النظرية الجمالية عند العرب

النظرية الجمالية عند العرب غير متبلورة حتى الآن، فهي لا يمكن تمثُّلها من جهة كونها نظرية متكاملة فصَّل القول فيها أحد الفلاسفة العرب.

فطبيعي أن العربي في جاهليته كان يعرف الجمال بصورة أو بأخرى، ولكنها كانت المعرفة الأولية الساذجة التي يشترك فيها جميع الناس، أو لنقل إنها لم تكن المعرفة الواعية، أو بلفظ أدق المعرفة الناتجة عن تأمل وتركيب.

اقرأ أيضًا عودة للشعر من جديد.. آثاره على الحب وعلاقته بالشعر النيجيري

الجمال في الإنتاج الشعري

وإن كنا نستبعد أن يكون العربي في تلك العصور المتقدمة قد عرف الجمال ذلك النوع من المعرفة؛ لأن مظاهر حياته الفكرية في أسمى مكان وصلت إليه تتمثل لنا في إنتاجه الفني أو الشعري على وجه التحديد.

وطبيعي أن يكون للعربي -وقد وصل إلى مرحلة الإنتاج الفني الراقي (الشعر في صورته القديمة الناضجة)- نظرته إلى الكون، وتذوقه لمظاهر الجمال والقبح فيه.

وهذا الشعر الذي هو أرقى ثمرة من ثمار حياته الفكرية لا يستطيع أن ينقل إلينا عن الشاعر نظريته أو فكرته عن الجمال، ونستطيع أن نتبين بعض الخيوط المشتركة في هذا الشعر التي تتمثل فيها انفعالات العربي يصور القبح والجمال.

وإذا نحن التمسنا الموطن الذي تتضح فيه هذه الانفعالات في الشعر الجاهلي وجدنا أن شعر الغزل هو الميدان الذي يتعرض فيه الشاعر لتصوير انفعاله بالجمال.

ولسنا نريد أن نبدأ دراسة مستقلة للغزل في العصر الجاهلي، لننتهي منها إلى الحكم الذي يصور لنا مدى إحساس العربي بالجمال وموقفه للوصول إلى هذا الحكم الصالح من الشواهد.

فلنقرأ في شعر الغزل للشاعر الجاهلي امرئ القيس يصف لنا محاسن محبوبته:

هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل

إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

إذا قلت: هاتي نوليني تمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل

مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل

كبكر المقاناة البياض بصفرةٍ ... غذاها نمير الماء غير محلل

 تصد وتبدي عن أسيٍل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل

وفرع يزين المتن أسود فاحمٍ ... أثيثٍ كقنو النخلة المتعثكل

غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل

وكشحٍ لطيف كالجديل مخصر ... وساقٍ كأنبوب السقي المذلل

ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

وتعطو برخصٍ غير شثنٍ كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل

تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممس راهب متبتل

وهذا التصوير للصفات المستحبة في المحبوبة يفيدنا من نواحٍ عدة، وإن كان يكفينا هنا أن نلاحظ أن الشاعر لم يقف عند أي صفة حسن معنوية، بل كانت كل الصفات التي لفتته في محبوبته هي الصفات الحسية.

اقرأ أيضًا الأدب العربي بين شاعر التنوير وشاعر التصوير

صورة المرأة في الشعر العربي

وليس غريبًا على موضوعنا أن نقف عند صورة المرأة أو المثل الأعلى لصورتها الحسية منذ ذلك الوقت؛ لأننا سنجد في ما بعد أن صورة "الجارية الحسناء" ستتمثل دائمًا لغالب النقاد.

ولنأخذ قول النابغة :

نَظَرَت بِمُقلَةِ شادِنٍ مُتَرَبِّبٍ ... أَحوى أَحَمِّ المُقلَتَينِ مُقَلَّدِ

وَالنَظمُ في سِلكٍ يُزَيِّنُ نَحرَها ... ذَهَبٌ تَوَقَّد كَالشِهابِ الموقَدِ

صَفراءُ كَالسِيَراءِ أُكمِلَ خَلقُها ... كَالغُصنِ في غُلَوائِهِ المُتَأَوِّدِ

وَالبَطنُ ذو عُكَنٍ لَطيفٌ طَيُّهُ ... وَالإِتبُ تَنفُجُهُ بِثَديٍ مُقعَدِ

مَحطوطَةُ المَتنَينِ غَيرُ مُفاضَةٍ ... رَيّا الرَوادِفِ بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ

قامَت تَراءى بَينَ سَجفَي كِلَّةٍ ... كَالشَمسِ يَومَ طُلوعِها بِالأَسعُدِ

أَو دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ... بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ وَيَسجُدِ

أَو دُميَةٍ مِن مَرمَرٍ مَرفوعَةٍ ... بُنِيَت بِآجُرٍّ تُشادُ وَقَرمَدِ

سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ ... فَتَناوَلَتهُ وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ

بِمُخَضَّبٍ رَخصٍ كَأَنَّ بَنانَهُ ... عَنَمٌ يَكادُ مِنَ اللَطافَةِ يُعقَدِ

وقول الشاعر الجاهلي عبد الله بن عجلان :

جديدة سريال الشباب كأنها ... سقية بردي نمتها غيولها

ومخملة باللحم من دون ثوبها ... تطول القصار والطوال تطولها

كأن دمسقًا أو فروع غمامة ... على متنها منها استقر جديلها

ومن شاء أن يكفي نفسه مؤونة البحث فليرجع إلى محاضرات الراغب الأصفهاني، فهو يعقد فصلًا للحديث عن محاسن المحبوب.

والصور التي عرضناها التي نجدها عند الأصفهاني كلها صور متشابهة في مجموعها وتفصيلها.

المرجع

إسماعيل، عز الدين، (1992م)، الأسس الجمالية في النقد العربي: عرض وتفسير ومقارنة، الناشر/ دار الفكر العربي بالقاهرة، ص: 112-109

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة