الواقعية السحرية في الرواية العربية

هل جربت يومًا أن تمشي في شارعك المعتاد، فتشعر أنك رأيت الوجوه نفسها، والحركات نفسها، والحكايات نفسها، ولكن هذه المرة بشيءٍ غامض لا يفسر؟ وكأن هناك قوة غير مرئية تعبث في التفاصيل؟ هذه ليست أوهامًا، بل قد تكون الواقعية السحرية، وقد تكون أنت في قلب رواية لم تكتب بعد!

الواقعية السحرية ليست مصطلحًا في الأدب، بل تيار أدبي كامل يعيد ترتيب الواقع ليجعله أكثر دهشة، وأكثر قدرة على تفسير تناقضات الإنسان، وبينما ينسب هذا التيار إلى أدباء أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، فإننا نجد أن جذوره تمتد أعمق في الزمن والجغرافيا حتى تصل إلى التراث العربي الثري.

بدايات الواقعية السحرية 

لقد بدأت الحكاية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، عندما اجتمع أدباء من أمريكا اللاتينية على قلب الجنون الأدبي، حيث قرروا أن يكتبوا عن العالم كما يشعرون به لا كما يظهر في الصحف، فلقد وجدنا كلًا من ماركيز ويوسا وكورتاثار وكارلوس فوينتس وآخرين أعادوا تعريف السرد، وخلطوا الأحداث اليومية بالأسطورة، حتى أصبح القارئ لا يعرف هل ما يقرؤه خيال أم حقيقة.

جعلت رواية (مئة عام من العزلة) لماركيز الواقعية السحرية عنصرًا أساسيًا لفهم ثقافة أمريكا اللاتينية

وقد منحتهم جغرافيا القارة وتجارب شعوبهم أرضًا خصبة للكتابة من هذا النوع، فكيف يمكن لرجل يعيش في قرية لا تصلها الكهرباء ويؤمن بالسحر ويصوت في الانتخابات أن يفصل واقعه عن خياله؟ هذا هو السؤال الذي ولدت منه الواقعية السحرية.

ورواية (مئة عام من العزلة) فتحت الباب على مصراعيه لهذا التيار، فقد تحولت بعد نجاحها إلى أيقونة، ويقول عنها النقاد في أوروبا والولايات المتحدة إنها جعلت من الواقعية السحرية عنصرًا أساسيًا لفهم ثقافة أمريكا اللاتينية، لكن هل كانت هذه الواقعية السحرية وليدة اللحظة؟ أم أنها استيقظت من نوم عميق؟

العرب والخيال الذي كان دائمًا حقيقيًا

وقبل أن يكتب ماركيز عن ريميديوس الجميلة التي صعدت إلى السماء حينما كانت تطوي الغسيل، كتب العرب عن الجن الذين يسكنون بئرًا مهجورة، وعن طيور تتكلم، وأسماك تتحول إلى بشر، وجنيات تعشق بحّارًا وتخونه، ولم يكن هذا خيالًا بحتًا، بل كان جزءًا من الحياة كما يقول بورخيس: (الأسطورة تقع في بداية الأدب وفي منتهاه).

والقصص التي حملتها ألف ليلة وليلة، وحكايات الجدات والأساطير التي تناقلها العرب شفويًا وكتبوها في كتبهم، كانت تمارس الواقعية السحرية قبل أن تعرف بهذا الاسم المعروف الآن.

وفي كتاب (التيجان في ملوك حمير) الذي يروي قصص ملوك اليمن القدامى، نجد حديث القمر، وقصة عالم جديد، وتنينًا يعيش في الصحراء، وملكة من الجن، ويرى (عبد العزيز المقالح) الأديب اليمني الراحل أن هذا العمل يحقق كل شروط الواقعية السحرية، ولو أن (ماركيز) قرأه لربما كتب قصته الأولى مستلهمًا منه بدلًا من (كافكا).

في كتاب (التيجان  في ملوك حمير) عن ملوك اليمن نجد حديث القمر وقصة عالم جديد وتنينًا يعيش في الصحراء وملكة من الجن

الأسطورة في التراث العربي

عند الحديث عن الأسطورة في التراث العربي، ينبغي ألا نغفل الحديث عن كتاب (عجائب الهند بره وبحره وجزائره)، المنسوب إلى القبطان المسلم بزرك بن شهريار، حيث يروي قصصًا قد تعد خيالية في ظاهرها، ولكنها كانت تمثل تصوّرًا شعبيًا للواقع في هذا الوقت، فتتحدث عن طير ينقل الغرقى، وسلحفاة تتحول إلى جزيرة، وسمك له أصول بشرية، ونظرات أفاعٍ قاتلة، وعلاقات بين البشر والحيوانات.

هذه الحكايات لم تُروَ للتسلية فقط، بل حملت معها فهمًا خاصًا للعالم يتجاوز المعقول دون أن ينفصل عنه، ويرى الأكاديمي (حامد أبو أحمد) في كتابه (الواقعية السحرية في الرواية العربية) أن هذا التيار يقوم على 3 دعائم وهي (العجائبي والأسطوري والسيريالي).
وكلها موجودة في التراث العربي، فالعرب برعوا في الحكي وكتبوا السير الشعبية والرحلات، كما خلطوا بين الواقع والتخيل مثلما فعل (ابن خلدون) في مقدمته الشهيرة، عندما تحدث عن دسائس الروايات، وحذر من الزخرف المضاف إلى الحقيقة.

الواقعية السحرية في الأدب العربي الحديث

دعنا نتساءل الآن، هل انتقلت الواقعية السحرية من الحكايات التراثية إلى الأدب العربي الحديث؟ الإجابة نعم، ولكن بأساليب وأشكال مختلفة.

فالكاتب العظيم نجيب محفوظ ورغم تحفظه النظري على الواقعية السحرية، فإنه كتب (ليالي ألف ليلة)، تلك الرواية التي غاصت في السحر والأسطورة مستلهمة الروح الشرقية للحكي ومشبعة بجو العجائبية، وفي لقاء معه قال إنه قرأ (مئة عام من العزلة) و(خريف البطريرك)، وعلق بأن الخرافة جزء من الحياة.

كتب نجيب محفوظ (ليالي ألف ليلة) الرواية التي غاصت  في السحر والأسطورة مستلهمة الروح الشرقي ومشبعة بجو العجائبية

أما خيري شلبي فكتب (الشطار) بمزيج من الواقعي والحكائي، حيث صنع عوالم مسحورة تنتمي للواقع، لكنها تحوم حوله دون أن تلامسه كليًا.

كذلك مزج إدوار الخراط في روايته (الغجرية ويوسف المخزنجي) بين التاريخ والأسطورة، حينما جعل من جنية النيل شخصية مركزية وحاضرة وغائبة مرئية ولا ترى، تحضر في اللحظة التي تظن فيها أن العقل سيهيمن.

وفي القصة القصيرة أيضًا، ظهرت الواقعية السحرية في (كشك الموسيقى) لسعيد الكفراوي، و(قرن غزال) لخيري عبد الجواد، وغيرهما.

وإن وصلت عزيزي القارئ إلى هنا فقد يخطر على بالك سؤال.. أليس في كل هذه الحكايات نوع من الفوضى؟ أليس هذا مجرد خيال جامح؟

لقد أجاب ماركيز نفسه عن هذا السؤال حين قال: (الخيال أداة لتشكيل الواقع، لكن مصدر الخلق هو دائمًا الواقع)، وأضاف: (الفانتازيا البحتة كما يفعل ديزني هي أكثر ما يثير كراهيتي).

فالواقعية السحرية لا تعني الهروب من الواقع، بل إعادة تأويله، فهي رؤية شعرية للعالم كله، لكنها ليست خارجة عن منطقه تمامًا، ولذلك لا تكفي الفكرة الغريبة أو الحدث العجيب لصنع أدب واقعي سحري، بل هناك شروط كثيرة، منها لغة تتناغم مع الخيال، وتقنيات سردية حديثة، ورؤية فلسفية عميقة، وخيال منضبط لا ينزلق إلى الهذيان.

في نهاية المقال نستطيع القول إن الواقعية السحرية ليست مجرد مدرسة أدبية، بل تعبير عن رؤية خاصة للعالم، رؤية تؤمن أن الواقع ليس صلبًا كما نتصوره، وأن ما هو سحري قد يكون أقرب إلينا مما نعتقد، فالعرب مارسوا هذه الرؤية منذ قرون، وفي حكايات الجدات وكتب الرحلات وأشعارهم التي تصف النهر كائنًا حيًا، والقمر عاشقًا، والصحراء روحًا.

واليوم يعود الأدب العربي ليعيد اكتشاف هذا الإرث، ويقدمه بصيغ حديثة تستلهم الموروث ولا تكرره، فهل ما زلت تعتقد أن الواقعية السحرية تيار مستورد؟ ربما أنت فقط بحاجة إلى أن تقرأ الواقع بعين أخرى.. عين ترى فيه ما لا يرى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة