النوبة آثار وأسرار

في العام 1960 أطلقت الدولة المصرية نداءً للعالم أجمع للقيام بإنقاذ آثار النوبة لأنها بصدد إنشاء وبناء سد ضخم لحجز المياه للمساهمة في عملية التنمية بالدولة المصرية وإنتاج الكهرباء أيضاً وقد كان بناء السد العالي والذي ترتب عليه تهجير أبناء النوبة من موطنهم الأصلي إلى صحراء كوم أمبو، ويجدر بالذكر أن هذا التهجير لم يكن الأول من نوعه لأنه قد سبقه ثلاث تهجيرات أخرى بدءً من العام 1902 إبان الشروع في بناء خزان أسوان و في التعلية الأولى لخزان أسوان في العام 1912 و التعلية الثانية لنفس الخزان في العام 1633 و بين كل هذه الأحداث اضطر سكان القرى النوبية للقيام بالهجرة تلو الأخرى إلى أن اختتمت هذه التهجيرات بالتهجير الأكبر والذي اشتملت على حوالي مائة ألف نوبي أو يزيد قليلاً. وبلاد النوبة القديمة تقع ما بين خزان اسوان والحدود المصرية السودانية ويوجد بها العديد من المعالم الاثرية , وهي موزعة في ستة مناطق  وتتنوع هذه المعالم في العمارة وفي الزمن وتتنوع معماريا ما بين معبد او مقصورة او مقبرة او حتي جزيرة كاملة بها العديد من الاثار  وتتنوع زمنيا لانها تغطي فترة تاريخية طويلة تمتد من الاسرة الثامنة عشرة حتي العصر المسيحي.

معبد دابود

ولكن قبل الشروع في عملية التهجير أرسلت الدولة المصرية استغاثة لدول العالم أجمع لإنقاذ آثار النوبة ، حيث الدولة النوبية الكوشية القديمة وآثارها والدولة النوبية المسيحية القديمة وآثارها ومعبد أبوسمبل و معبد كلابشة و السبوع ومعبد إبريم و الكثير من المعابد التي أنقذتها اليونسكو و الفرق المشاركة و لكن للأسف الشديد قامت الدولة بإهداء بعضها للعديد من الدول الأجنبية مثل معبد دابود والتي أهدتها لدولة أسبانيا وغيرها من الآثار التي تم نهبها من الفرق المشاركة حيث يذكر التاريخ أن حدود الدولة المصرية الجنوبية والتي كانت تمتد من الشلال الثاني في أسوان وحتى الوسط الإفريقي وأثيوبيا حيث الحضارة النوبية الكوشية، النوبيين الذين استعان بهم أحمس لطرد الهكسوس من مصر و نجح في ذلك ، الحضارة النوبية حيث الملك باعنخي هذا الملك الذي وصل للحدود الشرقية للبلاد وحكم مصر من أقصاها إلى أدناها والملك ترهاقا الذي ذهب للأرض المقدسة في القدس وطرد الآشوريين وهزمهم شر هزيمة حماية للأمن القومي للدولة المصرية ، والرعامسة وبالأخص رعمسيس الثاني زوج الملكة النوبية نفرتاري والتي أنشأ لها خصيصاً معبد أبوسمبل وغير ذلك الكثير من الآثار الخاصة بالمملكة النوبية التي ظلت قائمة في الحدود الجنوبية للبلاد و حتى وصلت إلى قلب إفريقيا، وحتماً تلك الحقب الزمنية التي نذكرها كانت لها تاريخ وآثارها وأسرار والتي للأسف الشديد غرقت تحت مياه بحيرة السد العالي ، والتي ذهب فيها الخبراء الأجانب لإنقاذ تلك الآثار  نهب البعض الآخر منها والدليل على ذلك أن هناك الكثير من الآثار المصرية لا يعرف أحد كيف خرجت من مصر وذهبت لدول العالم حيث يُذكر بأن الخبراء كانوا يأتون للتنقيب ومعهم خرائط تحدد وبدقة متناهية أماكن المقابر الملكية من ممتلكات مملكة النوبة التي دفنت منذ آلاف السنين واستخرجها هؤلاء الخبراء إبان بناء السد العالي قبل تهجير أبناء النوبة حيث كانت لابناء النوبة  بعض العادات   والتقاليد السنوية بزيارة أحد اضرحة  أولياء الله و تقديم القرابين و ذبح النذور عنده وهذه العادة كانوا قد توارثوها عن أجدادهم بزعم أحد الروايات التي كانت تقضي بأن في ذلك المكان مدفون فيه أحد أولياء الله الصالحين وظلوا على هذا الأمر عدة أعوام إلى أن جاء الخبراء من اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة وقد نقبوا في نفس ذلك المكان وقد كانت المفاجأة عندما حفروا هناك أنهم وجدوا قسيساً محنطاً ويحمل بين يديه علامة الصليب من الذهب الخالص وقد رصعت بالألماس والمعادن النفيسة مما يدل أن النوبة قد مرت بحقبة مسيحية قبل دخولها الإسلام والدليل على ذلك وجود هذا القسيس المدفون والذين كانوا يزورونه اعتقاداً منهم بأنه أحد أولياء الله الصالحين هذه العادة التي توارثوها أباً عن جد وندلل اكثر بما هو موجود بمتحف المعهد الشرقى بجامعة شيكاغو وهى مقتنيات من مقابر بقرية ادندان من سلطانية حمراء وجرة ومن بين ما تم العثور عليه نحو 1000 جرة ملونة بعضها مكتمل وبعضها مهشم، و100 إناء حجري، وبعض الحلي والمجوهرات . 

 سلطانية من مقبرة ادندان   سلطانية

 كما عثر على كميات كبيرة من أدوات مصنوعة من الصدف تشبه أدوات حضارة الشاهيناب شمال مدينة أمدرمان. كما عثرأيضاً على مباخر حجرية بعضها مصنوع من الحجر الرملي وبعضها مصنوع من الصلصال وهناك مقابر قسطل التي  لأمراء أو ملوك سودانيين عاشوا قبل عصر بداية الأسرات المصرية في القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد والذي إن دل على شئ فإنما يدل على أن أرض النوبة كانت ومازالت زاخرة بالأسرار والآثار التي لم يتم الكشف عنها وبالتالي غرقها تحت مياه بحيرة السد العالي ومهما كان ما تم إنقاذه فهي بالتأكيد قليل من كثير ليكون من ضمن التضحيات التي تكبدتها النوبة هي غرق آثارها ورفات موتاها إلى غير رجعة وبالتالي فقدت مصر جزء كبير جداً من آثارها والتي كانت تحكي وتسطر عظمة هذا الوطن و ضربت جذورها لحقب طويلة من التاريخ البشري .

وقد قام الرئيس جمال عبد الناصر باهداء الدول المشاركة ردًا لجميلها على ما قدمته في إطار حملة اليونسكو لإنقاذ الآثار والمعابد المصرية أثناء عملية بناء السد العالي وحفر بحيرة ناصر معابد كامله او جزء منها وهذه القطع متناثرة فقد أهدت مصر ما يقرب من 5 معابد أخرى؛ هي معبد طافا القائم في ليدن في هولندا، ومعبد دندور في متحف المتروبوليتان بالولايات المتحدة الأمريكية، ومعبد الليسية في تورينو بإيطاليا، والبوابة البطلمية من معبد كلابشة في الجزء المصري في متحف برلين بألمانيا فكل هذه المعابد شاهد على الارث النوبى للعالم.

 بقلم حمدى حسن عبد السيد

 

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات
حسن عوض - Jun 6, 2020 - أضف ردا

شكرا للمعلومات القيمة التي اضافها لنا الأستاذ حمدى حسن عن النوبة ومعابدها واثارها وعن الانسان النوبي

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.
مريم عبده - Jun 10, 2020 - أضف ردا

معلومات قيمة ورائعة قد اكتسبتها عن النوبة

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث فى تاريخ والتراث النوبة مشرف صفحة ادبى وفنى الجنوبى بجريدة صوت النوبة مدير تنفيذى منتدى ادندان عضو جمعية التراث النوبى عضو جمعية النادى النوبى الثقافى