الهدف!! كيف نحدد أهدافنا في الحياة ج1

الفعل والهدف

هناك ارتباط كبير بين الفعل والهدف، فالهدف هو الغاية التي يتوجه لها الفعل، وكلما كان الهدف من الفعل واضحاً ومرتبطاً به كان الفعل قوياً وفعالاً، الهدف هو من يعطي شرعية للفعل، وهو من يوجه الفعل نحو إنجاز معين، وكل فعل له هدف محدد، لكن أحياناً يكون الهدف واضحاً ومقنعاً، وأحيانا أخرى قد يكون غير كافي الوضوح أو غير مقنع، فيتعرض الفعل نفسه لخطر التلاشي أو الانتهاء بالفشل، الهدف إذن يعطي الفعل معناه ويثبت شرعيته ويبرر وجوده، وفوق كل هذا يكون الدافع وراء سريان واكتمال الفعل..

فمثلاً عندما يخرج الإنسان من مكان إقامته ذاهباً لمكان آخر، فإن لهذا الفعل هدفاً موجهاً، فإذا خرج الإنسان للذهاب إلى المدرسة فالهدف هو العلم أو الدرجة العلمية، وإذا خرج للبحث عن طبيب فالهدف هو الاستشفاء، وإذا خرج إلى متجر فالهدف هو الشراء، وإذا خرج لمجرد تحريك الجسم فإن الهدف هو التريّض، أما إذا كان فعل الخروج لا يشتمل على أيٍّ من الأهداف السابقة فقد يكون لمجرد التخلص من الملل، أو للتغيير، أو للتخلص من الطاقة المخزونة...

في الحالات الأولى كان الهدف واضحاً؛ لذا نجد أن الإنسان يسعى بجدية في مشيته وحركته، أما الخروج الأخير لمجرد التخلص من الملل فإنه يفتقر إلى هدفٍ واضحٍ؛ لذا قد نجد من يسعى لذلك هائماً على وجهه لا يدري لنفسه وجهة محددة، مما قد يؤدي لتلاشي الفعل كمداً وبطراً.

وعند الانتهاء من تحقيق الأفعال ذات الهدف يشعر الإنسان بالارتياح بينما بعد العودة من حركة أو نشاط غير واضح الهدف كالسير بلا هدف يجانبه الشعور بعدم الراحة النفسية، فيعود الإنسان وهو في نفس الحال من الضياع.

يا له من أمر عجيب! كيف انتظمت حياة الإنسان في إطار أهداف، من الذي يخترع هذه الأهداف؟ هل هي آلية الاحتياج كما شرحه (سيلي)، ففي الأمثلة السابقة كانت الأهداف مرتبطة بالاحتياج للعلم، والاحتياج للاستشفاء، أو الاقتناء، أو التخلص من الملل، وإذا كان الاحتياج هو ما يخلق الهدف، فما الذي يخلق الاحتياج؟ إن الإنسان وجد على سطح هذه الأرض، ويريد أن يستمر أو يؤكد وجوده، وهذا سر وجود كل الكائنات، لكن في حالة الإنسان يتسم هذا الوجود بقدر أكبر من الفهم والوعي؛ لذا ينكب هذا الإنسان دائماً بكل ما أوتي من قوى مادية وفكرية للدفاع عن هذا الوجود، وهذا يجعله واعياً باحتياجاته وقدرها وخصائصها.

ما أهمية وحتمية وآلية نشوء الهدف؟

حياة الإنسان هي نوع من تحويل الطاقة، فجسم الإنسان يستقبل الطاقة ويحولها، وكي تتحول هذه الطاقة بصورة تتناسب مع النظام الكوني يجب أن يكون لها اتجاه، وتحديد هذا الاتجاه هو ما نطلق عليه الهدف، وبذا تتلاءم حياة الإنسان مع السياق الكوني الطبيعي والبيولوجي، فحركة الشمس لها اتجاه وحركة الأرض لها اتجاه، وحركة الرياح لها اتجاه أيضاً، وبالتالي يمكن استثمار اتجاه حركة الرياح في تسيير السفن.

تخيل لو أن الشمس والأرض تتحركان في اتجاهات عشوائية، ألن يؤدي ذلك إلى تهديد وتلاشي وجودها؟ وكذا لو تحركت الرياح في اتجاهات متعاكسة لكانت بلا جدوى ولا معنى، هكذا حياة الإنسان إن لم يكن لها اتجاه؛ أي هدف لاضمحلت وتلاشت وانتهت.

إذن، وجود الهدف في حياة الإنسان يضمن سلامة واستمرارية وفاعلية هذه الحياة، لذا ابحث عن الهدف دائماً، وجدد أهدافك حتى تجدد حياتك، وتأمن فاعليتها واستمراريتها ما دمت حياً.

