الهيدروجين وقود المستقبل

الهيدروجين هو حامل الطّاقة الّذي يمكن أن يحوّل اقتصادنا التّابع للوقود الأحفوريّ إلى اقتصاد تابع للهيدروجين، والّذي يعطي وقودًا للمواصلات -وسائل النّقل- خاليًا من الانبعاثات.

مقدمة

لا تقوم حضارة بدون طاقة، فالثّورة الصّناعيّة الأولى في نهاية القرن التّاسع عشر قامت على طاقة البخار وصناعة استخراج الفحم وحرقه؛ لتوليد البخار ولتدوير المحرّكات والمكائن اللّازمة لتشغيل المصانع.

واليوم تحدث صراعات بين الأمم على مصادر الطّاقة، وتشتعل الحروب للسّيطرة على الطّاقة وضبط أسعارها، ولكنّ الوقود الأحفوريّ التقليديّ ( فحم، بترول، غاز) -رغم الاعتماد عليه منذ وقت طويل في مناشط عديدة للإنسان من توليد الكهرباء وتصنيع الوقود اللّازم لوسائل المواصلات -وقود يسهم في تلوّث البيئة أي أنّه غير نظيف، ويؤدّي لانبعاثات الغازات الدّفيئة الّتي تؤدّي لتغيّر المناخ (تلك الكارثة الرهيبة ذات الأبعاد المتعددة).

وكذلك هو وقود ناضب؛ أي سوف تنتهي مخزوناته في يوم من الأيّام، فلا بدّ من الاعتماد على مصادر بديلة ومتجدّدة وصديقة للبيئة، لذلك فإنّ العالم اليوم في سباق نحو تحوّل اقتصاديّ عالميّ معتمدٍ على مصادر الطّاقة والوقود التّقليديّة إلى أنواع من الوقود آمنة، ورخيصة، وفعّالة، وصديقة للبيئة، ومتوفّرة بشكلٍ لا نهائيّ.

ومن بين المحاولات الّتي بذلت للاستغناء عن مصادر الطّاقة الخطرة والملوّثة للبيئة كالطّاقة النّوويّة، والاعتماد على مصادر طاقة ووقود نظيفة وآمنة ومتجدّدة كانت تكنولوجيا خلايا الوقود وكان الوقود الحيويّ، وكذلك استخدام غاز الهيدروجين العنصر الأكثر توافرًا في الكون برمّته؛ ذلك أنّه أصل كلّ الكيمياء وكلّ العناصر في الطّبيعة.

ولكن كما هي الحياة دومًا، فإنّ للهيدروجين إيجابيّات وسلبيّات نوردها في الجدول الآتي:

الإيجابيّات السلبيّات
ناتج طاقة عالٍ 122 كيلو جول / غرام. كثافة منخفضة (يحتاج لمناطق تخزين واسعة).
عنصر متوفّر بشكل كبير، وهو موجود في الهواء والماء وفي أكثر موادّ الطّبيعة. لا يوجد حرًّا في الطّبيعة.
ينتج من مصادر الطّاقة الأوليّة المتعدّدة. طاقة اشتعال منخفضة (مشابه للبنزين).
مجال قابليّة اشتعال واسع ( تعمل محرّكات الهيدروجين على أمزجة ضعيفة). ثمنه مرتفع في الوقت الحالي.
انتشار عالٍ.  
بخار الماء هو منتج الأكسدة الرئيسيّ.  
الوقود ذو الأغراض الأكثر تنوعًا.  

ومنذ أكثر من قرن، مضى كتب جول فيرن في كتابه "الجزيرة العجيبة" أنّ الماء يمكن استخدامه كوقود يومًا ما.

والخيال قد أصبح اليوم حقيقة بفضل الهيدروجين الّذي يمكن إنتاجه من الماء، وعندما يحترق في الهواء فإنّه ينتج الماء. والهيدروجين الآن هو في مركز اهتمام البحث العلميّ الدّوليّ.

والسؤال هنا لماذا هناك آمال كبيرة معقودة على الهيدروجين؟

إنّ نظام الطّاقة الحاليّ لدينا الّذي يسوده حاليًا الوقود الأحفوريّ (النّفط والغاز والفحم) قد تركنا تحت تهديد مزدوج، وهو الضّغط والتّعدي على بيئتنا بتعريض الكوكب لاستنزاف الموارد الطّبيعيّة الاحتياطيّة، ومشكلة المساهمة في أثر الدّفيئة. وإذا أردنا تنميّة مستدامة للأجيال المستقبليّة فإنّه سيكون من الضّروريّ تنويع طرق إنتاج الطّاقة. وبالطّبع الهيدروجين ليس مصدرًا للطّاقة؛ لأنّه يجب أن ينتج أوّلًا للحصول عليه، ولكن هناك ميزة مضاعفة له لكونه غير قابل للاستنزاف وغير ملوّث للبيئة؛ لذا في المستقبل سيكون له دور مهم جدًا ليلعبه. 

مميزات الهيدروجين

هو غاز خفيف، متوفّر بكثرة ومفعم بالطّاقة..

في وجه الطّلب العالميّ المتزايد على الطّاقة سيكون لاعبًا رئيسًا في القرن الحادي والعشرين.

تاريخ الهيدروجين / بطاقته الشّخصيّة

في عام 1766 اكتشف الكيميائيّ البريطانيّ (هنري كافنديش) طريقة لعزل الغاز الغريب الّذي أنتج الماء عندما احترق في الهواء، وقد كان هذا الغاز هو الهيدروجين H.

في عام 1781 كان يعرف حتّى ذلك الوقت بأنه الغاز القابل للاشتعال، حيث سمّاه باسمه الكيمائيّ الفرنسيّ (أنطوان لوران دو لا فوازييه) الّذي قام بعملية تركيب الماء.

في عام 1804 أظهر الفرنسيّ (لويس جوزيف غي لوساك) والألمانيّ (ألكساندر فون همبولدت) معًا أنّ الماء مكوّن من ذرّة أكسجين وذرّتين من الهيدروجين.

الهيدروجين في أعلى التّصنيف

إنّ الهيدروجين هو أخفّ العناصر الكيميائيّة؛ لأنّه يملك أبسط بنية ذريّة حيث تتكوّن نواته من بروتون وحيد ويدور حولها إلكترون وحيد،؛ لذا فإنّه يأخذ المركز الأوّل في جدول التّصنيف الدوريّ للعناصر لـ (مندلييف)، ومن النّاحية الزمنيّة في عام 1839م اكتشف الإنجليزي (ويليام غروف) مبدأ خليّة الوقود: وهي تتضمّن تفاعلًا كيماويًّا بين الهيدروجين والأكسجين لإنتاج الكهرباء والحرارة والماء بنفس الوقت.

وبين عامي 1939م - 1953م حقّق الإنجليزي (فرانسيس باكون) في مولّدات الكهرباء الكيماويّة، والّتي مكّنت من الإنتاج الصّناعيّ القويّ لأوّل مرّة.

وبعد ذلك في عام 1960م استخدمت ناسا خلايا الوقود لتأمين الكهرباء لمركباتها الفضائيّة (كبسولتي أبولو وجيمني).

الهيدروجين أكثر العناصر وفرة في الكوكب ولكنّه لا يوجد طبيعيًّا بشكلٍ حرّ؛ أي في حالة العنصر الأوليّ.

الهيدروجين أيضا هو أصل كلّ العناصر الأخرى منذ أولى لحظات عمر الكون؛ حيث إنّ نوى الهيدروجين اندمجت معًا لتشكيل النّوى الأثقل والأكثر تعقيدًا. 

جزيئة صغيرة مليئة بالطّاقة

إنّ جزيئةَ الهيدروجين الّتي نستخدمها في الأكثر مكوّنة من ذرتي هيدروجين (H2)، وهذه الجزيئة عديمة اللّون، عديمة الرّائحة وغير مخرّشة، تمتاز بكونها بشكلٍ خاصّ مليئة بالطّاقة: حيث إنّ 1 كغ من الهيدروجين يحرّر طاقة بمقدار ثلاثة أضعاف 1 كغ من الغازولين (أي 120 ميغا جول/كغ مقارنة مع 45 ميغا جول/كغ للغازولين).

من ناحية أخرى، لأنّ الهيدروجين العنصر الأخفّ وزنًا؛ فمن أجل وزن متساوٍ فإنّه يشغل حجمًا أكبر بكثير من أيّ غاز آخر، وهكذا لإنتاج أكبر قدر ممكن من الطّاقة من 1 لتر من الغازولين فإنّنا سنحتاج بالمقابل إلى 4.6 لتر من الهيدروجين المضغوط عند 700 بار، وهذه الأحجام الكبيرة تجعل نقل وتخزين غاز الهيدروجين مشكلة، ومثل العديد من أنواع الوقود فإنّ الهيدروجين يمكن أن يحترق أو ينفجر عند تماسّه مع الهواء، ويجب بالتّالي التّعامل معه بعناية، ولكن بسبب جزيئاته الصّغيرة جدًا فإنّها تنتشر بسرعة كبيرة في الهواء (أربعة أضعاف سرعة الغاز الطبيعيّ)، وهذا عامل أمانٍ إيجابيّ.

يوجد في كلّ مكان ولكنّه غير متوفر في أيّ مكان

الهيدروجين متوفّر بشكل كبير جدًا على كوكبنا، وكلّ جزيئة ماء (H2O)تنتج عن اتّحاد ذرّة أكسجين وذرتي هيدروجين، ويغطّي الماء 70% من سطح الأرض، ويوجد الهيدروجين في الهيدروكربونات (الزّيت، الغاز الطبيعيّ..إلخ) الّتي يظهر من اسمها أنّها نتيجة اتّحاد ذرّات الكربون والهيدروجين، وكلّ الأحياء، حيوانات أو نباتات تحتوي الهيدروجين؛ لذا فإنّ الكتلة الحيويّة biomass)) هي مصدر ممكن آخر للهيدروجين.

ولكن بالرّغم من أنّه العنصر الأكثر وفرة على الكوكبP فإنّ الهيدروجين يمكن تحويله لمصدر طاقة غير قابل للنّفاد، فقط إذا أمكننا إنتاجه بكمّيّات كافية.

بالاشتراك مع الكهرباء فإنّ الهيدروجين يمكن أنْ يلبّيَ احتياجاتنا الأساسيّة من الطّاقة

تحدّيات اقتصاد الهيدروجين

الهيدروجين والوقود الأحفوري

في نهاية القرن التّاسع عشر كان الهيدروجين وقودًا مهمًّا، وقد استخدم في المصابيح؛ ليعطي الإضاءة وأيضا في غاز المدينة في مزيج مع أوّل أكسيد الكربون، وخلال القرن العشرين عندما ظهر الغاز الطبيعيّ وخاصّة النّفط، تمّ الاستغناء عن الهيدروجين بشكل كبير للاستخدام في تأمين الطّاقة ما عدا في حقل الدّفع الصّاروخيّ، وكان بالإمكان استخدام النّفط والغاز مباشرة؛ لأنّهما يوجدان بشكل طبيعيّ بهذا الشّكل؛ لذا يكون استخدامهما أسهل.

ولكنّ الاستنزاف التّدريجيّ للاحتياطيّات هو أمر لا مفرّ منه، وبالتّالي عاد الاهتمام بالهيدروجين، ولكنّه ما زال - من حيث الأفضليّة - يأتي بعد الوقود الأحفوريّ؛ مع أنّ حرق الهيدروجين لا يصدر الغازات الدفيئة الّتي يصدرها حرق الوقود الأحفوريّ.

والطّريقة الّتي سنستخدم بها الهيدروجين في المستقبل ستكون مختلفة عن الطّريقة الّتي استخدمناه بها في الماضي، ففي المستقبل سنستخدمه لإنتاج الحرارة، وكذلك الكهرباء باستخدام خلايا الوقود.

الهيدروجين أو الكهرباء بدون قيود

لماذا نستخدم الهيدروجين لإنتاج الكهرباء؟ لماذا لا ننتج الكهرباء مباشرة؟

لأنّ الهيدروجين يعطي الكهرباء مرونة الاستخدام الّتي لا تملكها حاليًّا، بالرّغم من أنّنا يمكن أن ننتج الكهرباء بالعديد من الطّرق المختلفة، فإنّنا لا نعلم كيف نخزنها بشكل فعّال، والبطّاريات غالية الثّمن وتعطي فقط مجالًا محدودًا للتّخزين ولكنّ الهيدروجين يمكن أن يخزّن، فبواسطة كميّة مخزونة منه وخلية الوقود يمكن أن ننتج الكهرباء في أيّ مكان وفي أيّ زمان دون توصيلها للشّبكة الرّئيسة، وبواسطة الهيدروجين و خليّة الوقود فإنّ الكهرباء والتّنقل يصبحان أكثر توافقًا.

التّطبيقات الممكنة

في قطاع النّقل فإنّ المركبات الكهربائيّة الّتي تشغّلها خليّة الوقود الّتي تعمل على الهيدروجين يمكنها أنْ تحلّ محلّ عرباتنا الحاليّة الّتي تتميّز بأنّ العادم سيعطي فقط ماء، وهذا تحدٍّ كبيرٌ لصناعة السّيّارات الّتي تعتمد حاليًا بشكلٍ كليٍّ على الوقود الأحفوريّ.

وبالتّالي إيجاد البديل هو أمر أساسيّ، وعلى مقياس أصغر فإنّ خليّة الوقود يمكن تكييفها مع الأجهزة النّقالة (الهواتف والحاسبات..إلخ) ومقارنة مع عمر البطّاريّة فإنّها ستعطي عمرًا يساوي خمسة أضعاف عمر البطّاريّة، وسوف تشحن فوريًّا في أيّ مكان.

هناك أيضا اهتمام بالتّطبيقات الثّابتة لخلايا الوقود في المنازل حيث سيكون الهيدروجين مصدرًا للحرارة والكهرباء، وسوف يُتمكّن من تقديم الكهرباء لأجهزة خارجيّة معزولة لا يمكن وصلها بالشّبكة العامّة (المناطق الجبليّة، في البحر...إلخ).

وفي هذه الأماكن يمكن أن تكون المتمّم المثاليّ للطّاقات المتجدّدة، حيث تملك طاقة الشّمس والرّيح مساوئ كونها متقطّعة حسب ظروف التشمس وهبوب الريح، ولكن عدم المعوليّة عند الهيدروجين يمكن تدبيرها، حيث عندما يكون هناك زيادة إنتاج فإنّ الكهرباء الزّائدة عن الحاجة يمكن استخدامها لإنتاج الهيدروجين، وعندما يكون هناك نقص في الإنتاج يمكن تحويل الهيدروجين عندها إلى كهرباء.

إنّ إمكانيّة الهيدروجين غير محدودة فقط بإنتاج الكهرباء، ولكن يمكنه إنتاج الطّاقة بواسطة الاحتراق، وهذا يستخدم في تطبيقات الفضاء؛ حيث يستخدم كوقود في محرّكات دفع الصّواريخ، ويمكن أن يستخدم أيضًا لصنع غازات تركيبيّة يمكن أن تسمح بأنواع وقود أكثر كفاءة من تلك الموجودة حاليًا، وإنّ كون الهيدروجين غير قابل للنّفاد وصديق للبيئة ومرن في الاستخدام فإنّ هذا يجعله ذو مزايا عديدة، وبالاشتراك مع الكهرباء يمكن أن يلبّيَ احتياجاتنا الأساسيّة من الطّاقة، وفي وجه أزمة الوقود الأحفوريّ النّاشئة ليس هناك شك أنّ قيمة الهيدروجين لا تضاهى، ولكن قبل أن يصبح الهيدروجين جزءًا من حياتنا اليوميّة، فإنّ مزيدًا من التّطور لازم في كلّ مرحلة بدءًا من الإنتاج إلى النّقل والتّخزين والاستخدام الفعليّ.

يمكن إنتاج الهيدروجين من مصادر مختلفة للطّاقة

طرق إنتاج الهيدروجين

كما شاهدنا فإنّ الهيدروجين ليس متوفّرًا مباشرة في الطّبيعة، ولكنّ الميزة هي أنّه يمكن إنتاجه من ثلاثة مصادر رئيسة للطّاقة: الأحفوريّة والنّووية والمتجدّدة.

كي يكون مجديًا اقتصاديًّا وبيئيًّا فإنّ إنتاج الهيدروجين يجب أن يحقّق ثلاثة معايير:

1. التّنافسيّة: تكاليف الإنتاج يجب ألّا تكون عاليًة جدًا.

2. الكفاءة: إنتاج الهيدروجين يجب ألّا يتطلّب الكثير من الطّاقة.

3. النّظافة: عملية التّصنيع يجب ألّا تلوث البيئة، وإلّا فإنّها ستقضي على أحد الأهدافِ الأساسيّة لاستخدام الهيدروجين، يوجد العديد من الطّرق المستخدمة اليوم، ولكن لا يوجد أيّ منها تحقّق حاليًّا كلّ هذه المعايير الثّلاثة بشكل كامل، بشكل خاص تكاليف الإنتاج تبقى عالية جدًا والّتي هي إحدى العقبات في وجه الاستخدام الواسع، وبعض الطّرق الجديدة الواعدة يجري حاليًا تطويرها.

الإنتاج الحاليّ للهيدروجين

بالرّغم من أنّ الهيدروجين قليلًا ما يستخدم للطّاقة فإنّه إحدى الموادّ الأساسيّة للصّناعات الكيماويّة والبتروكيماويّة، وبشكل خاصّ فإنّه يستخدم من أجل إنتاج الأمونيا والميتانول وفي تكرير النّفط، وهو يستخدم أيضًا في التّعدين والإلكترونيّات وصناعة الأدوية وتصنيع المواد الغذائيّة، لتغطية هذه المتطلّبات فإنّ 50 مليون طن متريّ من الهيدروجين يتمّ إنتاجها سنويًّا، ولكن إذا كانت هذه الكمية ستستخدم لإنتاج الطّاقة فإنّها ستلبي فقط 1.5% من حاجة الأرض الأساسيّة للطّاقة، وإذا أريد أن يستخدم الهيدروجين كناقل طاقة فإنّ إنتاجه يجب أن يزداد بشكل كبيرٍ.

إنتاج الهيدروجين من الوقود الأحفوريّ

اليوم 95% من الهيدروجين تنتج من الوقود الأحفوريّ بواسطة الاستصلاح (إعادة التّشكيل): وهو عبارة عن تفاعل كيماويّ فيه تجزأ جزيئات الهيدروكربون تحت تأثير الحرارة لتحرير الهيدروجين.

واستصلاح البخار (steam reformation) للغاز الطبيعيّ هو العمليّة الأكثر شيوعًا: حيث يعرّض الغاز الطبيعيّ لبخار ساخن جدًا ويحرّر الهيدروجين الّذي يحتويه، ولكنّ إنتاج الهيدروجين بواسطة الاستصلاح يملك سيئة أنّه يطلق ثاني أكسيد الكربون في الجوّ والّذي هو الغاز الرئيسيّ المسؤول عن أثر الدفيئة، ولتجنّب هذا فإنّ إنتاج الهيدروجين من الوقود الأحفوريّ

سيتضمن منع إطلاق ثاني أكسيد الكربون باستخدام تقنيات سيتمّ تطويرها ( مثلا إمكانيّة إعادة حقن ثاني أكسيد الكربون في آبار النّفط المستنزفة والّتي تجري دراستها).

الهيدروجين المنتج من الغاز الطبيعيّ هو الأرخص، ولكنّ تكلفة إنتاجه ما تزال ثلاثة أمثال كلفة الغاز الطبيعيّ، ونظرًا لأنّ هذه الطّريقة من الإنتاج تخلق تلوّثًا ومصادر الطّاقة الأحفوريّة قائمة على الاستنزاف؛ فإنّ تنويع طرق الإنتاج هو أمر أساسيّ.

إنتاج الهيدروجين بواسطة تفكّك الماء

إحدى الطّرق الممكنة هي فصل ذر ات الأكسجين والهيدروجين الّتي ترتبط معًا في جزيئات الماء (وفقا للتّفاعل H2O→H2+1/2 O2)، و يبدو هذا الحلّ الحلّ الواعد أكثر ما يكون من حيث انبعاثات غازات الدّفيئة، شريطة أنّ هذا التّفكّك يمكن أن يتمّ باستخدام مصادر الطّاقة الّتي لا تحرّر ثاني أكسيد الكربون، ومن بين العمليّات الممكنة هناك عمليتان تجري دراستهما حاليًّا، وهما التحّليل الكهربائيّ للماء وتفكّك جزيئات الماء بواسطة الدّورات الكيماويّة الحراريّة، فبواسطة التّحليل الكهربائيّ يتفكّك الماء باستخدام أثر التّيار الكهربائيّ، ويمكن إنتاج الهيدروجين بواسطة التّحليل الكهربائيّ في وحدات صغيرة في كلّ البلاد، وكي تكون مجدية فإنّ هذه العمليّة تتطلّب تأمين تيّار كهربائيّ بكلفة منخفضة، وحاليا إنتاج الهيدروجين بواسطة التّحليل الكهربائيّ يكلف 3-4 مرات أكثر من إنتاجه باستصلاح الغاز الطبيعيّ.

وهو يعطي أيضا ناتج كلّي منخفض، وإنّ التّحليل بدرجات الحرارة العالية هو تحسين على التّحليل الكهربائيّ التّقليديّ، والّذي سيعطي ناتجًا أفضل.

والعملية الأخرى لتفكيك جزيئات الماء باستخدام الدّورات الكيماويّة الحراريّة تتطلّب درجات حرارة تبلغ 800 إلى 1000 درجة مئويّة لتفكيك الجزيئات، ودرجات الحرارة هذه يتمّ الحصول عليها في الجيل الجديد من المفاعلات النّوويّة عالية درجة الحرارة الّتي تُصمّم حاليا، أو في محطات الطّاقة الشّمسيّة.

الإنتاج المباشر من الكتلة الحيويّة

الكتلة الحيويّة يمكن أن تكون مصدرًا مهمًّا جدًا لإنتاج الهيدروجين، وهي تتألّف من كلّ النّباتات (الخشب، القش..إلخ) الّتي تعاود النّموّ من سطح الأرض، وينتج الهيدروجين بواسطة التّحويل الغازيّ الّذي ينتج غازًا تركيبيًّا (CO+H2) وبعد التّنقية يعطي هذا الهيدروجين.

وهذا حلّ جذّاب لأنّ كميّة ثاني أكسيد الكربون الّتي تنبعث خلال تحويل الكتلة الحيويّة إلى هيدروجين تكون مكافئة بشكلٍ أقلّ أو أكثر للكميّة الممتصّة من قبل النباتات عندما تنمو، ويكون التّوزان بالتّالي صفريًّا.

ويوما ما سيكون من الممكن إنتاج الهيدروجين من البكتيريا أو العوالق الدقيقة، وقد اكتشف مؤخّرًا أنّ ميزة بعض هذه الأحياء هي أنّها تنتج الهيدروجين تحت تأثير الضوء، ولكن هذه العملية ما تزال في مراحلها المخبريّة.

تأسيس اقتصاد هيدروجيني يعني أنّ الهيدروجين يجب أن يكون متاحًا في كلّ الأوقات في أيّ مكان في البلاد

توزيع و تخزين الهيدروجين

من أجل أن يصبح الهيدروجين حقيقة ناقل طاقة في الغد فإنّه بحاجة لأن يكون متاحًا في كلّ الأوقات في كل مكان في البلاد، وبالتّالي يعدّ تأمين طرق النّقل الفعّال والتّخزين والتّوزيع هو تحدٍ حرج.

شبكة التّوزيع

حاليا التّوزيع الصّناعيّ يعمل عموما بالشّكل التّالي: ينتج الهيدروجين في وحدات مركزيّة، ويستخدم في الموقع أو ينقل في خطوط نقل لتمكين المصادر الرئيسة للإنتاج أن تصل لنقاط الاستخدام الأساسيّة، وإنّ شبكات أنابيب توزيع الهيدروجين موجودة في عدد من البلدان الّتي تغذّي الصّناعات الكيماويّة والبتروكيماويّة (تقريبا بطول شبكة يساوي 1050كم في فرنسا، ألمانيا وبينلو الّتي تعمل بواسطة الهواء السائل)، وحقيقة إنّ وجودَ هذه البنية التحتيّة للصّناعة يظهر أنّ لدينا فهمًا لعمليّة توليد و نقل الهيدروجين. 

 ولوضع هذا في منظور ، فإنّ كلفة النّقل تبلغ تقريبا 50% أعلى من كلفة نقل الغاز الطبيعيّ وإنّ وحدة واحدة من الهيدروجين تحمل ثلاث مرّات أقلّ من طاقة حجم وحدة واحدة من الغاز الطبيعيّ.

والبنية التّحتيّة لمحطة التّغذيةعمليّ ستحتاج لتطوير من أجل توزيع الهيدروجين، وإنّ إنشاء محطّات الخدمة لا يبدو أنّه يشكّل أيّ مشاكل فنيّة خاصّة، وإنّ حوالي 40 محطة رائدة تجريبيّة موجودة حاليًّا في العالم بشكلّ خاصّ في الولايات المتّحدة، واليابان، وألمانيا، وأيسلندا.

ولكن سيحتاج الأمر بعض الوقت قبل أن تغطيَ محطات الخدمة هذه كلّ البلاد، وهذا ربما يبطّئ استخدام الهيدروجين في النّقل، وللتّغلب على هذا فإنّ بعض مصنّعي السّيّارات يدرسون استخدام الوقود الحاوي على هيدروجين بدلًا من الهيدروجين نفسه، وفي هذه الحالة فإنّ مرحلة إعادة التّشكيل والاستصلاح ستتمّ على متن المركبة، وفائدة العمليّة بالتّالي تنخفض بسبب أنّ الاستصلاح ينتج ثاني أكسيد الكربون، وهو الغاز المسؤول بشكلّ أساسيّ عن أثر الدفيئة.

خليّة الوقود Fuel Cell

تتألّف خليّة الوقود كأيّ خليّة من مصعد ومهبط وإلكتروليت يكون داخل الخليّة الماء، حيث يمرّ تيّار كهربائيّ بين المصعدِ والمهبطِ يؤدّي لتفكّك الماء والحصول على غاز الهيدروجين الّذي يمكن حرقه في نظام مركّب على محرّك احتراق داخليّ ليقوم بتدويره.

تخزين الهيدروجين

إنّ تصميم خزانات حجمها صغير وخفيفة الوزن وآمنة ورخيصة هو أمر ذو أهميّة بالغة؛ لأنّ استطاعة تخزين الهيدروجين تجعل منه بشكل خاصّ خيارًا جيدًا مقارنة مع الكهرباء.

التّخزين بالشّكل السّائل

تخزين الهيدروجين بالشّكل السّائل هو أحد الحلول الّتي يتمّ البحث فيها، والّتي تبدو جيّدة، ويستخدم الهيدروجين بالشّكل السّائل في تطبيقات الفضاء، ولكن بعد الهيليوم يكون الهيدروجين الغاز الأكثر صعوبة في تحويله لسائل، وهو يأخذ قدرًا كبيرًا من الطّاقة بكلفة عالية ممّا يجعله أكثر صعوبة في التّطبيق على الجماهير عمومًا.   

التّخزين تحت ضغط عالٍ

تخزين الهيدروجين كغاز هو أحد الخيارات الواعدة، ولكن هناك العديد من المشاكل المرتبطة بهذا الأمر، إنّ الهيدروجين كونه غازًا خفيفًا ذو حجم كبير يجب أن يضغط لدرجة عالية لتخفيض حجم خزّانات التّخزين، وقد تمّ تحقيق بعض التّقدم في هذا الاتجاه، حيث إنّ ضغط الاسطوانات الصّناعيّة من الهيدروجين قد ازداد من 200 إلى 350 بار، والخزّانات الآن يتمّ تطويرها لتقاوم ضغطًا يصل إلى 700 بار، وما يزال يلزم 4.6 لتر من الأكسجين لإنتاج الطّاقة الّتي يعطيها لتر واحد من البترول (البنزين).

وإنّ خطر التّسرب من خزّانات الهيدروجين يجب أن يؤخذ بالحسبان بسبب الطّبيعة القابلة للاشتعال والمتفجّرة للغاز تحت شروط معيّنة؛ بسبب حجم جزيئاته الصّغير فإنّ الهيدروجين يمكن أن يمرّ عبر العديد من الموادّ بما فيها معادن معيّنة، وبعضها تضعف ممّا يجعلها قصفة؛ لذا فإنّ البحث في التّخزين عالي الضّغط يتكوّن بشكل أساسيّ من اختبار مقاومة المواد للهيدروجين المضغوط، وهذه الموادّ يجب أن تكون مقاومة ولكنّها خفيفة نسبيًّا لنقلها، والخزّانات المعدنيّة المستخدمة في الوقت الحاضر ماتزال غاليّة وثقيلة بالنّسبة لكميّة الغاز الّتي يمكن أن تعطيها، والخزّانات المصنوعة من البوليميرات - وليس المعادن - يجري حاليًّا تطويرها لإزالة هذه المشاكل.

التّخزين تحت ضغط منخفض

أحد البدائل لاستخدام الخزّانات المضغوطة هو تخزين الهيدروجين في موادّ كربونيّة معيّنة، أو خلائط معدنيّة تمتصّ الهيدروجين وتعيده عند اللّزوم، والكثير من الأبحاث تجري حاليًّا حول هذه الطّرق من التّخزين.

المجال الممكن لإنتاج الكهرباء من أيّ شيءٍ، اعتبارًا من بضع واطات فقط إلى الميغاواطات

خليّة الوقود

تكنولوجيا المستقبل ذات الماضي الطّويل

المسارات التكنولوجيّة المختلفة

هناك عدد من الأنواع المختلفة من خلايا الوقود والّتي تتميّز عن بعضها البعض بمحلول التّحليل الكهربائيّ (الإلكتروليت) ويحدد الإلكتروليت درجة حرارة تشغيل الخليّة وبالتّالي تطبيقها، والعقبتين الرئيسيتين الباقيتين لتطوير تطبيقات تجارية لخلايا الوقود المصاعب التكنولوجيّة (هي ذات حجم غير صغير كفاية، والموادّ تتآكل بسرعة ومردود طاقتها يمكن تحسينه) وتكاليف التّصنيع.

تهدف الأبحاث الحاليّة لتخفيض التّكاليف بينما تحسّن الأداء.

ويتمحور البحث أساسًا حول عائلتين من خلايا الإلكتروليت الصّلب.

خليّة الوقود ذات غشاء التّبادل البروتوني (proton exchange membrane fuel cell) (PEMFC) الّتي تعمل عند درجة حرارة 80 درجة مئوية، وهذا يبدو واعدًا جدًا للنّقل حيث الأنواع الأوليّة الحاليّة للسّيّارات يبلغ سعرها 7,600 يورو/ كيلو واط، وتحدّي الباحثين هو تخفيض الكلفة إلى أقل من 50 يورو/ كيلو واط، وأحد الأشكال من هذه الخلايا هو خليّة وقود الميتانول المباشرة (direct methanol fuel cell) (DMFC) أو خليّة وقود الإيتانول المباشرة

(direct ethanol fuel c cell) (DEFC)  الّتي تعمل على أساس الاستهلاك المباشر للهيدروجين المحتوى في الكحول، وخليّة الوقودهذه الصّغيرة جدًّا تبدو مناسبة لتغذيّة الميكروإلكترونيّات والتّجهيزات النقّالة.

خليّة وقود الأكسيد الصّلب (solid oxide fuel cell) (SOFC) تبدو مناسبة للتّطبيقات الثّابتة بسبب درجة حرارتها العالية جدًا (في مجال 800 درجة مئويّة)، والّتي تمكّن من الاستخدام المباشر للغاز الطبيعيّ بدون استصلاح، وأيّ حرارة متبقية يمكن استخدامها إمّا مباشرة أو بشكل غير مباشر لإنتاج الكهرباء باستخدام عنفة غازيّة، وهذا سيعطي مردودًا كليًّا يصل إلى 80%.

معايير السّلامة للإنتاج والتّخزين والنّقل واستخدام الهيدروجين يجري تحضيرها حاليًّا

عالم الغد : الهيدروجين في الحياة اليومية

الاعتماد المتواصل

العديد من الأنواع الأوليّة لخلايا الوقود و خزّانات التّخزين والسّيّارات ومحطات الخدمة موجودٌ حاليًّا، وبالرّغم من هذا فإنّ الهيدروجين سيدخل فقط في حياتنا اليوميّة ببطء شديد.

وبحلول عام 2005م تمّ إدخال أوّل أجهزة محمولة مزوّدة بخلايا وقود ميكرومتريّة، وفي حقل النّقل فإنّ مصنّعي السّيّارات بدؤوا أوّل تطبيقات الهيدروجين في عام 2008م في أساطيل النّقل: وهي باصات وسيّارات لها نقاط مرور وتوقف إلزاميّة ممّا يجعل إعادة التّزود بالوقود أسهل، وهذه السّيّارات أيضا لها مشاكل أقلّ من حيث أحجام التّخزين وبعض الأنواع الأوليّة موجودة حاليا في التّداول، وأوّل سيّارات خاصّة بدأ استخدامها بين عامي 2010م و2020م.

الهيدروجين والسّلامة

بالرّغم من أنّه يستخدم عمومًا في الصّناعة؛ فإنّه غالبا يعتبر غازًا خطرًا، وهذه الصّورة مرتبطة بشكل أساسيّ بكارثة منطاد (هيندنبيرغ) في عام 1937م، وبالرّغم من أنّنا نعلم أنّ سبب الكارثة ليس الهيدروجين، ولكنّ الحريق كان عالي الاشتعال للطّلاء الّذي يغطّي الغلاف، وفي بداية القرن العشرين فقد كان الهيدروجين يستخدم بشكل واسع من قبل العوامّ في غاز المدن، وهذا المزيج من الهيدروجين وأوّل أكسيد الكربون لم يستمر استخدامه ليس بسبب الهيدروجين، ولكن بسبب كون أوّل أكسيد الكربون عالي السميّة، ويجب استخدام الكربون بعناية ولكنّه أكثر خطرًا من الغاز الطبيعيّ، حيث هناك أخطارٌ مختلفة، ولضمان الاستخدام الآمن للهيدروجين فمن الأساسيّ تجنب كل مخاطرانفلاته؛ لأن الهيدروجين قابل للاشتعال ومتفجّر، وأيّ مكان مغلق يمكن أن يكون خرًا. وهذا يتطلب استخدام أجهزة أمان خاصة (مراوح ، كواشف ..إلخ)، وقد أجريت الدّراسات عند كل مراحل الإنتاج والاستخدام للتّغلب على هذه المخاطر، مثلا تجري مفوضيّة الطّاقة النوويّة اختبارات على انفجار وسقوط وانثقاب الخزّانات عالية الضغط أثناء تصميمها.

وأيضا من المهم تحديد أنظمة الاستخدام الشّائعة والمشتركة، وإنّ اقتصاد الهيدروجين  لا يمكن أن يؤسّس بدون توافق المعايير والأنظمة على المستوى الأوربي والدّولي، وفي عام 1990م شكّلت منظمة المعايير الدّوليّة (إيزو) لجنة فنيّة لتحضير معايير في مجال إنتاج، وتخزين ونقل التطبيقات المختلفة للهيدروجين، وإنّ مشروع (EHIP) الأوربيّ -مشروع الهيدروجين الأوربيّ المتكامل - مثلا يصدر مقترحات لتشريعات متعلّقة بسياّرات الهيدروجين والبنية التّحتيّة للتّوزيع.  

المراجع :

1. HYDROGEN: FUEL OF THE FUTURE, Rachel Chamousis

2. ESMAP, WORLD BANK GROUP

3. Hydrogen, Fuel Cells & Infrastructure Technologies Program, Multi-Year Research, Development and Demonstration Plan, Planned  program activities for 2005-2015, US Department of Energy.

4. Commissariat of the nuclear and alternative energies –France, Hydrogen as Energy System.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب