«النسيان».. قصة واقعية

هذا مقالي الأول بين أيديكم، أودّ أنْ أسرد فيه قصةً قد حدثتْ لي من زمنٍ بعيد عندما كنتُ شابة صغيرة، كنت أسكن في بيتِ أبي رحمه الله، كنّا نذهب إلى مدينة بربر، وهي إحدى مدن شمال السودان، وهناك يجري النيل والزرع والخضرة والوجه الحسن والجمال الطبيعي والانطلاق في الطبيعة دون قيود.

تعرفت إلى فتاةٍ تماثلني في العمر تقريبًا، وكنا نقضي مع بعضنا الساعات بين ضحكٍ ومرح ومعنا إخوتها الصغار، وهي تسكن بجوار بيت عمي عبد الله رحمه الله، وبين البيتين فتحة في الجدار يدخلون بها بيوت بعضهم البعض تسمى في السودان (خوخة)؟

تمضي الأيام الجميلة سريعًا، ونرجع إلى حيث نسكن في مدينة بورتسودان ميناء السودان ومهبط الحب والألم، ونتواصل بالرسائل الممتلئة بالأشواق والحكايات النسائية، وكلما تباعدت الأيام قلّتْ الرسائل حتى شغلتنا الدنيا الواسعة، وانقطعت الرسائل بيننا مع وجود محبة وتقدير في النفوس. وسمعت من الناس بزواجها، ثم تزوجتْ أنا، ومع الإنجاب لم أعد أذكر مَنْ أنا!

تمرًُ بنا السنوات، وفي يومٍ ما زارتنا قريبةٌ لنا من بعيد وقد أتتْ معها شابة جميلة المحيا حلوة القسمات بشوشة هاشةٌ باشةً، وسلمنا بتهذيب، لكن ملامحي المتطلعة المتسائلة قد كشفتني، فسمعتها تهمس لقريبتنا قائلة:

- ما عرفتني؟

انسحبتُ سريعًا من المكان، وتركت أهلي يجالسنهن، هرولت إلى أقرب دورة مياه، وتوضأتُ (تصرف غريب أليس كذلك؟!)، لقد أحسستُ بالحرج، ولم أستطع سؤالها مباشرةً وأنا أراها فرحةً بنا، وقد أصرت على قريبتنا أن توصلها إلينا، وهي آتية من بلدة أبي، لحظتها لم يخطر في بالي غير الصلاة للتخلص من الحرج، سيقول قائل: وما دخل الصلاة بذلك؟ لا أدري، لكنه ما حدث، صليت ركعتين خفيفتين بقصار السور، وفي أثناء الصلاة تذكرت اسمها الثلاثي، نعم تذكرتها، كنتُ أعلم أنّ الشيطان لن يدعني أكمل النافلة، وسيفضل تذكيري بأمر دنيوي حتى لا أحظى بأجر الصلاةِ كاملة.

نعم، تذكرتها كفلق الصبح، لقد كانت صديقتي التي تعرفتُ بها في مدينة بربر فجريت إليهم لأستدرك الحرج الذي حدث، فقالت والحزن يغلّف ملامح وجهها الجميل:

- لا، ما عرفتني.

فحاولتُ أُلطف الجوَّ بقليل مزاح، فجاء ممجوجًا لا طعم له، لم أرها بعدئذ، لكنني سمعتُ عنها، وأنّها زوجة أصيلة ساعدتْ زوجها في تحسين وضعه الاقتصادي، واجتهدت في ذلك، حيث سافرت معه إلى السعودية، واشتغلت بالأشغال النسائية الفنية، ومع أنها اعمال لا تحتاج إلى شهادات جامعية، لكنها مربحة، وبذلك تحسن وضعها وأبناءها، هكذا فقط، تابعتُ أخبارها من بعيد، بعد أن تسببتُ لها في خيبة أملٍ غير مقصودة.

صحيح أنّني فقدتها، لكنني لم أفقد كل شيء، حواء والدة كما يقولون.

ماذا كنتَ تفعل لو كنتَ مكاني؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميلة ورائعة احساس عالى مشاعر صادقة دمتى مبدعة 👏
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة