لقد ارتبط الكتاب بالطباعة لأزمنة مديدة؛ أي بالأحبار والورق، غير أن ارتباطه بالورق كان ارتباطًا عميقًا، وذلك لتداول تقنيات الكتابة، في حين ظل الورق هو الورق، ولقد تفاقمت استخدامات النشر الورقي عبر الحقب والأزمنة المختلفة، حتى تكوّنت له حضارة خاصة، هي حضارة الورق.
ولكن منذ نهايات القرن العشرين، ثمّة تحدٍّ كبير يواجه تلك الحضارة بكافة إمكاناتها. فبالتزامن مع التطورات التكنولوجية الهائلة، تفجّرت ينابيع المعلومات، وتعددت المصادر المعرفية، وتطورت إمكانات الحفظ والاسترجاع، أذونًا بميلاد حضارة أكثر إذهالًا، تتقدم بقوة وبسرعة هائلة؛ إنها الحضارة الإلكترونية.
لتخبو حضارة الورق شيئًا فشيئًا، ويصبح الكُتاب والمفكرون مجبرين على العزوف عن السبل والطرائق القديمة، والإذعان لحقيقة أخرى جديدة ذات جماهيرية منقطعة النظير، بل والاندماج في حضارة هي الأحدث من نوعها، تعتمد وبصورة شبه كلية على النشر الإلكتروني، لا الورقي.
النشر الإلكتروني في مواجهة تحديات النشر الورقي
لقد أضحى النشر الإلكتروني هو كلمة السر النافذة لعالم الترويج في هذا الزمان، وعصاته السحرية في ذلك هي المعلومات.
وعلى الرغم من صراع الكتاب الورقي ومقاومته المستميتة لاسترداد مكانته، ما عاد قادرًا على مجابهة قوة الكتاب الإلكتروني، الذي أتى بإمكاناته المذهلة: من السرعة الفائقة التي كسرت حواجز الثواني المعدودة، والتكلفة التي تكاد تنعدم في أكثر أحايينها، فضلًا على القدرة الخرافية على حفظ أطنان من الملفات والنصوص بكامل جودتها، دون أن يمسّها التلف بتقادم الزمن، وسرعة استرجاعها من مواضعها الذكية ولو مضى عليها مئات السنين، إن هي ضُمَّت للإيداع في ذاكرة إلكترونية آمنة، علاوة على استيعابها لكافة تكنولوجيات الطباعة المتطورة، دون إهدار نقطة حبر واحدة.

فاليوم، ما عادت الأحبار والأوراق وتصاعد تكاليفهما تقف حاجزًا – كسابق عهدها – أمام طباعة الكتاب ونشره، زيادة على أن إمكانيات النشر الورقي البسيطة باتت عاجزة عن استيعاب كل هذا التدفق والسيل الهائل من المعلومات والمعرفة البشرية: الأفكار، والكلمات، والصور؛ ما اختلق الإشكالية والسؤال الأهم: النشر الورقي أم النشر الإلكتروني؟
تحديات الكاتب في ظل النشر الحديث: حقوق وتكاليف
وبالاقتراب من هذه الإشكالية، نجد أنها تتكئ على قضيتين هما عماد أزمتها.
القضية الأولى: حنين الكاتب وتكلفة الطباعة الباهظة
وضعت الكُتاب في مأزق أكبر في المفاضلة بين الكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي، وذلك أن حنين الكُتاب لرؤية مؤلفاتهم مطبوعة ورقيًّا، حنين متوارث ومتأصل فيهم ولا ينقطع. غير أن هذا الخيار يضعهم وجهًا لوجه أمام تكلفة الطباعة الباهظة التي بات يتحملها الكاتب وحده في ظل انتهازية الغالبية العظمى من دور النشر.

فضلًا على تلك السطوة الجائرة التي تمارسها هذه الصناعة على المؤلف ومنتجه، فَتحت وطأتها تذهب حقوقه المادية والأدبية والقانونية هباءً، نتيجة التعاقدات المجحفة التي لا يجد الكاتب منها مناصًا، وإلا لن يرى مؤلفه النور إلى يوم الدين.
حتى إن واتت الكتاب الورقي فرصته الذهبية ووجد طريقه إلى الطباعة والنشر، فإنه ليس بمأمن من التلف والضياع بتقادم الزمن أو نتيجة الأحداث الاستثنائية والتاريخ يزخر بأمثالها؛ فكم من المؤلفات لأعاظم الكُتاب ضاعت، وما عاد لها من أثر، حتى بلغت لبعض الكُتاب من عشرات إلى مئات الكتب.
القضية الثانية: تقويض حقوق الكاتب في النشر الإلكتروني
القضية أو التحدي الثاني -وربما الأكثر شراسة وضراوة- هي أن النشر الإلكتروني يضاعف من قدرة دور النشر، بما يفوق النشر الورقي، في تقويض حقوق الكاتب خاصة المادية، وذلك كون النشر الإلكتروني لا يكلّف تلك المؤسسات في إنتاجه الكثير من المال.
لكن التعاقدات لم تتغير كثيرًا؛ فقط تزحزحت نسبة الكاتب من الربح فيها لواحد أو اثنين بالمائة على أقصى تقدير، ما جعل الكُتاب لا يشعرون بأدنى تغيير، فما زالت الدور تتقاضى حق النشر -وكأنه ورقي- تحت بند الخدمات الملحقة التي تشمل (التنسيق، تصميم الغلاف، استخراج أرقام الإيداع، التسويق الإلكتروني، حفل التوقيع، الفيديو الترويجي...) والقائمة تطول ولا تنتهي.

وهذان التحديان وضعا الكاتب في اختبار غاية في الصعوبة: ما بين وسيلة عتيقة تكبّده آلاف الجنيهات دون عائد يُذكر، وأخرى لا تقفز فيها نسبة أرباحه سوى قُلامة ظفر، وما من عائد كذا يسد الرمق. ليصبح النشر الإلكتروني المجاني -المؤقت- أحد الخيارات المطروحة، وآخر منفذ قد يظن الكاتب أن فيه خلاصه، غير أن نداءات الكُتاب القدامى تتعالى يومًا بعد يوم، بأن هذه الوسيلة تهدر حقوق الكُتاب المادية، فهو لن يستطيع التربّح من كتابه، بعد عرضه بصفة مجانية ولو لبضع ساعات.
خيارات النشر المستقل.. طريق نحو ضمان الحقوق
ليطفو خيارٌ آخر، وربما هو الأخير والأنسب -في ظل هذه الأزمات والأغلال التي تكبل المؤلف من كل اتجاه- وهو النشر، سواء أكان ورقيًّا أو إلكترونيًّا، على حساب الكاتب وبمعرفته الشخصية، دون اللجوء لأيٍّ من دور النشر، مع تحمّل مسؤولية التوزيع والترويج إلى آخره من الخدمات. ولعل هذه المباشرة تتيح للكاتب متابعة العملية منذ المراحل الأولى للكتابة، مرورًا بإجراءات التنسيق والتصميم والتوثيق، وصولًا إلى المرحلة الأخيرة حينما يصبح الكتاب بين يدي القارئ.
ما قد يضمن حقوقه الأدبية والقانونية شيئًا ما، زيادة على إمكانية جني ثمار مبيعاته المادية، دون التعرّض لأفانين دور النشر وأعذارهم التي لا تنتهي، ودون تلاعب أو مراوغة، ومهما كانت المبالغ التي يحصل عليها الكاتب ضئيلة أو كثيرة، لكنها بالنهاية تمثل الواقع الفعلي لنتاج عمله.
وإن كانت بارقة أمل، لكنها تُضوِي لتمايز، وتُبدي فروقًا واضحة بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني وطرق النشر المناسبة. ما قد يتيح فسحة من حرية الاختيار السديد، بعيدًا عن ألاعيب دور النشر وما يروّجونه وقد يكون طوق نجاة للمؤلف الغارق لرأسه في المتاهات التقنية المتعلقة بعمليات الطباعة والنشر وأساليبها، وهو الجاهل بها في غالب الأمر.
مميزات وعيوب النشر الورقي والنشر الإلكتروني
في هذا الصدد، يمكننا أن نرصد العيوب والمميزات لكل طريقة نشر على حدة، الورقي والإلكتروني، فيما يلي:
مميزات النشر الورقي
- تلبّي شغف الكُتاب والقراء، على حد سواء، في الحصول على كتب ورقية محسوسة يمكن الاطلاع عليها واقتناؤها.
- إمكانية عرض الكتب عرضًا حيًّا وليس افتراضيًّا، في المعارض والمكتبات العامة والخاصة، ما يتيح لمن لا يجيدون التعامل مع التكنولوجيا الحديثة الاطلاع عليها والاختيار فيما بينها.
- يمكن تخصيص أماكن محددة من المسكن أو العمل لإنشاء مكتبة لعرض الكتب الورقية عرضًا محسوسًا وعلى نحو لائق، يمنح الكاتب أو القارئ الأجواء التثقيفية التقليدية، سواء للقراءة أو الكتابة.
- صعوبة تزوير أو نسخ الكتاب الورقي مقارنة بالكتاب الإلكتروني، ولا سيما في حال احتوائه رسومًا أو صورًا أو مخططات خاصة، وبالنهاية لن تصبح مطابقة للأصل.
- صعوبة اقتباس أو نقل مقاطع أو صفحات كاملة من الكتاب الورقي مقارنة بالكتاب الإلكتروني، وذلك أن تلك العملية تتطلب نقلها حرفًا بحرف.

- يسهل الحصول على نسبة المبيعات الفعلية من الكتب الورقية، وذلك من خلال حصر الكتب المتبقية بمخازن دور النشر.
عيوب النشر الورقي
- يحتاج القارئ إلى مدة زمنية قد تصل إلى 15 يومًا أو أكثر حتى يصل إليه الكتاب الورقي عبر خدمة الشحن.
- ارتفاع تكلفة دورة الطباعة والنشر الورقي، بداية من أسعار الورق والأحبار والخدمات، وتكاليف الشحن للمشاركة في المعارض المحلية والدولية، والملصقات الدعائية، وحفلات التوقيع، إلى آخره.
- لا تتاح خدمة النشر الورقي لكثير من الكُتاب الجدد، إلا من خلال الطباعة مدفوعة الأجر، وذلك كون النشر الورقي لكاتب جديد مجازفة قد تكون عالية التكلفة، يعزف أغلب الناشرين عن خوضها.
- تتعرّض الكتب الورقية، كلما مرّ عليها الوقت، للتلف والضياع والاندثار، وخاصة مع الإفراط في نقلها أو استخدامها أو تخزينها غير المناسب. فضلًا عن أن الكتاب الورقي أول من يتأثر بالجوائح والكوارث والحروب، إلى آخره.
- تحتاج الكتب الورقية إلى حيز كبير للاحتفاظ بها، كما يحتاج الفرد للكثير من المجهود والتكلفة للانتقال بها من مكان إلى آخر.
- كثيرًا ما تختلف جودة التنسيقات والتصميمات في الكتاب الورقي، كتصميم الأغلفة على سبيل المثال، عن النتيجة النهائية بعد طباعته.
- عند الرغبة في إعادة نشر الكتاب، قد تحتاج النصوص إلى إعادة كتابتها وتصميمها وتنسيقها، إن لم تتوفر على وسيط إلكتروني آمن.
- صعوبة الترجمة الآلية للنص المكتوب، وذلك أن الأمر يقتضي إعادة كتابته لفظًا بلفظ، ثم إدراجه في إحدى تقنيات الترجمة الرقمية، أو الاستعاضة عن تلك الطريقة بالبحث عن مفردات النص عبر أحد المعاجم، مفردة بمفردة.
- يصعب على الكاتب معرفة ردود أفعال القراء مباشرة بعد اطلاعهم على كتابه، ويكاد يكون هذا مستحيلًا، إلا من خلال المعارض والحفلات والندوات، إلى آخره، التي يحدث فيها لقاء حي ومباشر بين الكاتب والقراء، أو استشفاف آرائهم من خلال نسبة المبيعات، وهي غير موثوقة بنسبة 100%.
- ارتفاع ثمن الكتاب الورقي مقارنة بالكتاب الإلكتروني.
مميزات النشر الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني يضاهي بالتقريب نصف سعر الكتاب الورقي.
- لا يستغرق الحصول على الكتاب الإلكتروني عبر خدمة التحميل من إحدى المنصات الإلكترونية أكثر من بضع دقائق على أقصى تقدير.
- يتيح النشر الإلكتروني المجال للكُتاب الجدد لإمكانية عرض كُتبهم إلكترونيًّا على إحدى المنصات دون معوقات، وبتكاليف أقل نسبيًّا، مقارنة بتكاليف النشر الورقي.
- إمكانية وصول الكتاب الإلكتروني لقاعدة جماهيرية منقطعة النظير في الثانية الواحدة، وفي نفس الوقت عبر شبكة الإنترنت.
- إمكانية حفظ آلاف الكتب الإلكترونية على ذاكرة رقمية – وسيط إلكتروني قد لا تتعدى مساحتها السنتيمتر المربع.
- سهولة محو الكثير من الكتب – غير المرغوب فيها – والمخزنة في أحد الوسائط الإلكترونية.
- النتيجة النهائية للكتب الإلكترونية لا تختلف إطلاقًا عما صُممت عليه، مهما كانت التقنيات المستخدمة للتصميم.
- سهولة تبادل الكتب الإلكترونية بين القراء على مستوى العالم في دقائق معدودة وبكبسة زر واحدة.
- سهولة البحث عن كتب بعينها، والحصول عليها في دقائق زهيدة، وسرعة التنقل من كتاب لآخر، ومضاهاة نصوصها.
- سرعة الوصول إلى فصول وأبواب الكتاب الواحد بكبسة زر.
- سهولة البحث عن مفردة أو فقرة في نص الكتاب الرقمي من خلال مزية البحث الإلكتروني.
- سهولة ترجمة النصوص الإلكترونية بمجرد إدراجها في أحد برامج أو مواقع الترجمة الآلية.
- سرعة تلقّي مؤلف الكتاب الإلكتروني لردود أفعال القراء إثر تحميلهم للكتاب، وسهولة تواصله معهم بمحض رسالة إلكترونية مكتوبة أو مسموعة أو مُشاهدة.
- الكتاب الإلكتروني هو الأنسب للأجيال الجديدة التي نشأت على التعاطي مع التكنولوجيات الرقمية، كونها لغة العصر.
عيوب النشر الإلكتروني
- تزداد حدّة الإهمال من جانب دور النشر في حالة النشر الإلكتروني، وذلك أنها تنشر النصوص عبر تلك الوسيلة غير المكلفة دون أن تعني بكون مادة الكتاب تستحق النشر من عدمه.
- تتعرّض الكتب الإلكترونية للضياع بصورة أسرع من تلك الورقية، جراء تلف الأنظمة الإلكترونية الحافظة نتيجة هجوم فيروسي أو برامج مضادة... إلى آخره، بل يمكن لتلك الأنظمة أن تُبيد مكتبة برمتها تحوي ملايين الكتب في ثانية واحدة.
- تحتاج الكتب الإلكترونية عادة إلى برامج خاصة يمكن استعراض النصوص من خلالها، مثل برامج «Microsoft Word»، «Adobe Reader»... وغيرها.

- سهولة تزوير ونسخ الكتب الإلكترونية بقليل من المجهود لفك شفرة الحفظ، وتهيئة تنسيقات النصوص والتصميمات لإعادة إنتاجها بشكل جديد.
- سهولة عمليات الاقتباس والاقتطاع، حتى إنه يمكن نقل صفحات كاملة بمجرد نسخها إلكترونيًّا.
- إمكانية التخلص من الحماية التي تضعها دار النشر على نسخة الكتاب الإلكتروني، وذلك ببعض المساعدات الفنية من المتخصصين في مجال البرمجة، ونشرها بصفة مجانية. وفي أكثر الأحوال، فإن فك شفرة الحفظ بات غاية في السهولة بالنسبة للمستخدم العادي ودون أية مساعدات فنية.
- قد تتعرّض عين القارئ للضرر نتيجة انقطاعه لفترات طويلة لقراءة كتاب رقمي، وذلك نتيجة الأضوية والإشعاعات الضارة المنبعثة من الشاشات الإلكترونية.
- سهولة تزوير إحصائيات التحميلات للكتب المدرجة على المواقع الإلكترونية، بهدف الترويج لجماهيرية ومقروئية هي في الأصل وهمية.
في ظل النشر الإلكتروني، قد يفقد القراء رغبتهم في فعل القراءة تدريجيًّا، خصوصًا وأن التكنولوجيات الرقمية الحديثة باتت تتيح بدائل كثيرة تُغني المستخدم عن القراءة الذاتية، كالكتاب المسموع أو المرئي.
في النهاية، لا يوجد فائز مطلق في معركة النشر الورقي والإلكتروني، فلكل منهما مميزاته وعيوبه، وجمهوره الذي يفضله، يبدو أن المستقبل يكمن في نموذج هجين يجمع بين العالمين، فيمكن للكتاب أن يبدأ رحلته إلكترونيًا ليصل إلى أوسع شريحة، ثم ينتقل إلى الورق لمن يقدرون قيمته المادية. الأهم من ذلك، أن هذا التحول الرقمي يفرض على الكاتب أن يكون أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر جرأة في استكشاف خيارات النشر الذاتي، ليصبح المتحكم الحقيقي في مصير عمله الإبداعي، بعيدًا عن سطوة دور النشر التقليدية.
بجد الموضوع صعب ولكن انا مؤمنه بأن النتيجه مرتبطه بالسعى اى كان النتيجه + المقال رائع ومهم جدا
كمان انا بحب الكتاب ورقى لكن افضل المقال الكترونى
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.