هويتنا في عصر الثقافة الرقمية.. كيف صنعت السوشيال ميديا واقعًا موازيًا؟

نتحدث عن الهوية الرقمية وتأثيرها على حياتنا. لقد بتنا نعيش الآن في واقعين مغايرين، أحدهما من صنع الله، والآخر من صنع البشر. وأصبح لكل فرد منا هويتان متناقضتان؛ إحداهما تظهر في العالم الطبيعي، والأخرى تتجلى في وسائل التواصل الاجتماعي. كنا نرى وسائل التواصل الاجتماعي منصات للتسلية، ولكن مؤخرًا، بدأت ألاحظ تحول تلك المنصات إلى واقع موازٍ. لقد صارت قضاء الوقت على تلك التطبيقات ضرورة للشعور بالوجود. وقد تطور الأمر إلى أن أصبح لدينا هوية أخرى توازي، وقد تُناقض، هويتنا التي نظهرها في الواقع الحقيقي.

صديقي الإنسان، لقد بتنا نعيش الآن في واقعين مغايرين، أحدهما من صنع الله، والآخر من صنع البشر. وأصبح لكل فرد منا هويتان متناقضتان بعض الشيء؛ إحداهما تظهر في العالم الطبيعي، والأخرى تتجلى في وسائل التواصل الاجتماعي (الواقع الاصطناعي).

منذ سنوات قليلة، كنا نرى وسائل التواصل الاجتماعي منصات للتسلية والترفيه، إذ نتشارك الصور ومقاطع الفيديو ونتواصل مع الأحباء البعيدين عن الأعين. ولكن مؤخرًا، بدأت ألاحظ تحول تلك المنصات المسلية إلى واقع موازٍ لحياتنا. لقد صارت قضاء الوقت على تلك التطبيقات ضرورة للشعور بالوجود. وقد تطور الأمر إلى أن أصبح لدينا هوية أخرى توازي، وقد تُناقض، هويتنا التي نظهرها في الواقع الحقيقي.

الهوية المزدوجة: جرأة الشاشة وخجل الواقع

صديقي الإنسان، لدي صديق يعاني من القلق الاجتماعي، إذ لا يستطيع التواصل بفعالية مع الأشخاص الآخرين، أو مشاركة آرائه وأفكاره بسلاسة. ولكن، نفسُ ذلك الصديق، يستطيع التحدث والدردشة مع الآخرين والتعبير عن أفكاره بكل جرأة على حساباته في فيسبوك وتويتر وإنستغرام، حتى صار يفضل البقاء في تلك المنصات على أن يعيش حياته في الواقع الحقيقي، مما جعلني أتساءل: «هل تحولت تلك التطبيقات من وسائلِ الترفيه إلى واقع جديد آخر؟».

لقد صار هناك الكثير من الأشخاص يميلون إلى تكوين الصداقات والتعرف على الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقط. تجد أن لدى الواحد منهم آلاف الأصدقاء على فيسبوك، ولكن لا يتجاوز عدد أصدقائه في الواقع الحقيقي العشرة. أصبح الكثير منا يفضل الدراسة والعمل عبر الإنترنت بدلًا من الخروج من المنزل.

التعارف عبر السوشيال ميديا

صديقي الإنسان، لقد بتنا نشارك لحظاتنا السعيدة ونجاحاتنا على حساباتنا، لنصدر صورة مزيفة عن أنفسنا، لا تحظى بأدنى شبهٍ لصورتنا الحقيقية. أصبحنا نهرب من الواقع الحقيقي، ونلجأ إلى تلك المنصات، لنتلقى الإعجاب والمديح من أشخاص يفعلون الشيء نفسه.

الآليات النفسية للإدمان الرقمي

إن هذا الانجذاب القوي للواقع الافتراضي ليس صدفة، بل هو نتيجة لآليات نفسية معقدة تستغلها تصميمات هذه المنصات ببراعة.

الخوف من تفويت الأشياء (FOMO)

يشير مفهوم «الخوف من تفويت الأشياء» إلى القلق الاجتماعي الذي يتميز بالرغبة في البقاء متصلًا باستمرار بآخر المستجدات والتفاعلات الاجتماعية والفرص، والخوف من أن يمر حدث ممتع أو مهم أو خبر عاجل دون علمك أو مشاركتك فيه، ما يزيد من الانغماس في الواقع الافتراضي، معززًا الشعور بأن الوقت الذي يقضيه المرء في العالم الحقيقي هو وقت «ضائع» يمكن استثماره في تتبع أخبار الآخرين على الإنترنت.

فقاعة الفلترة (Filter Bubble)

أما مصطلح «تأثير الفقاعة الفلترية» فيوضح لنا كيف أن الخوارزميات تعزلنا في محتوى نرضاه، ما يعزز أفكارنا المسبقة ويجعل الواقع الافتراضي أكثر راحة وجاذبية من الواقع الحقيقي الذي يتضمن تحديًا للاختلاف. تسجل المنصات كل تفاعل تقوم به على المنشورات، ثم تستخدم الخوارزميات تلك البيانات للتنبؤ بما «ستحبه» أو تتفاعل معه مستقبلًا. تبدأ المنصة بعرض المحتوى الذي يوافق آرائك أو اهتماماتك أو انتماءاتك بشكل حصري تقريبًا، مع تقليل ظهور المحتوى الذي قد يعارضك أو يختلف عنك، فيظن المستخدم أن ما يراه على المنصة يمثل رأي الأغلبية أو الواقع العام، في حين أنها في الحقيقة انعكاسٌ لما تفرزه الخوارزمية خصيصًا له.

تأثير الفقاعة الفلترية

الحل: استعادة الواقع عبر الديتوكس الرقمي

إذن، يجب علينا الآن إعادة ضبط علاقتنا بالواقع الحقيقي، وسيتحقق ذلك بتطبيق «الديتوكس الرقمي»، ألا وهو ممارسة الامتناع المتعمد والمؤقت عن استخدام الأجهزة الإلكترونية التي تعتمد على الاتصال بالإنترنت، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب، وكذلك منصات التواصل الاجتماعي، لمدة زمنية محددة. تكمن أهمية ذلك في:

  • تعزيز التواصل الحقيقي: توجيه الانتباه والطاقة إلى التفاعلات وجهًا لوجه
  • زيادة الوعي باللحظة الحاضرة: تقليل التشتت وتحسين التركيز والصحة النفسية.
  • إعادة بناء العلاقة الصحية بالتكنولوجيا: كسر حلقة الإدمان والسلوكيات القهرية.

كيف تبدأ الديتوكس الرقمي؟ خطوات عملية

  • حدد أوقاتًا خالية من الشاشات: خصص ساعة قبل النوم وساعة بعد الاستيقاظ دون النظر إلى هاتفك.

  • عطّل الإشعارات غير الضرورية: الإشعارات هي الخطاف الذي يعيدك إلى العالم الرقمي. احتفظ فقط بإشعارات المكالمات والرسائل المهمة.

  • احذف التطبيقات الأكثر إلهاءً: قم بإزالة التطبيقات التي تستهلك معظم وقتك من شاشتك الرئيسية، أو احذفها تمامًا بضعة أيام.

  • مارس هواية غير رقمية: اقرأ كتابًا ورقيًا، مارس الرياضة، ارسم، أو تعلم العزف على آلة موسيقية.

الديتوكس الرقمي

وفي النهاية، تذكّر صديقي الإنسان، أنك مجرد شخص عابر في صفحات السوشيال ميديا، يوجد غيرك ملايين الأشخاص الآخرين، وأن كل ما تنشره لنيل الإعجاب على تلك المنصات يدخل طيّ النسيان بعد يوم واحد فقط. إن الوجود الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات؛ بل بعمق اللحظات التي تعيشها بوعي كامل بعيدًا عن الشاشات؛ لذا استثمر طاقتك في بناء هويتك الحقيقية وقيمتك الدائمة في الواقع الذي لا تمحوه ضغطة زر. أغلق الشاشة، وانظر إلى العالم بعينيك، ودع الحكايات تُكتب على صفحات حياتك، لا على منشورات حساباتك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.