابي كورونا والمتعافين أيضا هو بعدٌ مؤثرٌ وهذا الدعم النفسي للأشخاص مهمٌ؛ فقد تعرضوا إلى الإصابة وأخذت منهم الهواجس والمخاوف مأخذاً عظيماً وجعلتهم يصابون بالذعر والخوف من إمكانية موتهم، ولعل هذا ما عشته أنا شخصيا عندما تعرضت إلى الإصابة وكم كان مؤثراً من يتصل بي ويدعمني، حيث كان زميلي الدكتور حيدر عبد الزهرة- رحمه الله-يختبرني ويحاول أن يرفع من معنوياتي وكما كانت كلماته مؤثرةً وجميلةً على الرغم من أنه هو الآخر تعرض إلى الإصابة قبلي وتعافى، إلا أن الآثار الجانبية أثرت في قلبه وتوفي على أثرها ليترك بوفاته حزناً شديداً لدي، يوجد لدي زملائي في قسم الفلسفة الذين أكدوا مع أغلب الأطباء على أهمية الدعم النفسي للأشخاص المصابين بفيروس كورونا؛ إذ يجعلهم يتقبلون العلاج ويتعاملون بهدوء مع الإصابة وبالتالي يتغلبون على المرض. يجدر الذكر هنا إلى أن بعض المصابين يتعرضون للتنمر والنفور من الغير؛ خوفاً من نقل العدوى لهم وهو ما يحملهم ضغطاً نَفْسِياً كبيراً وقد تحدث لديهم مضاعفات. تأتي من هنا ضرورة التأكيد على أن يكون هناك شق للعلاج النفسي من ضمن بروتوكولات العلاج من فيروس كورونا، وأن يقوم به متخصصون بالمجال مع الوقاية والإجراءات الاحترازية جنباً إلى جنب مع المتابعة خاصةً في حقبة العزل. حاولت انطلاقاً من هذا تكثيف بعض بروتوكولات العلاج من فيروس كورونا وهي كالتالي:
1. يكون المصاب والمتعافي من فيروس كورونا بحالة من الفزع والهلع؛ لأنه يتوقع دائماً أن يحدث الأسوأ، لذلك من الضروري أن يصاحب ذلك العلاج والدعم النفسي ومع أدوية لرفع المقاومة ومضادات للاكتئاب والتوتر؛ لأن الدعم يزيد من مقاومته ويساعده في مواجهة مدة العزل دون حدوث مضاعفات؛ ذلك حتى لا يتملك منه الفيروس.
2. يكون من الضروري محاربة الضغط النفسي على مستوى البيت إذ يجب توفير أجواء منزلية مناسبة للعائلة والابتعاد عن مصادر الضغط النفسي ومنها التلفاز والهاتف والبعد عن قراءة سيل المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي.
3. تعزيز أثر الجوانب المعنوية الدينية بشكل فردي أو جماعي للأسرة، فضلاً عن محاولة إيجاد الطاقة الإيجابية من خلال القيام بهواية أو نشاط يجمع أفراد الأسرة.
4. تقديم الدعم المعنوي للأسرة وللأصدقاء -عبر وسائل التواصل أو الاتصال الهاتفي- ومشاركتهم الأفراح والأحزان وهو أمرٌ يبعث على الشعور بالرضا ومؤشر إيجابي بحد ذاته.
5. الابتعاد عن تناول المنبهات والتدخين واتباع نظام غذائي صحي متوازن، أيضاً النوم الكافي وشرب المياه بكثرة إلى جانب ضرورة ممارسة الرياضة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.