نسجتُ من روحي حكايا للوصالِ
وسقيتُهم عمري ودمعَ احتمالي
زرعتُ حبِّي في قلوبٍ ما وعَتْ
معنى الوفاءِ ولا وفاءَ السؤالِ
قد كنتُ ظلًّا لا يُفارقُ دربَهم
واليومَ صرتُ غريبَهم في الحالِ
قدَّمتُهم وهمُ الحضورُ بداخلي
وغدَوتُ طيفًا غائبًا لا يُبالي
كم ليلةٍ سهرتْ جفوني لأجلهم
وهمُ هجَروا قلبي بلا انشغالِ
ضحَّيتُ حتى ما تبقَّى مُهجتي
فمضوا وخلُّوني بلا تمثالِ
ونسوا الجميلَ كأنَّه لم يُصنعِ
وتنكروا لِجراحِ صدقِ النضالِ
يا ليتَ قلبي كان يعلمُ خذلهم
لأراحَني مِن غدرهم والزوالِ
لكنَّني رغم الخيانةِ عاشقٌ
وأعِدُّ صبري من روائعِ نضالي
هذا هو الهجرُ الجميلُ، فإنَّهُ
يروي انكساري دون قبحِ انفعالِ
ما خِلتُهم يومًا يبيعون الهوى
ويُقايضون الصفوَ بالاحتيالِ
قد كان وعدُهم السما، ومودتي
جسرًا لهم صوبَ أعالي الجبالِ
لكنهم لما ارتقوا نسَوا الذي
بذلَ الجناحَ لأجلهم كي يَلالي
أهدوا جراحَ الظنِّ طعناتِ الجفا
وترَكوا قلبي في لُجَجِ الجدالِ
يا من نسيتَ الدفءَ في كفِّيَ التي
أهدتكَ ضوءَ النبضِ في الأهوالِ
قد كنتَ تَحلمُ والخطى مكبَّلة
فمشيتُ عنك، لتبلغَ الآمالِ
واليومَ تَدفنني بكفِّ تجاهلٍ
وتُحيلُ ذكراي إلى الإهمالِ
لكَ أن تغيبَ، فلن أعودَ نقيصةً
في دفترٍ مملوءٍ بالإذلالِ
أنا من إذا خاصمْتُ خصمي راقيًا
لا أشتكي.. بل أبتسمْ في اعتدالِ
هذا هو الهجرُ الجميلُ، كرامةٌ
تبقى، إذا خانوا، لنا منوالِ
كم مُرَّةً سامحتُهم، متغافلًا
عن غدرهم، متعلِّقًا بالأمثالِ
ظننتُ أن الصدقَ يُثمرُ رحمةً
لكنَّهم باعوه بالاحتيالِ
يا خيبتي... قد كنتُ أرجو رفقتي
فيهم، فصاروا مَهلكي وزوالِي
هم من جَنوا، وأنا الخسارةُ وحدتي
لكنَّني ربحتُ حُسنَ مآلي
ما عاد يوجعني الفراقُ، فإنني
بتُّ الخفيفَ من الهوى والآلِ
قد علَّمني هجرُ الأحبَّة حكمةً:
أن الحياةَ، لغيرهم، ما تزالِ
أن الوفاءَ يكونُ في ذاتِ امرئٍ
يصحو على عزٍّ، وينسى السؤالِ
فليرحلوا، لن أنتظرْ من راحلٍ
صفوَ الودادِ، ولا غرامَ الليالي
أنا لستُ نادمًا على ما قد مضى
بل فخورٌ بأني لم أُبِحْ بانفعالِ
من خان يُشبه بعضه مهما بدا
متلوِّنًا بثيابِ طُهرِ الخصالِ
لقد تحوَّلتُ، لم أعد كما كنتُ
أبحثُ عن نفسي في الهدوءِ البالي
كلُّ الجراحِ التي سكنتْ صدري
أصبحتْ دربًا لفتوحي وبِدالي
ألمُ الخيانةِ علَّمَني كيف أُعلِّي
رايتي فوقَ الحُطامِ وفي الرمالِ
من آمنَ بالنورِ في قلبه انتصر
وغَزَا العالمَ بقوةٍ وسُلالِ
أنا اليومَ أغنيتُ نفسي عنهم
وتركتُهم يركضون في الوصالِ
لم يعد للدمعِ مكانٌ في فمي
حتى الألمُ في الروحِ صارَ محالِ
لستُ أخشى الزمانَ إذا غدرَ بي
فقد أهداني الهجرُ دربَ النضالِ
اليومَ صرتُ الذي لا يخافُ الهدى
وأصبحتُ أمشي بنورٍ في الجبالِ
ما عاد ذِكرُ خُذولِهم يؤذيني
صرتُ الحصيفَ بعزِّتي وتمالي
خلعتُ ثوبَ الوهمِ عنِّي طائعًا
وارتدتُ صدقَ النورِ في أقوالي
قد كان قلبي مُستباحًا قبلهم
واليومَ حصنٌ شامخٌ لا يُنَالِ
لم أرتجِ العُتبى، ولا أرسلتُهم
شوقًا، ولا جُرحي بكى للوالي
أنا من تعوَّدتُ الصعودَ بنفسي
لا يستوي الحرُّ مع الأنذالِ
سامحتُهم... لا ضعفَ قلبي إنَّما
سموُّ من يَسمو على الأنذالِ
ما عاد حلمي أن يعودوا نادمين
يكفي اعتزازي بصدقِ أفعالي
الهجرُ، إن كان الجميلُ سبيلَهُ
صارَ ارتقاءً لا غيابَ وصالِ
فارحلْ، فهذا البابُ لا يُفتَحُ لمَن
خانَ الشعورَ وخانَ ظلَّ ظلالي
ما خِلتُ أني سوف أذكرُ سيرتي
وأراها فصلًا ناصعَ الإجلالِ
كنتم عُيونَ الحلمِ في أيَّامهِ
واليومَ أنتم صفحةٌ في زوالِ
قد علَّمني هجركم ألَّا أنحني
إلا لربِّي، خالقِ الأفعالِ
قد كنتُ أرجو أن يدومَ ودادُنا
لكنَّ في كسرِ الرجاءِ كمالي
من لا يرى طهري، فلا أرجوهُ أن
يبقى دليلًا في مسيرِ خيالي
خلَّفتُ خلفي من نسوا إحساسيَ
ومضيتُ وحدي، سيدًا لأحوالي
لا تؤلمني ذكرى الخيانة إنَّما
تُحيي اتِّزاني بعد طولِ انشغالي
أنا لستُ أشكو، لا أعاتبُ خائنًا
ما عاد يُغويني حديثُ القالي
بل إنني أكتبُ فصولَ نجاتِي
بمدادِ صبري، لا دموعَ انفعالي
قد كان قلبي ساذجًا في حبِّكم
يُهدي الربيعَ لأرضكم في الوالِ
واليومَ لا شوقٌ يُناديني لكم
ولا ارتباكٌ في قرارِ رحالي
لم تُدركوا يومًا مقامَ عطائي
أو كم تعبتُ لأسعِدَ الأهوالِ
كنتم عبورًا، لا يُقيَّد بالثرى
ضُيوفَ لحظةٍ... وسرابَ مجالِ
والآنَ إن سألوا: أما زلتَ على
وَصلٍ بهم؟ قلتُ: انقضى مِثالي
ما عاد يعني أن تكونَ بقربي
إن لم تكن حرَّ الضميرِ، مبالي
المرءُ إن خانَ الشعورَ بداخله
ما نفعُ قُربِ الجسدِ في الآمالِ؟
الهجرُ ليس عقوبةً، بل حكمةٌ
أن تختصرْ طرقَ العناءِ العالِي
أن تستعيدَ النبضَ منك، وتكتفي
بالصدقِ، بالإخلاصِ، بالاستقلالِ
الهجرُ ما كان انتكاسًا إنَّما
بابُ النجاةِ لمن سعى بالكمالِ
ما ضرَّ قلبي أن يُخالفَ عاشقٌ
درْبَ الوفاءِ، ويختفي باختلالِ
فالحبُّ إن لم يُزهرِ الإحساسَ، لا
خيرَ به، ولو اكتسى بالجمالِ
قد قِيل في الهجرِ الجميلِ فصاحةٌ:
أن لا نُذلَّ لأجلِ نُكرانِ غالِ
أن نستقيمَ إذا تخلَّى قلبُهم
ونمضي أعزَّاءَ بلا أن يُقالِ
أنا لم أخُن، لكنَّني لم أرتضِ
أن أُستباحَ بقربِ طيفٍ زوالِ
فامضوا... وخذوا ما شئتُمُ من خيبةٍ
أما كرامتي فاقرأوا في سِجالِ
تبقى وتُزهِر كلَّما ماتَ الهوى
وتقولُ: هذا الحبُّ ليس محالي
بُنيتُ بعد هدم ومن بُنى بعد هدم لايُهدم
رائع كعادتك ي فارس الكلمات 🖋👍
شكرا لوصفك الجميل أستاذتي أرى أنه وصف اكبر من الموصوف ولك الشكر والتقدير 🌼🌹
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.