جدوى تحديد الهدف

لا شك أن تحديد الهدف بوضوح هو الخطوة الأولى لضمان تحقيقه وتلافي انعدام الطاقة فيما لا يفيد، وكذا تجنب الانحراف أو الانجراف اللاواعي نحو أهداف أو غايات أخرى لم يفكر فيها أو يقصدها الإنسان.

تحديد الهدف بدقة يساعد الإنسان على حسن تصويب مسعاه نحو تلك النقطة، كما يساعده على تجميع كل طاقته وتوجيهها نحو ذلك الهدف، كذا يساعد تحديد الهدف في حسن إدارة عملية تحقيق الهدف بداية من تجميع الموارد والاحتياجات التي يتطلبها تنفيذ الهدف إلى حسن قيادة عجلة الزمن نحو التنفيذ، فلا نترك كياننا تحت رحمة عجلة الزمن التي تسير بلا هوادة وبلا توقف.
خلاصة الأمر إن تحديد الهدف بدقة هو الضمانة الأولى لتحقيقه بطريقة مقبولة تجعلنا دائماً الآمرين المتحكمين في حياتنا، فلا نجعلها تحت رحمة الآخرين أياً كانوا، كما يجعلنا أكثر حرصاً وأصوب تعاملاً مع عجلة الزمن..

شكل الحياة بلا هدف

ما دمنا تأكدنا أن الهدف هو الذي يحدد اتجاه حركتنا والصورة التي تتحول عليها طاقتنا، فإن الحياة بلا هدف هي حياة بلا اتجاه، وبلا مخرج محدد الشكل أو بلا مخرج إيجابي؛ أي حياة بلا معنى. 

فهل ستتوقف الحياة تماماً في غياب الهدف؟ نعم! ربما تتوقف الحياة، ولكن الأخطر من ذلك أن حياتنا يمكن أن تقع تحت تأثير الرياح أو المؤثرات الخارجية، بعضها يشدنا يميناً والآخر يشدنا يساراً فنمكث في مكاننا لا نتقدم أو ربما ننجرف أو ننحرف إلى مسارات خارجة عن إرادتنا، فالحياة مليئة بالمؤثرات التي تريد توجيهنا لصالحها أو لصالح قوى تريد الهيمنة على حيوات الآخرين، وهذه القوى تفضل اصطياد هؤلاء الهائمين على وجوهم بلا هدف، فتشدهم لمصلحتها وتجندهم لهواها، وتحت عناوين كبيرة تعطيهم مظهر تحقيق هدفٍ في حياتهم، بينما هم في واقع الأمر أسرى وضحايا من استولوا وغزوا كيانهم المعنوي، وحولوه لمصلحتهم بدلاً من أن يسير في مساره الطبيعي ككائنات حرة الإرادة، تحدد وتحقق أهدافها بنفسها ولنفسها.

فعلينا الحذر من غزو وسطو الآخرين على حياتنا المعنوية، فكل إنسان هو معجزة في حد ذاته، لكن عليه أن يسعى كي يكتشف نفسه، ويحدد، ويجدد أهدافه، ويسعى دائماً لتحقيقها واحداً تلو الآخر، ولا يتوقف أبداً عن البحث عن أهداف لحياته وإلا فقد بوصلة المسار والمسير.

لماذا كان ضرورياً أن نتحرك صوب هدف

الحركة صوب هدف هي لضمان واحترام وانتظام معنى الحياة ونظام الكون، فهل يمكن للأرض أن تغير اتجاه حركتها، فحركة الأرض تحكمها قوتا التجاذب والتنافر، ووجود التوازن بين هاتين القوتين يكتب وثيقة استمراره وانتظام الحركة، فالهدف من حركة الأرض هو تنفيذ قانون التوازن الطبيعي بين هاتين القوتين، وعلى نفس المنوال فإن ما يشد حركة الحياة وما يشد انتباهنا واهتمامنا هو وجود هدف للحياة، والحياة بلا هدف هي حياة رتيبة مملة بلا معنى.

تخيل ملعب كرة قدم يتحرك فيه اللاعبون في جميع الاتجاهات، ولكنه يخلو من الهدف الذي يصوب اللاعبون كراتهم نحوه، هل ستجد اللعبة أي متابعين؟ بكل تأكيد ستفقد اللعبة إثارتها وقد تنقرض وتنتهي، فوجود أهداف في الملعب يسعى اللاعبون لتسجيل أهدافهم فيها هو ما يشد الجميع نحو هذه اللعبة، بل إن لحظة تسجيل الهدف تشكل نشوة كبرى وفرحة عظيمة ليست فقط للاعبين، ولكن أيضاً لكل المتابعين، ويا له من إحساس عظيم عندما يتحقق الهدف، عندها نشعر بنجاحنا وقوتنا ووجود عائد لمجهودنا، فنشعر أن ما بذلناه من جهد ليس عبئاً، وها هو الهدف يتحقق..

كيف نضمن سلامة صياغة أهدافنا؟

يجب أن تكون أهدافنا في الحياة واقعية لا تتناقض مع حقائق الحياة من جهة، وتتناغم مع معطيات الواقع من قوة وقدرة وزمن من جهة أخرى حتى نضمن تحققها، فإذا خرجت الأهداف عن هذا الإطار تحولت إلى أشكال غير واقعية أو خيالية أو مستحيلة.

إذن، تحديد الأهداف بطريقة واقعية يضمن لنا منذ البداية درجة عالية من النجاح، كما أن وضوح الأهداف في أذهاننا سيوجه نهر حياتنا إلى مجراه المناسب، ويوجه كل طاقاتنا وأفعالنا نحو هذا النهر، وكي تكون الأهداف واقعية يجب أن تتلاءم مع قدراتنا وخبراتنا، وفي نفس الوقت يجب أن تكون أهدافاً طموحة حتى تكون الدافعية لتنفيذها أكبر، ويجب ألا تتعدى الأهداف سعة الوعاء الزمني المتاح لنا في كل فترة من فترات حياتنا.

كما يجب أن تراعي هذه الأهداف ظروف وجودنا المجتمعي، فلسنا وحدنا على هذه الأرض، كما يجب أن تستثمر وازع الخير الفطري فينا وليس غريزة الأنانية والتوحد، فنحن جزء من مجتمع، وعندما نحقق هدفاً يعود علينا فقط بالخير لن نكون في مقام تحقيق هدف يعود على الكثيرين بالخير، وربما لن نشعر بكامل الرضا والارتياح.

هذه هي الخطوة الأولى في مسيرة حياتنا، أما الخطوة الثانية فهي البحث في إمكانية تحقيق الأهداف كما سيناقش ذلك مقالي القادم..

يتبع...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

صباح السعادة والتوكل على الله دكتورنا الفاضل
كل مقالاتك ذو هدف وأهداف قَيّمة يسعدك ربي في الدارين .
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقاله ممتازه كالعاده يا دكتور
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

من احسن واحلي المقالات اللي الواحد يقرأها هي لدكتور محمود سطوحي بجد 😍♥️♥️♥️
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

خلقنا الله لهدف وهو عبادته واعمار الأرض والإصلاح فيها انزل الله الوحي علي الانبياء من أجل أن يصلح ما بداخل البشر وان يعودوا الي طريق الصلاح والفلاح وتحقق الهدف المرجُ من نزول الوحي وها نحن ذا نتبع الدين الذي أنزله الله لا نسير ف الأرض هباء.
المغذي من هذا الكلام أن الارض والحيوانات وباقي المخلوقات خلقت لأهداف ساميه أهمها هي خدمه الإنسان في أهدافه المرجوة. صنع الانسان الطائره من أجل هدف وهو الذهاب من مكان الي مكان في اسرع وقت ممكن الهدف من صناعه الأس/لحة والصواريخ هي الحمايه من الأعداء الهدف من وجود العلم في الأساس يعتمد علي تعليم الإنسان ما يجهل و يطور من ذاته لنحو افضل.
الهدف من تعلم د/مجدي يعقوب للطب في الأساس بسبب وفاه عمته بسبب مشاكل في صمام القلب. بعض المشاكل والصدمات التي تحدث في حيات الإنسان من الممكن أن يحولها الي اهداف ويصل لها الي المجد ومن الممكن أن تنهي الصدمات علي الهدف و المسار الذي يسير فيه الشخص. مثال ادريانو كان من افضل لاعبي كرة القدم في العالم ولاكن بسبب وفاة والده تدمر وتدمر حلمه وتركه هدفه. المغذي من هذه الامثله أن الإنسان هو من يحدد اي شخص يريد أن يكون عليه ب الهدف الذي يحدده هل هدف نبيل ام هدف دنيء.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

المقاله فعلا جميله جدا الفكرة ان الهدف هو البوصلة اللي بتحددلك الطريق ولو مش موجود بتحس انك تايهه رغم ان ممكن يكون عندك اهداف كتير بس مفيش هدف واضح تشتغل عليه وده بيعمل تشتت كبير علشان كده التركيز على هدف واحد وانجازه بأفضل شكل بيدفعك تحقق باقي اهدافك ومع الوقت ومع الاستمرارية والعزم تقدر توصل لاي نجاح انت عايزه
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

المقاله جميله يدكتور كالعاده 🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

المقال جميل جداً جداً يا دكتور محمود ربنا يزيدك علم
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة