النظرية الكاينزية.. جذورها ومبادئها والانتقادات الموجهة إليها

تُعد النظرية الكاينزية واحدة من أكثر النظريات الاقتصادية تأثيرًا في القرن العشرين، وقد غيَّرت جذريًّا طريقة فهم البطالة والدورات الاقتصادية. وضع أسسها الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كاينز في أعقاب الكساد الكبير، وأسهمت في إعادة تكوين السياسات الحكومية تجاه الإنفاق، الفائدة، والتوظيف. وتناول كاينز أزمات الاقتصاد الرأسمالي من منظور جديد، مركزًا على الطلب الفعلي ودور الدولة في تحفيز النمو الاقتصادي، ومقوضًا اليقين الكلاسيكي في قدرة السوق على تحقيق التوازن تلقائيًا.

يُطلَق اسم «الكاينزية» على مجمل النظريات الاقتصادية التي صاغها جون ماينارد كاينز، وقد برز كاينز، في دراسته لظاهرة البطالة، طارحًا آراء تتعارض مع النظريات التقليدية، ففي نظر الكلاسيكيين، تتأتى البطالة أساسًا من نقص في مرونة الأجور.

الأسس النظرية للكاينزية: الطلب الفعلي ومحدداته

أما في نظر كاينز، فهي تنجم عن انخفاض في الطلب الفعلي يُولِّد توازنًا قائمًا على نقص في العمالة، فالطلب على الاستهلاك يخضع في الواقع لقانون النزوع إلى الاستهلاك: مع أنه، حسب القيمة النسبية، يميل إلى الانخفاض في الشرائح العليا من المداخيل. أما نفقات التوظيف، فتنجم، من جهتها، عن مقارنة بين المردود المرتقب من وراء هذا التوظيف وبين معدل الفائدة.

كاينز مؤسس النظرية الكاينزية

أسباب نقص العمالة في الرأسمالية المعاصرة من منظور كاينز

وفي ظل الرأسمالية المعاصرة، تتأتى النزعات إلى نقص العمالة من عوامل ثلاثة:

  • الانخفاض النسبي للنفقات الاستهلاكية، وهو انخفاض ناجم بدوره عن التفاوت في توزيع المداخيل، هذا التفاوت الذي يمثل مصدر ادخار مفرط.
  • الانخفاض التدريجي للفعالية الحدّية للرأسمال، والمرتبط بنقص الاستهلاك والمردود المتراجع باطراد للرأسمال.
  • ارتفاع معدل الفائدة الذي يكاد يوازي الفعالية الحدّية للرأسمال، فيُضعف بالتالي الحافز إلى التوظيف، ليس ثمة إذن من وسيلة آلية للقضاء على البطالة. وعلى الدولة أن تتحمّل مسؤولية تحقيق عمالة تامة بانتهاجها سياسة مناسبة.

هذه السياسة، المتعارضة كليًّا مع الأساليب الانكماشية المتبعة عادة، هي سياسة نقدية في جوهرها، ما يسمح بتدخل فعّال من قبل الدولة من دون المسّ باستقلالية المنشأة الخاصة.

وهي تقوم، قبل أي شيء آخر، على تخفيض معدل الفائدة لتشجيع التوظيفات الخاصة. وينبغي أن تقترن بزيادة في حجم التوظيفات العامة، وبتعزيز الميل إلى الاستهلاك بعملية إعادة توزيع للمداخيل لمصلحة الطبقات المحدودة الدخل.

أبرز الانتقادات الموجهة للنظرية الكاينزية

لقد وُجّهت إلى الكاينزية انتقادات عدة، فريق انتقد -بادئ ذي بدء- بعض أدوات تحليلها النظري، ولا سيّما مختلف «الميول» و«النزوعات» أو «الحوافز» التي تمثل أساس بنيانها النظري.

فالنزوع إلى الاستهلاك، على سبيل المثال، كان موضع دراسات عدة كشفت عن تنوّعه، حسب البلدان والفئات الاجتماعية، وعن عدم ثباته عبر الزمن. كذلك تبيّن، بدراسات أجراها عدد من الاقتصاديين والمتحققين، أن الدور الذي أسنده كاينز إلى معدل الفائدة في تحديد حجم التوظيفات مُبالغ فيه. وقد نوه فريق آخر من النقاد بضيق الفرضيات التي قام عليها البرهان الكاينزي، وبيّن كيف أن نظرية كاينز التي تطمح إلى أن تكون نظرية «عامة»، لا تعدو كونها ترجمة لحالة خاصة من حالات جمود النمو في الرأسمالية المعاصرة.

انتقادات النظرية الكاينزية

أخيرًا، شكك الكثيرون في فعالية السياسة الاقتصادية التي دعا إليها كاينز وفي جدواها: بعضهم بالتأكيد على أن تدخلات الدولة النقدية تؤدي بالضرورة إلى التضخّم، وآخرون بمعارضة سياسة التدخل هذه بالدعوة إلى إصلاح البُنى الرأسمالية بالذات.

تأثير الكاينزية في الفكر الاقتصادي الحديث والمدارس التابعة لها

لقد مارس كاينز تأثيرًا كبيرًا على اقتصاديي عصره. وثمّة مدرسة اليوم تُعرَف بـ«المدرسة الكاينزية»، بيد أن أتباعها يتوزّعون بين تيارين رئيسين: واحد أكثر نزوعًا إلى الليبرالية، ومن أبرز وجوهه صموئيلسون، وهارود، وهانسن، وآخر يميل إلى الاشتراكية، ومن أبرز وجوهه روبنسون، ولرنير، وكاليكي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.