النهاية، و الأنسان الجديد بين الروبوت، و الأستنساخ

دائماً ما تكون الدعاية الأعلانية سلاح أيجابى لأى مُنتج، لأنها تعرفه للجمهور إن كان مٌنتج أستهلاكى، أو تقدم توعية ما، إن كانت دعاية توعوية مثل حملات الكورونا، و ربما تٌعلم الجمهور المتلقى بوجود عمل درامى ما، و تقدمه بشكل تشويقى، إن كان عملاً درامىاً، و هى الحالة التى ستكون فاتحة موضوعنا اليوم، دعاية العمل الدرامى، و أخص بالذكر دعاية مسلسل النهاية، الذى قٌدم فى رمضان الماضى.

الدعاية هنا أصبحت سلاح ذو حدين، و هذا ما يحدث فى دعاية أى عمل درامى، أبهرت الجمهور، جعلتهم فى لهفة أنتظاراً للعمل، مما جعل المسلسل يضمن نجاحه على المستوى التجارى حتى قبل نزوله، لكن مثل دعاية الكثير من الأعمال، أعطت أنطباعاً لم يتحقق عند مشاهدة العمل نفسه، فجعلت الكثير من الناس و قد كنت واحد منهم، تتراجع عن مشاهدة المسلسل للعديد من الأسباب، لن نناقشها اليوم، لكن الأبهار فى ال3D الذى نحن متأخرون فيه عن العالم بأكثر من 20 سنة، لم يشفع لكثير من الناس ليتقبلوا أفكار المسلسل، لكن من المسلسل سيكون موضوعنا اليوم.

بدايةً تدور أحداث العمل بعد 100 سنة من الأن، و لقد تصور المؤلف بعض الفرضيات، منها السياسى ومنها العلمى -و هذا حقه تماماً- لكننا سنركز على الجانب العلمى، المتحقق أغلبه إن لم يكن كله بالفعل فى وقتنا الحالى، و دعونا نبدأ بفكرة الRobot أو الأنسان الألى الذى تم أختراعه فى المسلسل، لكى يكون نسخة طبق الأصل من زين بطل المسلسل.

منذ 4 سنوات تقريباً، شاهدت أولى حلقات البرنامج الوثائقى The Story of God أو قصة الأله، و كان أسمها Beyond Death، أو ما وراء الموت، و فى هذه الحلقة شاهدت لأول مرة الAndoid Robot، و كان عبارة عن Robot نصفى، بمعنى النصف العلوى، لكنه صورة طبق الأصل من  الشخص الحقيقى الذى صٌمم الRobot لكى يماثله، تماماً مثل يوسف الشريف أو زين فى المسلسل، و كان يعمل بنظام Android، و مٌغذى بكافة المعلومات الكاملة عن الشخص المعنى، بحيث إن سألته أو سألتها -لأنها كانت سيدة- أى سؤال، تستطيع الأجابة عنه، ذاكرة كاملة لكل حياة هذه السيدة ، فتشعر أنك تكلمها هى نفسها، و ليست Robot. لكن هل الأبهار العلمى هو الأمر الأهم فى هذا الRobot؟ دعونا نصل للجزء الأنسانى، و هو لماذا صرف شخص ما كل هذه المبالغ الطائلة لكى يصنع Robot شبيه بسيدة بعينها؟ دعونا نتذكر أن أسم الحلقة كان ما وراء الموت، فلهذا السبب كان هذا الشخص -و بدون الدخول فى التفاصيل- و الذى كان يخاف من لحظة موت هذه السيدة، و أن يفقدها للأبد، قد أتخذ قراره بعمل هذا النموذج، فإذا جاءت لحظة موتها، يكون عنده ما يعزيه عن غيابها، أى لديه بديل حتى و أن كان ،Android ، بالرغم من أنه لا أحد يعلم من سيسبق من.

بدأت فكرة الHumanoid Robot من أكثر من 93 سنة، حقيقة لقد تطورت كثيراُ جداً، خاصة مع الجيل الجديد، و هوما يهمنا فى موضوعنا اليوم، لكن فكرة الRobots فى حد ذاتها هى فكرة قديمة جداً، و كما قلنا ظهرت لأول مرة من 93 سنة، تحديداً فى سنة 1927. هربرت تليفوكس كان أسم أول Humanoid robot، و كان من أختراع العالم الأمريكى رون وينسلى، و كان كل دوره فى هذه المرحلة هو رفع سماعة التليفون، بالطبع التليفون الأرضى، و فى البداية لم يكن لديه قدرة على الكلام، لكن الغريب جداً أن هربرت تليفوكيس كان لديه القدرة على السمع، و تمييز بعض الكلام من خلال الpitch الخاص بالأصوات، و للتوضيح أكثر الأهتزازات الخاصة بالموجات الصوتية، و من خلال تمييز الكلام كان يستطيع تحويلها لأوامر، فيقوم من خلالها ببعض الأعمال البسيطة.

هربرت تليفوكيس كان يُعتبر مرحلة ما قبل البداية، بالرغم من كونه يحمل كل صفات ال Humanoid robot، لكن البداية الحقيقة جاءت بعده ب 10 سنوات، تحديداً فى سنة 1937، عندما قررت شركة الأجهزة الكهربائية الأمريكية الشهيرة جداً Westinghouse، إنتاج أول Robot  فعلى، بعد تجربة رون وينسلى، و بالفعل أنتجت  Elektro the Moto-Man، الذى أُعتبر البداية الحقيقية للHumanoid robots، و كان من أختراع المهندس جوزيف بارنيت، و كان مُصنع من الأليومنيوم و الصلب، و كان طولة 210 سم، و وزنه 120 كيلوجرام، و كان يستطيع أن يقوم ب26 مهمة بشرية، أغربها أنه كان يستطيع التدخين، و لهذا سُمى إلكترو الروبوت المدخن.

قبل أن نكمل، سنعود بالزمن للوراء 525 سنة، لكى نكتشف أن الرسام و العالم العبقرى ليوناردو دافينشى، الذى يعرفه الناس بلوحتيه الأشهر الموناليزا و العشاء الأخير، كان عالم، و كانت أفكاره السبب الرئيسى فى كثير من الأختراعات التى نُفذت بعدها ب 3 قرون على الأقل. فى سنة 1495 أخترع ليوناردو ما يعتبر الفكرة الأولى للأنسان ألى، و كان أسمه Leonardo’s Robot أو روبوت ليوناردو، و كان لديه القدرة على القيام و الجلوس و رفع ذراعه، بالطبع لم يكن يعمل بأى محرك، لكن كان يتحرك من خلال مجموعة من الكابلات و البكرات، التى قامت بدور التروس.

نستكمل قصة الHumanoid Robots، ففى سنة 1961 كانت الطفرة الحقيقة فى إنتاج الRobots، لأن فى هذا الوقت كانت الComputers قد ظهرت، و أصبحت فكرة البرمجة متاحة، فظهر فى هذه السنة أول Programmable Robot، و كان يعمل فى مصنع لأنتاج الحديد، و يقوم ببعض المهام التى تتعذر على الأنسان العادى، و هنا كان دوره هام جداً، و لا يغنى عن وجود أناس يقومون بالأعمال التى يقدرون عليها، أما الأدوار الصعبة فكان هو يقوم بيها، و هو عكس ما يحدث الأن، و الذى سنصل له فى المرحلة الأخيرة من تاريخ الRobots.

و نترك عشرات السنون من مراحل تطور الRobots، لكى نصل لسنة 2016، التى بدأنا كلامنا بها، و نصل للطفرة الحقيقية، و مرحلة الAndroid Robot، الذى أصبح فى الشكل شديد الشبه بالأنسان الحقيقى، بل أحيانا يكون نسخة طبق الأصل، و فى الذكاء و كم المعلومات أصبح أنسان حقيقى ناطق، لديه كم من المعلومات أكبر من أستيعاب أى أنسان، و قادر على الرد فى أى موضوع، يستطيع فهم سؤالك بوضوح، و بالطبع كما قلنا كان يعمل بنظام تشغيل Android.

فى سنة 2016 ظهرت صوفيا، أشهر Robot فى العالم، و كانت من إنتاج شركة Hanson Robotics، بجسم من مادة السسيليكون لكى يصبح أقرب ما يكون من ملمس الأنسان الحقيقى، و كانت صوفيا قادرة على محاورة الناس، التفاعل معاهم، بل و الضحك و البكاء و غيرها من تعبيرات الوجه، و أعتقد شاهدها الكثيرين عندما زارت مصر و أستضافها الأعلامى أسامه كمال، بل و أبله فاهيتا، أو فى حواراتها مع كريستيانو رونالدو أو ويل سميث و غيرهم.

النقطة الطريف فى قصة صوفيا، أن السعودية فى سنة 2017 منحت صوفيا الجنسية السعودية، و أصبحت صوفيا مواطنة سعودية لها كافة الحقوق و عليها كافة الواجبات، لكن فى تعليق Wikipedia على تلك النقطة قالت لا نعرف حتى الأن هل سيكون لها حق التصويت فى الأنتخابات أم لا.

نقطة أنسانيةهامة جداً تكلمنا عنها فى Robot سنة 1961، و هى أنه كان يقوم بمهام لا يستطيع الأنسان العادى القيام بها، بينما حالياً و فى أماكن كثيرة من العالم، بما فيها بعض الدول العربية، أصبح يقوم بمهمة الWaiter فى بعض المطاعم، و هى نقطة هامة جداً، لأن هذا الموضوع كفيل بأحداث مشاكل جسيمة، قد تصل عواقبة لمجاعات و حروب، لأن العالم أغلبه بالفعل يعانى من البطالة، و بالطبع تتقلص فرص العمل مع زيادة الautomation، فتشغيل الRobots فى مهن يستطيع الأنسان أن يقوم بيها، فهنا بالفعل ستكون بداية النهاية.

موضوع أخر لم يذكره المسلسل، لكن سنعتبره مكمل للموضوع الأول الخاص بالSmart Robots، لكن بالطبع هو أخطر، و هى زاوية أخرى من العلم، تختص بعلم الأحياء و ليس الأتصالات، و هى فكرة الCloning أو الأستنساخ.

الأستنساخ هى عملية عمل نسخة كائن طبق الأصل من كائن حى، بإستخدام الحمض النووى أو الDNA، و نعود للوراء حوالى 24 سنة، تحديداً فى 5 يوليو 1996، عندما ظهر تقرير فى واحدة من الجرائد العلمية الدورية، تقول أن فى معهد روزلين بجامعة أدنبره بأسكتلندا، تمكن كيث كامبل و أيان ويلموت من أستنساخ أول مولود لكائن حى فى التاريخ، و كانت نعجة، و تم أستنساخها من 3 نعجات مختلفات، الأولى أٌخذ منها البويضة، و الثانية الDNA، و الثالثة أستُخدم رحمها لمرحلة حضانة الجنين، و سميت النعجة الوليدة دوللى.

قلبت دوللى وقتها كل الأوساط، العلمية، الأجتماعية و بالطبع الدينية، و كانت دوللى أهم عملية بيولوجية فى التاريخ، و هى عملية أعقد كثيراً من عملية التلقيح، لأنه تم خلالها التحكم فى الDNA الخاص بالنعجة المستنسخة، لكى تكون نسخة طبق الأصل من النعجة التى أُخذ منها الحمض النووى. عاشت دوللى لمدة 6 سنوات و نصف، أنجبت خلالهم 6 خراف، و المعروف أن النعاج تلد وليد أو أثنين على الأكثر فى الحمل الواحد، و تستمر مدة الحمل 6 أشهر، لكن دوللى حملت 3 مرات، فى الأولى أنجبت وليد واحد فقط، و فى الثانية كانوا أثنين، بينما ثالث مرة و ياللمفاجأة كانوا ثلاثة. عاشت دوللى كل حياتها داخل معهد روزلين، و ماتت سنة 2003 عن عمر 6 سنوات و نصف، و للتوضيح فعملية أستنساخ دوللى نجحت بعد 277 محاولة فاشلة، و هذا يعيدنا لمقولة أديسون بعد فشله فى صناعة المصباح الكهربائى 999 مرة و نجاحه فى المرة ال1000، أنه أستفاد من ال999 مرة، لأنه عرف أنهم طرق خاطئة لصناعة المصباح.

بعد دوللى قام العلماء بمحاولات أستنساخ لأنواع مختلفة من الثدييات، نجحت مع الخنازير و الغزال و الحصان و الجاموس، و فشلت مع بعض الأنواع، بما فيهم بعض أنواع الخراف الأخرى.

فى يناير 2019 نجح العلماء فى الصين من أستنساخ 5 قرود متماثلة تماماً، بنفس المنهجية التى أستُنسخت بها دوللى و غيرها من الحيوانات الأخرى، و كانوا قبلها بسنة قد نجحوا فى أستنساخ أول قرد، و يأكد العلماء بعد نجاح كل تلك التجارب، أن أستنساخ أول أنسان أصبح شئ وشيك، فهل يمكن فعلاً أن نتفاجئ بخبر قريباً، بعد 24 سنة من نجاح أستنساخ دوللى، بأستنساخ أول أنسان على وجه الأرض؟

و أخيراً نعود مرة أخرى لمسلسل النهاية، الذى كان قد وضع تصورات ساذجة جداً سياسياً و علمياً للعالم سنة 2120، و مع حبى و شديد أحترامى لعمرو سمير عاطف مؤلف العالم، و إعجابى بكل أعماله السابقة، ألا أن تصوراته للعالم سنة 2120، و أن قمة التطور العلمى ستتمثل فى الأطباق الطائرة، أو الDrones، و أو الشاشات بدون جسم مادى، أو فكرة الRobot المنسوخ من إنسان، أو حتى السيارات ذاتية القيادة، الموجودة بالفعل أكثر من 4 سنوات بشكل رسمى، فكلها أختراعات موجودة فى العالم بالفعل من قبل سنة 2020 و بفترة كبيرة.

المسلسل قد خيب كل توقعاتنا، و العلم لديه من المفاجاءات، ما هو أكبر بكثير مما قدم بالعمل، ستظهر لنا خلال ال10 سنوات القادمة، و ليست بعد 100 سنة.

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب