في عالم يزداد تشابكًا وسرعة، فرضت العولمة أنماطًا من العيش والتفكير أصبحت تمثل ما يشبه «الهوية الكونية»، وهي ليست هوية مشتركة أصيلة بقدر ما هي قالب مُعد يُفرض على الأفراد، يُقاس فيه النجاح بالصورة، والقيمة بالعرض، والذات بما تقدمه من إثارة أو تسويق. هذه الهوية المفروضة لا تقوم على جوهر الإنسان أو شعوره الحقيقي، بل على ما يمكن أن يُعرض ويُستهلك. وهكذا، تبدأ رحلة الانفصال المحفوف بالخطر عن الوجدان.
الإنسان كائن معروض
في بيئات التواصل الحديثة، أصبح الفرد أقرب إلى ممثل دائم، يؤدي أدوارًا لا تنتهي:
يضحك حين لا يشعر بالفرح، يظهر الرضا وهو يعاني، يتحدث بثقة وهو غارق في الشك، يصنع حياة ظاهرية من الصور والفيديوهات.
هذا التمثيل المستمر يخلق ما يمكن تسميته بـ«الانفصال الشعوري»: حالة يعيش فيها الإنسان في قطيعة مع نفسه. لا يشعر إلا بما يخدم صورته، لا يعبِّر إلا بما يُرضي الجمهور، لا يفكر إلا في كيفية البقاء في دائرة الضوء. ومع الزمن، تضمر المشاعر الحقيقية، ويضعف الوجدان.
وجدان مأزوم وهوية مُعلَّبة
حين ينفصل الإنسان عن وجدانه، يفقد حسَّه الطبيعي تجاه الألم والفرح والعدل والظلم. ويصبح «المزيف» هو الحقيقة المقبولة اجتماعيًّا. ومن هنا تولد مظاهر قاسية، مثل السخرية من الضعفاء، وتبرير الظلم، والتماهي مع القوة حتى وإن كانت ظالمة، لا لأن هذا الشخص فاسد بالضرورة، بل لأنه غير متصل شعوريًّا بالواقع، بل بـ«صورة الواقع».
العولمة وإنتاج الإنسان المعلّب
العولمة لا تصنع فقط منتجات متشابهة، بل تصنع أيضًا أشخاصًا متشابهين:
نفس الذوق، نفس ردود الفعل، نفس الطموحات المتوقعة، نفس «الماركة النفسية» التي توحي بالعصرنة والانفتاح، لكن هذا الإنسان «المعلَّب» يعاني في داخله الفراغ والوحدة وفقدان المعنى؛ لأنه لم يعد يتفاعل بصفته كائنًا حيًّا، بل بصفته ممثلًا، لا يعيش الحياة، بل يعرضها.
من الوجدان إلى المقاومة
النجاة من هذه الهوية المزيفة لا تكون إلا باستعادة الشعور الحقيقي، لا بالعزلة، بل بإعادة الاتصال بالواقع كما هو، من دون وسائط.
أن تحزن حين يكون ما يُحزن موجودًا، أن تفرح من دون تصوير، أن ترفض الظلم من منطلق إنساني لا من منطلق سياسي أو أيديولوجي، أن تبكي حين يتطلب الموقف البكاء، وتضحك من قلبك لا من أجل التفاعل الجماهيري.
الوجدان هو بداية المقاومة
في زمن العولمة، لا نحتاج فقط إلى وعي نقدي تجاه الثقافة، بل إلى وعي وجداني تجاه أنفسنا، أن نعيد اكتشاف شعورنا الحقيقي، أن نسمح له بالظهور، أن نثق به مصدرًا للحقيقة، ففي نهاية الأمر، ليست المشكلة أن نكون جزءًا من العالم، بل أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول الانتماء إليه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.