الهوية الاجتماعية وتعالي المقدس

الهوية الاجتماعية وتعالي المقدس

مقدمة

الأشكال الفكري الذي هو بمثابة المفتاح في كل ثقافة تتعامل مع الذات أولا كهوية ومع الآخر المتعالي كمركز جامع وموحد للهوية، صيرورة دائمة التأسيس تجمع بين المقدس والسرديات التي وضعت حبكتها السردية وجعلت منها النواة التي توحد الجماعة اتجاه كل ما يحيط بها من أخطار طبيعية أو ثقافية تهدد انوجادها.

تحليل هذا الإشكال الذي حاولنا توصيفه في السطور السابقة يقوم على عدة ممارسات إقامتها الثقافات بكل أشكالها الاجتماعية في سعيها الدائم إلى مواصلة الوجود القائم على الوحدة والتعايش والتواصل رغم صراعه على وسائل الحياة والسلطة وكل هذا يتطلب منها أن تمتلك رأسمال رمزي يمكنها من التوحد والاستمرار.

أولا، المقدس والسرديات الكبرى:

شكل المقدس النواة التي أقامت عليها أغلب السرديات المبكرة في الديانات أو الثقافات الكبرى سواء كانت يهودية أو مسيحية أو إسلامية وغيرها من السرديات حيث دائما هناك نواة مركزية تقوم عليها سردية تلك الثقافة أنها المقدس.

علاقة تلك الثقافات الفلسفية والفكرية بكل ما فيها من مقاربتها ومتابعتها، وما فيها من جدل فكري وعقائدي يتسم بالسيولة والتحول وإعادة التأسيس الدائم لها، يقوم على تمثل قوامه تلك علاقة بين المقدس مع السرديات الكبرى، من حيث منبع السردية الخاصة بكل ثقافة قائم بالأساس على الحاجة النفسية والاجتماعية للجماعة في ارتباطها مع اللحظات التدشينية الكبرى في التاريخ، والتي لازمت عادة ميلاد الحضارات والتجارب التاريخية المتنوعة.

ثانيا، صناعة المقدس والتحريك للهوية لدى الجماعة:

لا يمكن أن نتعامل مع السرديات التي تقيمها الجماعة وفق منطق الصدق والكذب المتحقق في الخارج على أنها يمكن مقاربتها وفق الذاتي والموضوع فالسرد هو تمثل ذاتي صادق يعبر عما تعتقد به الجماعة وتأمل من خلاله أن تحقق الوحدة والأمن والاستقرار بسد حاجاتها النفسية والاجتماعية وفق منطق عصرها، معتمده الخيال والتحريك السردي في صياغة هويتها الذي لا يتطلب بالضرورة تحققاته في الخارج بل يكفي الصدق الذاتي الذي يمنحه الصحة والصدق. لكن تبقى تلك المقاربات الثقافية قابله للدراسة من أجل سبر طبيعة تمثل تلك الجماعة للمقدس وكيف تم نقله وصناعته والترويج له، ضمن هذه الديباجة أو تلك، في توافق حينًا، وصراع أحيانًا، ما يجعل من المقدس معطًى متجاوزًا حينًا، ومستخدمًا ضمن صراعات خاصة حينًا آخر.

ثالثا، المقدس وتنوع التجارب الدينية :

التجارب الثقافية حول المقدس تبقى ضمن منطقه الذاتي صادق، وممكنة لأنها رغم تمثيلها الذي يدعي التعالي تبقى في جزء كبير منها بشرية تاريخية سيالة تطورا وتأويلا وتحويلا، بكل تشكلاتها: إيمانا، وعقائد، وتشريعات، فهي بشرية، تقوم على تجارب دينية واجتماعه وثقافية، تعبر عن حاجة الإنسان إلى التعبد والإيمان وهما بشريان لكن أيضا يحتويان عن قبس من روح الإيمان الإلهي. فهذا الفهم يجعلنا نتحرر من الفهم الأصولي المتأزم الإرهابي الذي يرفض التعايش والتواصل ويدعي أنه وحدة يمتلك منطق الهداية والنجاة وفق منطق غيبي.

فالفهم التجارب المتنوعة ثقافيا ودينا للهويات الدينية المتنوعة يتطلب فهم داخلي في سياق الأفكار التأسيسية للهويات الدينية المتنوعة والمتعايشة في وطن واحد يتسم بالتنوع، لكنها جميعا عاشت تلك التجارب مع المقدس إذ مرت طبيعة الافتراق والتطور والمآل، للمقدس مما جعل لكل منها تمثلها الخاص حول المقدس.

الخاتمة

هكذا نكون قد أدركنا المنطق الذاتي الخاص بكل هوية والذي يمنحها صدقها دون أن يتطلب هذا نفي الآخر وإقصائه بل يفترض احترامه والتعايش معه وصولا إلى الاعتراف بحقه بالوجود والتعبير عن سرديته بكل تمثيلها عن المقدس الذي يتطلب الكثير من الدراسات من أجل فهم وسبر تلك التجارب المتنوعة عن المقدس والغنية بإرثها الثقافي والروحي في تنوع الأديان والمذاهب والاثنيات، من أجل سبر تشكلات المقدس واندفاعاته وتمظهراته بل وآفاقه، بوصفها تجارب حالمة عمدت إلى تبرير الألم في التاريخ، بصناعة واتخاذ مقدس مانح للأمل. إذ تبقى جميعا جزء من الإرث البشري المميز برسمال الروحي المتعايش في وطن يعبر عن ثقافة غنية بالتنوع.

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة