الهدية بين الموروث الثقافي والمردود المعنوي

رغم أن لكل ثقافة عاداتها وتقاليدها في تقديم وتقبل الهدايا، إلا أن تبادل الهدايا هو إجراء يُمارس في جميع أنحاء العالم

فبرغم اختلاف الثقافات، وتغير الأذواق، واِشْتِداد وتَفاقُم الأزمات المادِّيَّة والاقتصادية، إلا أن الهدية كانت وستظل دائمًا لها قيمتها ورُتْبَتها وحضورها الراسخ في المجتمع، والذي حق أن بدلته الظروف، ولكن ما أَبَادَته قط.

اقرأ أيضاً طفلك لا يأكل؟ إليك الحل

تقاليد الإهداء في بعض الثقافات

بعض الثقافات تتبع قواعد حازِمة، ومُمَارَسات صَلْبة ليس لها أساس سوى الخزعبلات والخرافات التي استأْثرت بالمعتقدات فكانت ركيزة التعامل عند الإهداء وعند التَلَقِّي!

ففي معظم دول أوروبا، تعتبر باقات الزهور هي الهدية الأكثر رواجًا، ولكنها لا تخلو من قيود الثقافة المتوارثة والمعتقدات البالِيَة، إذ يجب أن تكون باقة الزهور فردية العدد مع تجنب الرقم ثلاثة عشر، لأنه نذير شؤم! كما يجب تجنب الزنابق، والقرنفل والأقحوان لأنها خاصة بالجنازات

أما في آسيا، فيجب تجنب كل الزهور البيضاء والصفراء لأنها تذكِّر بالموت! ويجب تجنب الكتابة على بطاقات التهنئة بالحبر الأحمر، لأنه- في ثقافتهم- فأل سيئ.

ومن الطبيعي أن يتم رفض الهدية مرات عدة قبل قبولها، وهذا ليس رفضًا حقيقيًا، وإنما هي مجرد تقاليد!

لا شك أن الموروثات والمعتقدات لها بليغ الأثر على تصرفات ومعاملات وعلاقات البشر، ولكن بعضها-مع الوقت- قد يصبح مُعوِق ومُعرقِل لبعض السلوكيات والممارسات الحميدة.

فأحيانًا يجب الالتزام بها، طالما أُلِفَها المجتمع وما لم تكن خرافات عقيمة مُعطِلة للمُبتغى والمقصِد، وأحيانًا يجب التخلي عنها والتحرر منها فكريًا، قبل التحرر الفعلي.

اقرأ أيضاً كيف تحقق السعادة في العام الجديد 2023؟

الهدية والأزمة الاقتصادية

لا شك أن الوضع الراهن للاقتصاد العالمي له تأثير وثيق على جميع السلع والمنتجات، ولمّا كانت النُدرة من أهم أسباب ارتفاع الأسعار، فإن لهذا الأمر أثره على تَزَايُد الاهتمام بسلعة دون أخرى، ما يُنتج بالتبعية مقياس لتَميِيز السلع كباهظة وزهيدة

ففي اليابان وبعض دول آسيا؛ نظرًا لارتفاع أسعار الفاكهة، تعد من أبهظ وأَرْقى وأَمْثَل الهدايا. وعلى النقيض تمامًا، فرغم ارتفاع سعرها-أحيانًا- تظل الفاكهة من أبخْس الهدايا في أغلب الدول العربية، وأقلها قيمة، فضلاً عن كونها في الموروث الثقافي العربي هي الأكثر رواجًا وتداولاً بين الناس، ومن ثم، هي الأدنى قيمة.

وعلى نفس الغرار، تكتسب الهدية قيمتها ارتكازًا على الوضع الاقتصادي من جهة، وعلى المنظور الثقافي، والعادات المتوارَثَة من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً الوساوس القهرية.. أسبابها وطرق علاجها

تغيُّر مفهوم الهدية

مع الوضع المادِّي الراهن، بدأت تأخذ الهدية تصوراً مفاده توقع رد القيمة، وبالتدريج، فقدت الهدية معناها الأصلي ومبتغاها الأصيل.

الأمر يعتمد على ضرورة تغيير نهج تفكير كلا الطرفين؛ يجب أن يتخلى الأشخاص عن إهداء الأشياء التي تُكَبِّدهم عناء ومشقة مادِّيَّة. وكذلك على المُتلقّي ألا يكترث كثيرًا للقيمة المادِّيَّة للهَدِيَّة بقدر الاكْتَرَاث للجُهد المبذول، ومدى اتساقها مع اهتماماته وميوله.

كما يجب على كلا الطرفين إعلاء القيمة المعنوية، واستشعار المردود الوجداني، وإبراز الجانب الشعوري.

حرروا أنفسكم من قيود المادَّة، واِرْجِعوا الهَدِيَّة إلى معناها الرَفِيع، ومدلولها النَبِيل، ومُبتغاها الأَصِيل.

فالمقصِد من الهدية ليس الارتكان إلى فكرة الوفاء الإلزامي، وإنما هو البحث عن الروابط، وإقامة العلاقات، وخلق ألفة ومؤانسة.

فصحيح أن الهدية كلمة بسيطة، ولكنها تنطوي على معاني عميقة، وتعبيرات دالَّة، ومشاعر مُرْهَفة. هي صِّيَاغَة ذَاتُ نَبْرَة مَخْفِيّة ودلالة عن حسّ مَكْنُون

فتَهَادُوا تَحَابُّوا.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة