النقد الأدبي وعلم النفس.. ما العلاقة بينهم؟

لقد فرضت ثورة المعلومات والعولمة تغييرات وتحولات لا حصر لها على عالمنا المعاصر.. لقد أجبرونا على الاهتمام بوحدة المعرفة وتوجيه النظم التعليمية لتحقيق هذه الوحدة وخلق المزج والتكامل بين التخصصات. 

ولم تغفل الدراسة جميع العلوم التي يمكن أن يتفاعل معها علم النفس، من الاقتصاد إلى الأدب، وهذه ليست علاقات خارجية، بل متشابكة، ويمكننا إذن إدخال علم النفس الأدبي في تخصصات اللغة العربية والاقتصاد والتجارة والإعلان... إلخ.

اقرأ أيضاً الفخر في الأدب الجاهلي ( دراسة موضوعية لشعر الفخر عند قيس بن الخطيم )

ما هي الدراسة البيئية؟

تعتمد الدراسات البينية على تقاطع العلوم ومزج المعرفة الذي يمكن أن يولد علومًا حديثة ونظريات جديدة ودراسات معمقة، وقد لاحظنا في ممارسة التدريس الجامعي لدينا أن طلاب تخصص ما ينفرون من تخصص آخر، فمثلًا طلاب الدراسات الإسلامية يغتربون من اللغة العربية، وطلبة الجغرافيا يغتربون من التاريخ.

وما اغترابهم إلا لأنهم يتلقون العلم وفق منهج متخصص (انفصالي)، وهذا ما يؤدي إلى تراكم المشكلة لعدم القدرة على ربط المعرفة، ما يؤدي إلى القصور في رؤية المعرفة في سياقها العام.

وهذا الخليط المعرفي القائم على التواصل بينهما يزيد جودة النتائج إذا عرفنا كيفية استغلالها.

وينطلق البحث من رؤية التكامل والتشابك المعرفي، انطلاقًا من الارتباط بين علم النفس والنقد الأدبي، وهو ما تجلى في تجارب نقادنا قديمًا وحديثًا.

اقرأ أيضاً بحث عن مفهوم علم النفس اللغوي

النقد النفسي للأدب

إن الدراسات المتبادلة بين الأدب وعلم النفس تقوم على علاقة عضوية بينهما. يتفاعل علم النفس مع الأدب عن طريق الذات الإبداعية للنص الأدبي، فيتسلح النقد بمبادئ ونظريات علم النفس، واستكشاف عمق هذا النص في تأثيره في المتلقي ودوافع الإبداع.

أي البحث عن الجوانب التي يتكون منها النص.إذ تصبح القراءة والتحليل النفسي للنص «قراءة تعيده إلى تكوينه النفسي»، ثم التحليل النفسي يستوعب دوافع الإبداع، وبذلك يعد علم النفس الأدب سلوكًا.

وكانت المدرسة الفرويدية للتحليل النفسي رائدة في تحليل الأعمال الإبداعية، وصولًا إلى سيكولوجية المبدع، ثم جعلت من العمل الإبداعي مجالًا للتحليل النفسي، وتعد هذه رمزية ينتجها نشاط اللاوعي، لجعلها مادة أولية ومرجعًا أساسيًّا لاستكشاف الأعماق النفسية للوصول إلى النظريات العلمية.

والحقيقة أن من الأمور الغريبة التي لا يمكن تفسيرها أن علم النفس والأدب يتناولان الموضوعات نفسها أي الخيال والأفكار والمشاعر مجتمعة، ما يؤكد العلاقة الحميمة بين الإبداع وعلم النفس.

انطلق فرويد من مسلمات المنهج النفسي في تفسير الإبداع الفني معتمدًا على عقدة أوديب التي يتطابق فيها الدين والأخلاق والروح الاجتماعية والفن تاريخيًّا. والخيال هو أحد مصادر الفن -في رأيه- لأنه به تُشبع الرغبات غير الواعية.

فالشاعر هو شخص يتمتع بخيال واسع ومتطور ومتميز، ويستطيع أن يجسد رغباته الباطنة في شكل أسطوري، إذ تتحول رغباته إلى وسيلة لإشباع الذات في مخيلته أو في مخيلة الآخرين -كما يؤكد فرويد- وهذا له أهمية كبيرة؛ لأنه يوجد في جوهره شعور عالمي بالارتباط العاطفي بالأدب البدائي، ولذلك فإن الخيال والإبداع الأسطوري يسمو بالرغبات البشرية.

ويرى بيف أن الكاتب وأدبه توأمان، ولذلك لا يمكن تقدير أدب معين على نحو مستقل عن معرفة مؤلفه، وكأن الشجرة التي تحمل ثمرة معينة لا بد أن يكون لها خصائصها الخاصة، وهذا البحث في ما يحيط بالكاتب قد حدد منهجه القائم على المواجهة الفردية وما يميزها عن طريق التأثير الأدبي وما يعكسه.

ما تعريف الموهبة؟

إن تعريف الموهبة يعني تعريف صاحبها الذي تظهر خصائصه بوضوح في ما يُكتب، وليس من معطيات حقائق الحياة اليومية التي تكوِّن قصة مستقلة يمكن أن تساعد في الكشف عن جوانب معينة من الشخصية، لا سيما أنه يخفي أشياء أخرى لا يمكن تصفيتها إلا من ثنايا الخطوط.

ورسم «صورة» وفق هذا التوجه يسلط الضوء على «ديمومة» حية على المستوى الإبداعي، توازي مفاهيم السيرة الذاتية التي تقوم على تاريخية سطحية، ويمكن أن تتقاطع معها.

لكنه يغوص بعيدًا عنها في أعماق سيرة نفسية لا يفضحها التاريخ، ويمكن أن يهملها، ولا تصل إليها أدواتها، ويكشفها الأثر الأدبي في كثير من المواقف.. إنه تحقيق الذات المبدعة التي اختارت الكتابة لتحقيق وجودها الحقيقي.

اقرأ أيضاً مجالات علم النفس بين النظرية والتطبيق

القراءة النفسية في اللغة العربية القديمة

إن البحث في جذور العلاقة بين علم النفس والأدب متجذر في التاريخ النقدي العربي، وما استمراره في النقد الأدبي الحديث إلا صورة للتثاقف واستخدام أدوات غريبة تعتمد على منهج علمي بعد جهود اعتمدت على تجربة شخصية في معرفة النفس البشرية.

اعتقد نقادنا القدماء وجود علاقة بين الأدب والروح المبدعة، وأرجعوا الإبداع إلى العوامل ودرسوا تأثير العوامل الداخلية والخارجية وتأثيرها في النفس وتحفيزها للميول إلى الإبداع، ولما سئل أرطاة بن صحية: هل تقول الشعر اليوم؟ فأجاب: «والله ما أفرح ولا أغضب، ولا أشتهي، ولكن الشعر يأتي من أحدهما».

الفرح والغضب والرغبة محفزات داخلية وخارجية لمجموعة من التوترات النفسية التي تظهر عن طريق الإبداع، وقد حدَّد دعبل الخزاعي فنون الشعر التي تنبع من هذه الانفعالات العاطفية، فقال: «من أراد المدح فبرغبة، ومن أراد الهجوم فببغض، ومن أراد التجديد فبرغبة ومحبة، ومن أراد أن يعاتب فلينكر».

اقرأ أيضاً الأدب العربي بين شاعر التنوير وشاعر التصوير

الأدب وعلم النفسي

ونجد كثيرًا من هذه الشظايا متناثرة في كتب الأدب، وسلط ابن قتيبة الضوء على العوامل النفسية التي رافقت الملكة في خمولها وبطئها، وبنى عبد القاهر الجرجاني كتابه أسرار البلاغة على أساس نظرية نفسية واضحة لخصها في بداية كتابه، ما أدى إلى تعميق الاتجاه النفسي نحو جمال المقارنة والتمثيل، وتأثير الصور البيانية في روح متذوقها.

تظهر هذه المقاطع النقدية وعي المبدعين العرب بقدرة الشعر على خلط العقل وتعديل حالات الروح.. لقد كانوا أكثر وعيًا بالمحفزات المندفعة إلى أنفسهم، والتي أشعلت شعلة الإبداع بداخلهم، ولعل هذا الفهم الفطري، غير المبني على أساس علمي، حدَّ من قدرتهم على دراسة عملية الإبداع.

ولم يغفل الأدباء والنقاد الاهتمام بالمخاطب في استهلالاتهم، فانتقلوا برشاقة من كائن إلى آخر، فصورته لم تغب عن قلوبهم، وهذا ما تطالب به القراءة الحداثية في عبارة «جمالية التلقي»، ولعل حضور المتلقي في ذهن الشاعر العربي هو ما جعله يعيد النظر في قصيدته مرارًا وتكرارًا.

ودرس قدماؤنا تأثير الشعر في النفس وتنشيط قواها، فتروي كتب الأدب أن معاوية بن أبي سفيان أراد الهرب ليلة الهرير بصفين، وما حمله على الإقامة إلا أبيات عمر بن الإطنابة:

أبت لي همتي وأبى بلائي *** وأخذي الحمد بالثمن الربيح

وإقدامي على المكروه نفسي *** وضربي هامة البطل المشيح

وقولي كلما جشأت وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستريحي

وهذا تقليد للشعر يرتكز على أساس نفسي متين وهو الإيحاء «الذي يعد سلاحًا فعالًا لإثارة المشاعر وإيقاظ المشاعر وإثارة التطلعات».

وقد أدى هذا الاهتمام بالشعر والعوامل المؤثرة فيه إلى ظهور اتجاه نفسي في نقد الشعر عند بعض النقاد، تناولوا فيه عملية الإبداع (الإبداع الفني) ونقدوا بعض معانيه في ضوء المفاهيم النفسية التي توصلوا إليها، وتعمق هذا الاتجاه مع ناقدين هما ابن شرف القيرواني وابن رشيق القيرواني.

لقد حاولا استبطان النفس البشرية وتتبع الأثر النفسي لأنواع الشعر وأساليب الخطابة، وكان ما وجداه بمنزلة «فصل من كتب علم النفس الأدبي، وابن رشيق فيه ناقد أو فيلسوف أو عالم نفس أو أديب»، ونقصد بفيلسوف أي شاعر متمرس.

العلاقة بين العاطفة والشعر.. ما هي؟

وأكد ابن رشيق العلاقة بين العاطفة والشعر، وعن دوره في تضميد الجراح، قال: «إن مع الخوف اعتذارًا ومواساة، ومع السرور رغبة ومودة للمحبوب، ومع الغضب هجاءً وتهديدًا وعتابًا مؤلمًا»، وأدرك أن عملية الإبداع الفني تعتمد على القدرة الداخلية على تحفيز القوى العاطفية للذات.

وهذا ما أقره علم النفس؛ العاطفة تخاطب النفس بما يتوافق مع ما يؤثر فيها، فهي «عاطفة متمردة أو عاطفة قوية تهز النفس، وتظهر آثارها في الجسد والفعل، في رأي ماكدوغال ومن يتبعه»، فهو يظهر فقط عندما تكون إحدى الغرائز في حالة نشاط، مثل الخوف أو الغضب أو الاشمئزاز أو الدهشة أو العجب أو الحب، كما قال برغسون، «جوهر الإبداع هو العاطفة».

حاول ابن رشيق أن يجمع بين المحفزات الأساسية لعصره، لتكون حوافز لما كان مدفونا في الأعماق، ليطلق العواطف بطريقة أو بأخرى من أجل تحقيق الإدراك الذاتي في القيمة الفنية للعمل الأدبي، وقد عظم أهمية طبيعة ولحظات العملية الإبداعية في التعبير الشعري، وجعلها المصدر الذي يستمد منه المبدع مادته، وهذا يعني أن المبدع، في نظر القدماء، حتى في نظر العلماء المعاصرين، تحركه قوى الطبيعة للتعبير عن مشاعره.

ولا يوجد ما يثير الدهشة في هذا؛ لأن الطبيعة هي مصدر كل الابتكارات؛ لأنها تساعدنا في إطلاق تصوراتنا القادمة من العالم الخارجي وذكرياتنا، ومع كل هذا يرسم ابن رشق الحركات الإبداعية للفنان، ويضعها في قالب عالمه الخارجي، وكأن الطبيعة وحدها هي التي أملت ما حدث.

اقرأ أيضاً موسيقى الشعر

الاتجاهات النفسية للمبدع

ولعل الاتجاه النفسي واضح في تفسير ابن شرف القيرواني للنص، فهو يتناول فيه السياق النفسي للمبدع ويتحرك في اتجاهين واضحين:

1-الاتجاه الأول: نقد الشعر في ضوء المتعارف عليه من الأحوال النفسية في الشعر، كقول زهير وهو من أطيب شعره وأملحه عند العامة وكثير من الخاصة:

تراه إذا ما جئته متهللًا *** كأنك تعطيه الذي أنت سائله

فجعل سروره بقاصده كسروره بمن يدفع شيئًا من عرض الدنيا إليه، وليس من صفات النفوس السامية أن تظهر السعادة حتى تبتهج وجوههم وتفرح نفوسهم راضية بهدية المعطي.

وهي لهم خسارة عزيمة ونفس صغيرة، فكيف يُمدح ملك عظيم البسالة والكبرياء بأن وجهه يبتهج ويمتلئ قلبه سرورًا إذا أعطى مالًا لسائله؟ وهذا هو عدم الثناء والهجاء الخالص، والفاضلون يفتخرون بالعكس، ويرى ابن شرف أن زهير لم يراعِ حالة الممدوح النفسية.

2- أما الاتجاه الآخر: فهو واضح في الربط الذي أقامه ابن شرف بين الظواهر النفسية وصداها في النصوص الشعرية لشعر الغزل وأعيانه أمثال امرؤ القيس، عندما حاول أن يتغلغل في أعماقه وجوانبه النفسية والباطنية والتعرف على دوافع السماحة لمغامرتهم الغزلية، وفحش الكلام الذي تتضمنه، فيترتب على ذلك أن كلامهم قد تطابق مع واقعهم، وظن أنهم يريدون إخفاء خلل نفسي..

إنه عدم قدرتهم على جذب النساء، وهو نقد يمس مشكلة معقدة، وهي الارتباط بين العمل الفني وشخصية صاحبه، وقال تعقيبًا على تصريح امرؤ القيس:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة *** فقالت لك الويلات إنك مرجلي

«لم توجد أي جدوى من الاعتراف بذلك، ومدى إهماله في إدراك الوصمة ضده؛ لأنه كان فيه كثير من العيوب والعبارات الملطفة، بما في ذلك حقيقة أنه قدم نفسه على أنه دخيل بين أولئك الذين كرهوا دخوله»، ومنها قول عنيزة: «ويلك، وهي كلمة لا تقال إلا للسفلة، فإنها لن تلقى أفضل». فنقول له: لم يكن الأمر كذلك، فإن الرئيس لا يصعد السلم على ظهر البعير..».

وقد فحص ابن شرف درجة توافق هذا الشعر مع حياة مؤلفه، فوجده متناقضًا ومنافقًا مع نفسه، وانتقده لأن كلامه لا يتوافق مع أفعاله، وأرجع ذلك كله إلى أسباب الحرمان، وعقدة النقص التي كان يعانيها ورغبته في التعويض، وهي تجربة من تجارب تاريخنا النقدي التي اعتمدت على الأسس النفسية في التحليل الأدبي.

وقد عرضناها خلال بحثنا في الدراسات البينية التي تناولت النص الأدبي بمعايير مستمدة من مجال آخر، حتى إذا كانت بسيطة ولا تعتمد على علم النفس بأسسه المعاصرة، بل على ما عايشته من النفس البشرية، فهذا ما جعل المنهج في هذا النقد فريدًا في مجاله.

وما افتقر إليه النقاد العرب القدماء، اكتسبه النقاد العرب المعاصرون بعد أن تعرفوا على النهج النفسي الغربي، وهذا ما دفعهم إلى محاولة استكشاف هذا الاتجاه وتعميق أسسه المعرفية، ثم تطبيقه على الإبداع العربي، ومن ثم فإن «تأثير التحليل النفسي على الأدب العربي الحديث عظيم جدًا -حتى وإن كان ينكر ما يريد أن ينكره- وقد استطاع الكتاب الرومانسيون والكلاسيكيون الجدد أن يجدوا في فرويد ويونج وأدلر وغيرهم مجالًا لاهتمامهم النقدي".

لقد أسس الرومانسيون والكلاسيكيون العرب المنهج النفسي في النقد العربي الحديث.

النقد النفسي للأدب العربي في العصر الحديث

كان تطبيق علم النفس على الأدب نوعًا من المثاقفة بين الغرب والعرب، ورغبة في التحرر من المعيارية والانطباعية اللتين استحكمتا في النقد العربي القديم.

وقد برع النقاد في العصر الحديث في فك رموز النص، لقد استخدموا الأساليب النقدية الحديثة بعد أن أدركوا أن اللغة مراوغة، تخفي أكثر مما تظهر، وتخفي أكثر مما تكشف، ومن هنا ظهرت عدم القدرة على فك رموز النص، ومن هنا ظهرت آليات جديدة، كانت ضرورية لقراءة النص الأدبي، وتشابهت مراوغته، وحدث الانفجار النقدي في العصر الحديث، مع تعدد المقاربات وسرعة تحولها وتطورها.

بدأت الدراسات النقدية العربية تعتمد على علم النفس، وبدأت ملامح استخدام علم النفس في النقد الأدبي في العصر الحديث مع محاولات تحديد مفهوم الشعر وإسناده إلى قوى غير مرئية، على غرار ما اعتبره النقاد والشعراء القدماء. والمفهوم النفسي بمعناه العلمي لم يستخدمه إلا إبراهيم عبد القادر المازني الذي عرّف الشعر بمقولة: «التحفيز والاستجابة» التي استمدها من علم النفس الإكلينيكي وجعلها كلها إبداعه، لذلك كل: «قوي» تأثير يثير في الإنسان حركات تتعلق بها الإدراكات بطريقة انفعالية، أو انفعال نفسي يبحث دائمًا عن مخرج ويبحث عن منفذ حتى يصيبه في حركة عضلية أو شيء من هذا القبيل.

واتخذت مرجعًا للدراسات العربية النقدية التي تقوم على علم النفس، ودرسوا الشخصية الأدبية التقليدية (المازني والعقاد والنويهي) والشخصيات المتخيلة (عز الدين إسماعيل وجورج طرابيشي)، ودرسوا سيكولوجية الإبداع الأدبي (حامد عبد القادر ومصطفى سويف وآخرون)، تفسير الظواهر الفنية في الشعر (عز الدين إسماعيل، سامي اليوسف، مصطفى ناصيف) وتحليل النص وفق المنهج النفسي "القراءة النفسية"، وفي دراسات لا حصر لها، اعتمدت دراساتهم على التحليل والتفسير والتأويل.

إلا أن الدراسات النفسية العربية المبكرة ارتكبت أخطاء لا تنطبق على الدراسات اللاحقة، ما يعني أن التحدي يكمن في أسلوب التطبيق، وليس في هذا النوع من الدراسات البينية، وهذا ما نشعر به عندما ننظر إلى تجربة العقاد، وفي دراسته لابن الرومي -مثلًا- ينطبق هذا على كثيرين ممن غامروا في هذا المجال، إذ لجأ بعض النقاد العرب في العصر الحديث إلى تطبيق المقولات النفسية دون الإلمام بالأسس المعرفية لعلم النفس.

علم النفس وعلاقته بالشعر

العقاد، على سبيل المثال، تلقى هذه الأقوال على حدة، ولم يستفد من اختلاف المقاربات في استنباط صورة ابن الرومي، لكنه افترض أن «ما قيل في مجموعته نعتمد على تصحيح التقارير المكتوبة» وإكمالها حتى نكمل الترجمة بأفضل ما نستطيع..

كان أسيرًا لعلم النفس بمختلف فئاته المرضية، وربط خصائص المشاعر الجسدية بشعره، ويقول العقاد إن ابن الرومي «لم يكن قويًّا قط في شبابه ولا في كبره، ولكنه أحس ببعض القوة بعد ذلك، كما يشعر غيره بالمرض، وكان إذا مشى اضطرب في مشيته، وظهر للناظر كأنه ينقلب على نفسه أو يصرخ من خلل أعصابه واضطراب أعضائه».

ولم يكتف العقاد بهذا، ورسم صورة جسدية لابن الرومي في سياق نفسي، حتى إنه ربطها بسلوكه قائلًا: «وكل ما علمه عن نحافته وحواسه المقززة... دليل لا لبس فيه على الاضطراب العصبي والانحراف»، وعلى العكس من ذلك، لا يوجد دليل خاطئ على نوع الاضطراب والشذوذ، فالإنسان هو النوع: «الذي يثير الخوف، ويثير الرهبة، ويخلق الأوهام».

ولا شك أن العقاد أراد أن يرسم صورة لابن الرومي: أرادها «نفسية، ليرسم صورة حية» لشاعر قدمت قصصه عنه دلالات تميزه عن غيره من الشعراء.. لقد كان فريسة سهلة لكل من يحاول «تجربة» فئات علم النفس، وليس فهم الرجل وكتاباته.

وكان تفسيره الفني بالأحرى الحكم عليه بالمرض وجعل هذا المرض سببًا لفنه وكتابته، ولو لجأ العقاد إلى منهج سانت بوف أو تشارلز ميورون لكان بإمكانه أن يرسم صورة نابضة بالحياة لابن الرومي لا توقفنا عند أحكام جازمة مبنية على التخمينات، بل ستذهب إلى أبعد من ذلك ولكن أصر العقاد على الرد: إن عبقرية ابن الرومي ترجع إلى عوامل خارجية لم يكن للشاعر حيلة في التصدي لها.

توجد أمثلة لا حصر لها على هذا، «أبو الفرج الأصبهاني» كان قذرًا ولم يغسل ثوبه منذ فرقه حتى قطعه، فكان في نفسه وفي نعليه، كما وصفه «ياقوت الحموي» في (معجم الأدباء)، ولم يمنعه ذلك من أن يكون في عصره: «الجمهور»، وروى وصور وكتب، وكتابه (الأغاني) وحده يساوي مكتبة كاملة.

لقد كان المقصود من القراءة النفسية العربية أن تكون قراءة إكلينيكية، تتخذ النص وثيقة إدانة وتكشف عن الأعراض المرضية التي أصابت الشاعر خلال مراحل حياته، لتكون بذلك سببًا في نضج عبقريته وفقًا لفلسفة التعويض بمبدأ فرويد.

وهذا يعني أن العلاقة بين علم النفس والأدب فتحت الباب لاستكشاف أعماق النفس المبدعة والبحث عن دوافع إبداعها، الذي عدَّه علم النفس استجابة لمؤثرات معينة. وبذلك تأكدت العلاقة بين علم النفس والأدب، "علم النفس علم الكليات كسائر العلوم، والأدب علم المفردات كسائر الفنون".

ويعتمد النقاد النفسيون على التحليل النفسي للكشف عما لا يقوله النص، ويرون أن «الكلمات لها أنظمة إشارة»، وقد يمكن القول إن المقاربة النفسية للنص الأدبي هي «انتقائية»، تنزلق على السطح، فتختار من النص ما يخدم غرضه، وتتوقف عنده، ثم تتجاوزه إلى النقاط التي تعدها إجابات وأدوات لها، فهو يبحث في النص عما يؤكد فرضياته، وتصبح قيمة النص معه قدرته على تأكيد هذه الفرضيات.

ومن ثم يعود الإبداع إلى أسباب صاحبه، ما يعني أن عملية الإبداع «مثل منفذ»، حيث يحرر الكاتب غرائزه أو رغباته المكبوتة، ومن ثم فقد عد النص الأدبي بمنزلة وثيقة نفسية تعمل مقام لوحة استكشاف في عيادة التحليل النفسي، ما يجعل العمل النقدي وفق هذه النظرية أحد اتجاهين: إما أن يبدأ من العمل إلى الكاتب، أو حسنًا يبدأ من معلومات تاريخية عن الكاتب لفك أسرار النص نفسيًّا.

وهذا صحيح إذا التزم الناقد بذلك، لكن الحقيقة هي أن المنهج النفسي يتحرر من المناهج النقدية الأخرى، مثل البنيوية التي تشكك في متعة النص ولذة الكتابة.

أهمية علم اللغة

يعد علم اللغة الكلام وظيفة تواصلية، ويحدده المحلل النفسي والسيميائي الذي يقول إن النص مملوء بالثغرات التي يملأها السيميائي، ما يجعله فاعلًا للإبداع، مثل القارئ النفسي الذي يرى رمزًا خاصًّا في النص.

ما سبق يقودنا إلى القول إن النقد النفسي للأدب، الذي يندرج في إطار الدراسات البينية، ليس بمعزل عن المناهج الأخرى، بل يتفاعل معها بما يدعم مبادئه الأساسية في النقد والتحليل، والتي ترتكز على الفهم والتحدث والتفكير والتخطيط وحل المشكلات المعقدة وتحقيق الفهم الصحيح للنص.

ونوضح المنهج النفسي المتبع في دراسة النص بقراءة الدكتور عمر الأسعد لنص ابن خفاجة على الجبل بعنوان: «الأرعن الطماح، للدكتور عمر الأسعد».

وبغض النظر عن المقدمة التي مهد فيها الباحث لبحثه، ودارت حول شعر الطبيعة، فإنه حاول أن يقيم صلة نفسية بين الجبل والشاعر، أو بين الجبل والنفس الإنسانية، تلك الصلة التي تكشف عن شبكة غنية من العلاقات بين الطبيعة وبين النفس البشرية.

وقد حاول الدكتور عمر الأسعد أن يقدم قصيدة ابن خفاجة عرضًا جماليًا باتحادها بالطبيعة، واتخذ الباحث المنهج النفسي مركبًا لتقديم رؤية جمالية بشبكة العلاقات الفنية بين الطبيعة والنفس الإنسانية.

بدأت بتأثير الطبيعة في نفوس الأندلسيين، ما أثار الشعور بالجمال، ولعل إحساسهم بجمال الطبيعة الظاهري كان بمنزلة انفتاح على البعد التأملي، حين تتأمل الروح بعناية.

بدأ الطالب دراسته من العنوان -قال في ذهنه- إلى توجهات الفعل الإبداعي التي تدور حول معاني الدرس والخطبة.

وقد أسقط الباحث حياة ابن خفاجة على الجبل وجعل من القصيدة تصعيدًا لمشاعره الحزينة والخوف من الفراق والموت، وجعلها حقيقة ثابتة في علم النفس، جاعلًا ما يدور في ذهن الإنسان همه الرئيس.

 استرجع عقلك واجعل حوارك مع الجبل مهدئًا للأحزان.. ولعل اعتماده على المنهج النفسي دفعه إلى استخدام الصور التي امتلأت بها القصيدة لخدمة اللحن الجنائزي الذي يحيط بالقصيدة.

وباختصار لا بد من القول: إن الباحث تحدث عن البعد النفسي الذي أعطى بعدًا جديدًا للوصف، فحوله من وصف ظاهري للمشهد إلى وقفة تأمل عميقة، يجد فيها القارئ فكرًا ساميًّا.

وتعليقًا على منهج الباحث ودوره في النقد الأدبي نقول: إن التأمل والاعتبار يفرض على الطالب المنهج النفسي، وقد مثل ابن خفاجة حالته الجبلية، وترك الجبل ليتحدث عن الظروف التي يصادفها في الحياة التي تدعوه إلى الملل، فالجبل خالد في حياته الذي تعب فيه، وتعب من المراقبة، والبعد عن رحيل الأحبة.

جعل ابن خفاجة من العاطفة غطاءً للتأمل، فكانت عاطفته شديدة، والعاطفة ترتقي بأجزاء الإبداع الشعري والأدبي، وقوتها تعني قوة النص في طاقته وقدرته على التأثير.

إن الارتباط بين علم النفس والأدب والنقد يجد جذوره في التراث الإنساني، ولا سيما ما يربط الأدب بصاحبه، ولا شك أن مدرسة التحليل النفسي قد قدمت خدمات جليلة للأدب والفن، وأنها أحدثت تقدمًا منهجيًّا جديدًا في النقد، ما فتح له آفاقًا واسعة في تعميق الصور الفنية وزوده بالمفاتيح النفسية لتحليل الشخصيات، وكان له في هذا الصدد أهمية كبيرة في إرساء أسس نظرية النقد النفسي.

اعتمد الباحث على نظرية النقد النفسي؛ اعرض وجهة نظرك حول مفهومين أساسيين:

- تعبير الشاعر عن عواطفه.

- الأدب صورة نفسية لشخصية الشاعر.. ويعد التنفيس والتواصل دافعين لا ينفصلان، وشرطين ضروريين لظهور الفن، الأول لا يحل محل الثاني؛ لأن رغبة الفنان هي إطلاق العنان لعاطفته، ورغبته في وضع هذا المنفذ في صورة تثير في كل من يستقبلها ما يعادل عاطفته.

 والتنفيس والتواصل قضايا تطرح في النقد النفسي والأدبي، أي عمل يبدعه كاتب صادق وأصيل يسعى للتعبير عن همومه ورغباته وعواطفه.

وقد اعتمد تفسير الباحث للقصيدة على المعرفة النفسية، معتمدًا على الرجوع إلى السيرة الذاتية لمؤلف هذا العمل والأحداث المحيطة به في واقعه المعيشي، وذلك من أجل استكشاف مواقف معينة من شأنها توضيح الخصائص النفسية للفنان.

لكن الباحث لم يتعمق في تجربة الشاعر، ولو تعمق فيها لإيقاظ فيه ذاكرة الشعر القديم، ولا سيما جبل امرؤ القيس في معلقته، الذي يعد هذا الجبل معادلًا له إلى القوة والصلابة والتردد في مواجهة أحداث الزمن.

فإن تناول النص من قبل أي باحث من الناحية النفسية يكوِّن قراءة خاصة بحكم صياغته الفنية التي تحمل في طياتها رؤية لعالم الإنسان الخفي ودعوة إلى تجليات عدم الوعي الجمعي، لا تحدث إلا بمعاناة الفنان، التي تستمد قوتها من الشعور بالحضور الذاتي في طبيعة العمل الفني، والذي يعزوه علماء النفس إلى الحالات العاطفية والتجربة اليومية، والذي ينشأ أيضًا من أعماق اللاوعي، وحينئذ حقق الفنان هدفه، وهو استعادة توازنه النفسي بعد التأثير الذي أحدثه، فأثار المشاعر، وهذا ساعدنا على فهم حياته؛ لأنه لمس الأعماق العاطفية وعالجها اعتمادًا على ما تتطلبه التجربة العاطفية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة