الهوية الفنية للأدب في مقامات بديع الزمان والحريري ج1

من المسائل التي أثارها البحث في معالم نصوص المقامات مسألة البطل والراوي.

فقد عُرفت المقامات ما بين بديع الزمان والحريري تغيرًا ملحوظًا في مستوى سمات الراوي والبطل ودور كليهما في علاقته بالنصِّ كليًّا.

على هذا الأساس يمكن إيراد الملاحظات التالية.

اقرأ أيضًا مختصر كتاب "الأدب المقارن مقدمة نقدية"

مقامات بديع الزمان

ففي مقامات بديع الزمان يتميز الراوي والبطل بثبات دورهما، لكن ذلك ليس ضروريًّا في كامل المقامات.

ففي المقامة المارستانية يروي "عيسى بن هشام" أحداثًا في "مارستان البصرة" بطلها مجنون ناظر "أبا داود" المتكلم المعتزلي، ليقدح في أفكاره ويواجهه بحجج عقلية وأخرى نقلية، ثم يسمعه ألوانًا من اللوم والسخرية والتهكُّم. (المارستان مأوى يجمع فيه المجانين قديمًا).

بينما يؤدي الراوي دور البطل فيغيب "الإسكندري" في البغدادية، كما غاب في المارستانية، كما يغيب في البشرية ليترك دوره لبطل آخر هو "بشر بن عوانة العبدي".

والأمر الجدير بالاستنتاج هنا هو أن الراوية لا يغيب عن أية مقامة لبديع الزمان، في حين يؤدي "الإسكندريُّ" دور البطل في معظم مقامات بديع الزمان.

فدور الرَّاوية الحضوريِّ يعدُّ من المقومات الخاصة بمقامات بديع الزمان الثابتة.

لكنَّ ذلك لا يمنعه البتَّة عن النَّقل عن رواة آخرين كما في المقامة الصَّيمرية: "حدَّثنا عيسى بن هشام قال: قال محمد بن إسحاق المعروف بأبي العنبس الصّيمريّ..".

إنَّ الراوي لا يتغير في مقامات بديع الزمان، لكنَّه يتغيَّر في مقامات "ابن ناقيا البغدادي" كلَّ مرَّة.

 فيقول في النَّبَّاشيَّة: "حدَّثني بعض الفُتَّاك.."، ويقول في المقامة الثالثة: "حدَّثني بعض الشَّاميِّين.."، ويقول في المقامة الرابعة: "حدَّثني بعض الأصدقاء، النازلين بشرقيِّ الزَّوراء"، لكنَّ البطل "اليشكري" لا يتغير كما يقع مع أبي الفتح الإسكندري في بعض مقامات البديع.

اقرأ أيضًا سمات الأدب العربي القديم

مقامات الحريري

لكنَّ لمقامات الحريريِّ شأنًا مغايرًا. إذ يثبت دور الراوي والبطل ضمن ذلك، في جميع المقامات، وهو ما أثَّر في ما لحق من مقامات أُلِّفت بعد بديع الزمان. 

إنَّ المقامات البديعية نسبها الهمذاني نفسه للإسكندريِّ، وهو ما نستفيده من كتاب: "كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزَّمان"(ص389-390) لـ "إبراهيم بن السيد علي الأحدب الطرابلسي" (محقَّقًا) وهي إشارة لمناظرة بديع الزمان مع "أبي بكر الخوارزمي" –علم نيسابور وأديبها- التي اعتبر فيها بديع الزمان أنَّ المقامات هي: "مقامات الإسكندريِّ وأنَّ عمل الهمذاني اقتصر فيها على كونه راوية لتلك المقامات لا غير".

تكمن أهمية هذا الشاهد في كونه يبين طريقة تقديم عمل الهمذاني أوَّل مرَّة بأسلوب يلائم ذائقة مستمعي "الخوارزمي".

فهو يوهم المستمع بأن البطل "الخياليَّ"، هو صاحب المقامات، ما يضفي على روايته مسحة توثيقية مرجعية توهم بواقعية المقامات، وهو ما يتلاءم مع "أفق انتظار" معيَّن.

ويبين الشاهد المسافة التي اتخذها المؤلف من عمله، ولعلَّ بداية المقامة الأسدية تحيل على هذا المعنى: "كان يبلغني من مقامات الإسكندريِّ ومقالاته ما يصغى إليه النفور...".

إن إسناد البطولة والرواية لشخصيات خيالية قد يعود سببه إلى الرَّغبة في التفصِّي ممَّا تتضمنه المقامات من مواقف تبرز متناقضات الواقع بجميع أبعاده.

ولا إمكانية لذلك إلَّا من ضمن نسيج المقامة ذاته بإدراج بطل وهميٍّ وراوية خياليٍّ في نصٍّ متخيَّل الأحداث، قضاياه اجتماعية، ثقافية وسياسية في إطار نمط أدبيٍّ مبتدع يوهم بكونه نمطًا كتابيًّا آخر مألوفًا كالأخبار والسِّير؛ لذلك يمكن عدًّ اللَّبْسِ مقصودًا لذاته بهذا المعنى الذي ذكرنا آنفًا..

اقرأ أيضًا تأثير الأدب في تشكيل الوعي السياسي

إشكالية الراوي والبطل

إنَّ الملاحظة الأخيرة كفيلة بأن تفتح لنا أبواب البحث في إشكالية الراوي والبطل حسب إمكانية انتمائهما أو انتماء أحدهما -على الأقلِّ- لمرجع واقعيٍّ ألهم بديع الزمان والحريري أفكارًا كانت وراء بلورة شخصيات البطلين أو الراويتين بما عليهما من سمات مميزة.

ينقل "الدكتورخفاجي" (في كتابه، ص61)، عن الباحث "محمد غنيمي هلال"، اعتبار "أبا دلف الخزرجي" أقرب ما يكون بسماته إلى سمات "أبي الفتح الإسكندري".

ويعتمد "خفاجي" الرأي السابق ليُماهي بين شخص "أبي دلف" وشخصية  "الإسكندري"، وينقل دليلًا مهمًّا في الغرض من المقامة القريضية شعرًا نُسب للإسكندريِّ وهو في حقيقة الأمر لـ "أبي دلف الخزرجي".

وقد نقل ذلك أيضًا "الثعالبي النيسابوري" في "يتيمة الدهر"، وهو ما نصُّه:

ويحك الزَّمان زور * فلا يغـرَّنَّك الغـرور 

لا تلتزم حالة ولكن * دُر باللَّيالي كما تدور

لكنَّ "خفاجي" لا يقف عند هذا الحدِّ، بل اعتبر البديع يُنزل "أبا دلف" من نفسه منزلة "الأستاذ والمعلِّم".

وممَّا لاحظه النقاد أنَّ الهمذانيَّ يعتمد الرواية في المقامات (السند في علاقته بالمتن) ستارًا يخفي به دوره المحوريَّ في تأليف المقامات.

فالراوي إذن شكل فني يحيط نصَّ المقامة بـ"عوازل" فنية تحول دون خلق رابطة مباشرة بين المقامات ومؤلِّفها/ مؤلِّفيها.

كما تجدر الملاحظة في هذه المرحلة من العمل إلى أنَّ "خفاجي" ماهى بين الفن والواقع حين أرجع شخصية الإسكندريِّ المنتمية للنص إلى شخص "أبي دلف" الواقعيِّ التاريخي.

فإلى أيِّ حدٍّ يمكن اختزال الإبداع الفني لنموذج أدبي كالمقامات في شخص واقعيٍّ بسبب اتفاق بعض الأبيات الشعرية التي قالها بطل النص المذكور مع ما قاله شخص واقعي له كيان وجسد وتاريخ؟

وهل يمكن أن يكون الإسكندري ممثِّلًا لنموذج واقعيٍّ واحد هو: "أبو دلف الخزرجي"؟

اقرأ أيضًا توفيق الحكيم (1898م _1987م ) بين ريادة المسرح وريادة الرواية

عن المقامة الجاحظية

يقدم "إبراهيم السعافين" قراءة مختلفة عما تقدم ذكره في علاقة بشخصيَّة "أبي الفتح الإسكندري"، بطل المقامات البديعية.

وهي تشمل مظهرين من مظاهر تعالق كتابات "الجاحظ" بمقامات البديع، فيذكر المقامة الجاحظية التي يعلن فيها بديع الزمان صراحة تعالق أدبه بأدب الجاحظ. 

ثم ينقل "السعافين" عن الجاحظ في كتاب البخلاء شخصية هي "أبو الفتح مؤدب منصور بن زياد".

أما وجه الشبه بين النادرة الجاحظية المذكورة والمقامة الجاحظية فهو انتماء كليهما لـ "أدب الموائد" حيث "الخوان وصنوف الطعام". تقدَّم في ثنايا المثالين المذكورين.

لعلَّ مفهوم "التَّناصِّ" يفسر إلى حدٍّ ما اعتماد كنية "أبي الفتح" في المقامات كما أوردها الجاحظ، لأنَّه يجسِّد استلهامًا من نصٍّ من النصوص السابقة على مستويات فنية مختلفة. 

لكنَّ الأمر يستحيل أكثر تعقيدًا حين نحاول التوفيق بين رأي الناقدين، فيغدو البطل متكونًا من شذرات وتفاصيل نصية، بعضها متعلق بالواقع (كأبي دلف) وبعضها الآخر متعلق بشخصية نصية كنيتها "أبو الفتح".

فالفن يحيل على الفن إن اعتمدنا مفهوم "التناصِّ" من ناحية أولى، كما يحيل مفهوم"الحوارية" (والمصطلح لباختين) على الواقع الاجتماعي والتاريخي، من ناحية ثانية.

فهل هاتان القراءتان المفسرتان لإحالة نصِّ مقامات بديع الزمان -من حيث سمات البطل المذكورة- على ما هو خارج النصِّ تفيان بالغرض؟

"أبو الفتح" في كتاب الجاحظ لا يمكن أن يتطابق كليًا مع بطل مقامات الهمذاني لأنَّه "أبو الفتح الإسكندري"، وكذلك الأمر مع "أبي دلف" الذي لا يمكن أن يتماهى آليًا مع "الإسكندري" لتماثل بعض أشعار هذا مع بعض أشعار ذاك.

لذلك، لا بدَّ لنا من قراءة أخرى تخلِّصنا ولو جزئيًا مما نحن بإزائه، دون تبسيط مخلٍّ أو تعقيد مملِّ. 

اقرأ أيضًا الأدب العربي | عصوره وأقسامه وعلاقته بالقرآن الكريم

الرموز في المقامات

من الوجيه أن نفتح بابًا لقراءة تأويلية تتعلَّق بالرمز، بمعنى التفاعل مع الظروف الثقافية السائدة،(في هذا الإطار وردت دراسة لـ: "جيل تاريان" بعنوان: "من أجل سيميائية القراءة")، كما أورد الباحثون العرب ضمن هذا الاتجاه من القراءة المخصوصة للدلالات الرمزية الثقافية لاسم البطل "أبي الفتح الإسكندري".

فأبو الفتح له دلالة على الفتوحات بالمعنى الذي يمثله ذلك في المقامات، إذ تتحقَّق فتوحاته في أموال الناس وأطعمتهم، وذلك حين يدعي مثلًا انتماء للثغور الأموية في المقامة البصرية فهو في الحقيقة يتلاعب بما يتوافق مع المعنى المباشر لمفهوم "الفتح".

وقد استعمل الإسكندري صورة الفاتح وفق ذلك السياق في حيلته تلك لأنَّه مفهوم يلقى رواجًا عند عامة المسلمين وخاصتهم ويحقق أثر التعاطف فيفتح القلوب تمهيدًا لفتح أكياس الأموال.

أمَّا "الإسكندري" فنسبة واضحة لمدينة الإسكندرية موطن البطل. لكن أية إسكندريَّة؟ فكثيرة هي المدن التي تسمى إسكندريَّة.

الواضح أنه انتماء مموَّه لمدينة غير محدَّدة، أو لعلها لعبة فنية.

في المقابل من ذلك يمثِّل "أبو زيد السروجيُّ" -من حيث الانتماء إلى سروج- وضوحًا مرجعيًّا لا شكَّ فيه، فهي مدينة معلومة (كانت تتبع الشام قديمًا، ثم ضمَّتها تركيا منذ معاهدة لوزان 1923).

إنَّ شخصيَّة "أبي الفتح الإسكندريِّ" تبدو من خلال التأمل فيما سبق "مسيجة بالنصِّ، لا تخرج عنه البتَّة.

ولا وجود لها في سواه" (حمادي صمود، الوجه والقفا، ص27)، ويستمر في الحديث عن سمات بطل المقامات البديعية، فالبطل عنده "نموذج" و"متَّكأ" فنِّيٌّ للمؤلف الغرض منه طرح قضايا عصره الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية، وهو ما يفسِّر تعدُّد الأغراض التي وردت ضمنها المقامات.

أمَّا بالنسبة للراوي "عيسى بن هشام"، فيكاد يجمع الدارسون على أنه شخصية خيالية لا مرجعيَّة لها في التاريخ.

فكيف الأمر بالنسبة لسمات الراوي والبطل في مقامات الحريري؟

اقرأ أيضًا الفرق في الأدب العربي بين الماضي و الحاضر.. معلومات لا تفوتك

مرحلة التقاء الراوي بالبطل

يرد ذكر الراوي والبطل مقترنيْن في بداية مقامتين، الأولى "الحرامية": "روى الحارث بن همام عن أبي زيد السروجيِّ".

أمَّا الثانية "الساسانية": "حكى الحارث بن همام قال: بلغني أن أبا زيد..". فينقل الراوي مباشرة عن البطل في الأولى، كما ينقل عنه في الثانية على نحو غير مباشر ما حدث مع "السروجي".

أما في بقية المقامات فيلتقي الراوي بالبطل في مرحلة متقدمة من أحداث أغلب المقامات فيما يُتعارف عليه بــ "التعرُّف"، وهو اكتشاف صاحب الحيلة الذي لا يكون غير "السروجيّ"، وأحيانًا أخرى تكون هوية البطل معلومة منذ بداية اللقاء بين الشخصيتين. حين يكون الهدف من ذلك غير الكدية. 

لكنَّ الأمر بالنسبة للمقامة الثامنة والأربعين: "الحرامية" يمثِّل أكثر من ذلك بكثير. فهي المقامة النواة بالنسبة لمجموع مقامات الحريري، لأنها أول مقامة ألفها صاحبها ثم أتبعها غيرها بعد ذلك حتى أتمَّ عدَّتها خمسين مقامة. 

تتناقل كتب التراجم روايات كثيرة عن التقاء الحريري بـ "أبي زيد السروجيِّ" الذي نحله الحريري وقائع مقاماته، من أهمِّ تلك الروايات ما كان إسناده يصل إلى الحريري ذاته.

يقول "ياقوت الحموي" في "معجم الأدباء": ".. أبو زيد السروجي كان شيخًا شحَّاذًا بليغًا ومكدِّيًا فصيحًا، ورد علينا البصرة (...) وذكر أسر الروم ولده كما ذكرناه في المقامة الحرامية (...) فأنشأْتُ المقامة الحراميَّة ثمّ بنيْتُ عليها سائر المقامات.." (المثل السائر، ص236).

حينئذ، وحسبما نُقل عن "ياقوت الحموي" يتعالق إنشاء مقامات الحريري بظهور شخص ينتمي إلى واقع الحياة، اسمه كما يرد في المقامات: "أبو زيد السروجي".

وفي الإطار ذاته يضيف "محمد عبد المنعم خفاجي" (في كتابه "أبو الفتح الإسكندري ...." ص16-17): "أما البطل فليس خياليًا، وإنما هو شخصية لها ظل في واقع الحياة". أما راوي المقامات الحريرية "الحارث بن همام" فيعده "عبد الفتاح كيليطو" في كتابه: "المقامات، السرد، الأنساق الثقافية، ص216": "اسمًا مستعارا شفافًا (...) ليسمي نفسه..".

إنَّ كلا الرأيين الأخيرين يؤكدان أنَّ الراوي والبطل (من حيث انتمائهما) أحدهما يعود إلى واقع الحياة، أما الآخر فينتمي إلى عالم رمزي شفاف. فهل من حلٍّ مقبول لهذه الأحجية الأدبية؟

إنَّ البطل في المقامات المذكورة ينحدر من عالم الواقع، لكنه حين يدخل النص يكفُّ عن ذلك.

فيصير كائنًا نصيًّا لأنَّ علاقته بالمرجعية الواقعية تنتهي بانتهاء ما يستعيره الحريري من أحداث هي بعض ما قام به البطل في المقامة الحرامية.

ثمَّ تُستأنَف الطبيعة الخيالية الجديدة الفنية الأدبية تحديدًا، لبطل المقامات بما هو بطل خيالي، ينتمي لعالم من الأحداث المبتكرة داخل النصِّ والتي لا تخرج عنه.

وبذلك نخلص إلى القول في هذا الإطار إن الرَّاوية والبطل في مقامات بديع الزمان والحريري على حدٍّ السواء، على الرغم من كونهما يتعلقان بطبيعة واقعية من حيث السمة الغالبة.

فإنَّ الفنَّ -والأدب من ضمنه- يحيل على الخصائص المذكورة التي تجعل من الواقع أشبه ما يكون بالمُتخيَّل، والتي يتحوَّل الخيال بدوره في إطارها إلى ما يشبه الواقع بدوره، فهي إذن علاقة أخذ وردٍّ.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة