النفس البشرية بين سينيكا وابن قيم الجوزيه

يرى الرواقيون مؤسسو المذهب الفلسفي " الرواقية " أن الأخطاء في الحكم هي سبب العواطف، وأن الإنسان الحكيم، أو الذي تتميز شخصيته بالكمال الأخلاقي والفكري إنسان ناضج ذهنياً لا يستجيب للسذاجة العاطفية.

اقرأ أيضاً الفسلفة ونقد المبادئ الفلسفيّة (1)

مع لوكيوس سينيكا

هو الخطيب والفيلسوف الذي كان يكتب باللاتينية، وقد عاش في عز ازدهار الإمبراطورية الرومانية، وشاء القدر أن تُقربه أم الإمبراطور " نيرون "، لتعليمه المنطق ليحكم روما بعد ذلك، وفعلاً حكم نيرون وقرب المفكر سينيكا منه فأصبح هذا الأخير مستشاراً له.

وتدور الأيام، ويغرق في الملذات والصخب الموسيقي فيقرر نيرون إغراق أمه في البحر للتخلص منها إذ ظن أنها تُخطط لقتله، ونجت من الغرق لكنه أمر المكلفين بالمهمة بتصفيتها.

وجاء دور سينيكا فقرر هو بنفسه التخلي عن الشؤون السياسية، وقبل نيرون طلبه قبْل أن يأمره بقتل نفسه سنة 65 ميلادية، بتهمة أنه يخطط للانقلاب على نيرون، ودخل الإمبراطور مزبلة التاريخ بِشَرِّه، وبقيت فلسفة سينيكا تتداولها الألسن إلى يومنا هذا، ولا بأس من ذكر بعض آثاره الفكرية..

اقرأ أيضاً الجلطات الشعورية واللعب بالنار| قصص حقيقية!

1. مع كتاب رسائل من المنفى

في فترة اعتزاله السياسة كتب الفيلسوف هذه الرسائل التي ناقش فيها الغنى والثروة والفقر وتأثيرها في البشر، فمثلاً هذه مقولة من الرسالة الثالثة عشر: 

"إن الأشياء التي تخيفنا أكثر من تلك التي لها القدرة على سحقنا، فنحن عادة ما نعاني في الخيال أكثر من الواقع".

ولشحن النفس بالبهجة ينصح سينيكا في مقولة أخرى بما يأتي:

"ولكن إذا انغمسنا في مخاوفنا إلى أقصى حد ممكن ستكون الحياة لا تستحق العيش، ولن نجد حدوداً لأحزاننا، لذا دع التعقل يساعدك، واستهن بالمخاوف بعزم شديد حتى وإن كانت أمام ناظريك، وإذا كنت لا تستطيع فعل ذلك، واجه ضعفاً بآخر، وخفف خوفك بالأمل".

2. مع مسرحية الطّرواديات

الكتاب مسرحية مترجمة لِسينيكا، يصور فيها حالة الطرواديات نساء العائلة الحاكمة بعد موت هيكتور وبرياموس، الملك وابنه، وسقوط مدينة طروادة المدينة التاريخية القديمة للرومان.

3. من كتاب المحاورات

كتب سينيكا مقالاً في هذا الكتاب بعنوان: "العناية الإلهية"، سماه باللاتينية "De providentia"، وحاول أن يبين الجانب الإيجابي في كثرة الشر في العالم الذي لا يسلم منه حتى الطيبون، رغم أن الله موجود ويُدير الكون، وقسم المقال إلى ستة فصول:

الفصل الأول

تساءل سينيكا في بداية هذا الفصل، لماذا تحدث شرور كثيرة للناس الطيبين رغم أن الله يحكم العالم، وأجاب بعد عرض مجموعة من الأدلة الطبيعية على أن الله يمهل ولا يهمل أهل الصلاح رغم ما يصيبهم من أذى لأن ذلك امتحان عابر وإعداد من الله لهم.

الفصل الثاني

أبرز هنا أن المحن لا تُزعزع ثقة الطيبين لأنهم ينظرون إلى باطن المحن ولا يهتمون بِظاهرها، يوجد خير وراء الشر، وحين يقفون أمام المحن فهم يتدربون فقط ليكونوا أقوياء بعد زوالها.

الفصل الثالث

"في الشَّر يكمن الخير"، هذا ما تحدث عنه سينيكا في هذا الفصل، وأعطى أمثلة من بينها مثال: "سقراط"، وأنه تم تخليد فكره رغم تعرضه لمحنة الموت اللّاإرادي، إذ قبل قرار القضاة في أثينا ومات وهو ثابت على مبادئه.

الفصل الرابع

يرى الفيلسوف أن الإنسان الذي يعيش في سلم دائم ورفاهية جاهل للوجه الآخر للطبيعة، وأنَّ المحبوبين عند الله يُمتحنون ويعانون حتى يبلغوا الصفاء والنقاء الروحي.

الفصل الخامس

"مُدبرها حكيم"، يذكر سينيكا في هذا الفصل أن حكم الله لا يخلو من الحكمة، فالغنى لا يعني بالضرورة الثروة، وكما يُختبر الذهب بالنار، يُختبر الرجل الصالح بالتجارب، أي التجارب تزيد أهل النقاء نقاءً.

الفصل السادس

ختم سينيكا فصوله بدعوة الإنسان إلى ترك ملذات الحياة الدنيا، وعدم الانغماس في شهواتهم، بعد تأكيده في بداية هذا الفصل أن الله بعنايته يُبعد عن الطيبين الأمور السيئة مثل حب الدنيا، وأنهم بعناية الإله يُصبحون معلمين وقدوة لغيرهم.

نرشح لك على "جوك" نظرات في كتاب عصر العلم للدكتور أحمد زويل

ابن القيم وعلاج النفس

بعد سينيكا بقرون، ظهر المعلم والإمام ابن قيم الجوزية، وهو الشيخ المُربي، الداعي إلى صراط الله المستقيم، الذي بلغت شهرته الأفق، وطريقة وعظه لا تحتاج توضيحاً، وغنية عن التعريف، فالمُطلع على كتابه: "مدارج السَّالكين" يجده كتاباً عجيباً فريداً في كشف أمراض النفس ومظاهر الوساوس الشيطانية، ويذكر العلاجات المختلفة لتهذيب النفس وتصفيتها. نقتبس من كتاب مدارج السالكين المُجلّد 3 ص322:

"وقيل: مجالسة العارف تدعوك من ست إلى سِتّ: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الطّوية إلى النّصيحة"، هكذا أيها الكرام هي الحياة، ولكل فترة وعصر أناسه ورجاله، مررنا من سينكا وفلسفته الرواقية ودعوته إلى الثقة بالله وتقبل القدر لأنه عناية من الله وإن كان لا يخلو من مصائب ومحن في الواقع، فهي تقريب من الله ودليل عنايته بهم، وهذا ابن القيم نموذج من تراثنا الإسلامي الذي ترك لنا إرثًا دينيًا مستمدًا من الكتاب الخالد المعجز -القرآن- وأحاديث نبينا عليه السلام.

رحلنا مع فكر معلمين مختلفين في العقيدة والاعتقاد، وفي طريقة الوعظ والإرشاد، ولكن تجمعهما النظرة الباطنية والفكر الإيجابي في الحياة.

فكلاهما: سينيكا وابن القيم دافعا عن القيم الإنسانية، وحسن الظن بالله في أصعب الظروف، سينيكا بفلسفته وفكره، وابن القيم بعلمه الشرعي الإسلامي، جلبا السرور ووضحا بطريقتين مختلفتين طريق الأمل والنصر، فكما نلاحظ ذلك في الستة فصول لسينيكا، وفي الستة أشياء، مع ابن القيم، التي نتجنبها بمجالسة العارف العفيف والأشياء التي نجنيها بمجالسة اللطيف الحصيف، فيها الخير الكثير خصوصًا في وقت ما يسمى "كورونا"، الأزمة العالمية بما فيها من مُبالغات وهمية، ثُمّ إن الضمير الإنساني أعطى أُكله وصنعت العقول العلمية لقاحات وترياقات لنا، تنوعت وتعددت مسميات اللقاحات، ولعل من أبرزها لقاح: "أسترازينيكا AstraZeneca".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة