الواقع نبرة صوت في العلوم والإعلام، وحروف لقيت اهتمامًا في أقلام الباحثين والفلاسفة لدراسة الإشكالات والقضايا التي تتمحور عنه، ولكن حتى نكون آمنين وننقل الصورة كما هي، فإن هذا الواقع لم يلق الاهتمام فقط، بل أيضًا هو محل اتهام. دعني أسألك عزيزي القارئ كم مرة وجهت أصابع الاتهام لواقعك؟ ربما سأكون مثلك الآن وأشير بقلمي إلى هذا الواقع إشارة اتهام ولوم، بالإشكالية المَصُوغَة: هل واقعنا العربي يعيش في كفة التناقض؟
لقد عرف الفلاسفة بأن الواقع هو كل موجود مستقل عن العقل البشري، بتعبير آخر -العالم الخارجي- أي كل ما ينفصل عن الذات. من هناك يبدأ الواقع، ولكن دعونا نبدأ من قبل الانفصال بذات الإنسان الذي عدّه المفكر مالك بن نبي رحمه الله أهم عنصر من عناصر الحضارة بتحليله الواقع.
ونصوغ إشكالية أخرى، كيف يتعامل هذا العنصر مع واقعه؟ وكيف يتصل به؟ "اقرأ" أول ما نزل في القرآن، وأول ما نتعلمه قبل الكتابة هي القراءة، قراءة المعجم والتعرف على المعنى، عند تأملي لواقعي رأيته في منزلة التناقض بين ما لديه وما هو عليه «مشكلة المفاهيم»، بل تعاملنا مع هذا الجسر الذي يربطنا مع الواقع، المفاهيم ليست كلمات تقال أو أفعالًا تقام، وإنما هي مرآة تنعكس على الواقع.
مصطلحات عدة، لا أعلم إن توقفنا قليلًا يومًا وتدبرنا تعاملنا مع هذه المصطلحات، ولكن ما يبرهنه الواقع المَعِيش، أن هذا التعامل يتم بظاهر المصطلح وليس بجوهره، إذن أنت أو نحن نعرف المسؤولية، فهذه معرفة نظرية وليست تطبيقية، لنصل إلى أن هذه الأغلبية تجيد القراءة، ولكن قراءة سطحية، مشكلة هذا الواقع هو "نحن"، والحل يكمن كذلك في "نحن"، إن الاعتراف من أقوى وسائل الإثبات، لا يكفي أن نوجه الاتهام، بل أن نثبت أيضًا.
نثبت بأن الواقع هو مجموع أفكار نؤمن بها، نثبت أنه يعيش في الوسط الكمي للمفاهيم دون نصب شراع يوصلنا لدراسة إشكالات عميقة تجرده من التناقض، إن كان علينا أن نبدأ بالتصحيح، فالبداية تكون من التعليم، نعلم أطفالنا بأن المصطلحات لا تملى لتكتب فقط، بل لتطبق وفق منهجية توصل واقعه إلى حيث يحب أن يكون، حيث الوعي والتنمية الفكرية.
في أول سنة دراسية جامعية لي قال لنا أحد الاستاذة: «لقد أصبحتم أفرادًا فاعلين»، وقتها أدركت أن هذا الذي يغيب الفاعلية الفردية، وكيف يكون الفرد فعالًا، وفي أي مرحلة يمتلك هذه المهارة هذا ما يحب أن يدرس أيضًا.
الفاعلية الفردية هي إدراك الفرد أولًا بأنه أصبح يلقى عليه واجب التصحيح والبناء والالتزام بمعالجة قضايا واقعه، الفاعلية تولد عندما يثار العقل بالتساؤلات عما حوله، هناك تبدأ فاعلية الفرد، التي تخلق نوعًا من الانسجام بين الواقع والإنسان، ثم لا بد أن تنسج خيوطها لتنتج إسهامات جماعية تغني الواقع من فقر التطبيق.
إن أزمة الواقع العربي ليست في المصطلحات بحد ذاتها، بل في طريقة تعاملنا معها. فحين نكتفي بالسطح ونغفل الجوهر، يبقى الواقع في دائرة التناقض. وحدها الفاعلية الفردية القائمة على وعي نقدي وتربية فكرية يمكن أن تفتح باب التغيير. فالسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل نملك الشجاعة لننتقل من «نحن المتهمون» إلى «نحن الفاعلون»؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.