النزعة العقلية في التراث العربي مقارنة فلسفية بين ابن المقفع والجاحظ ودور العقل في المعرفة

يُعد العقل في التراث العربي الإسلامي من المباحث الخلافية التي أسالت كثيرًا من الحبر؛ إذ اختلف الدارسون في تحديد هذه النزعات العقلية التي رصدوها في الفلسفة والأدب وتتبَّعوها في علوم اللغة وفي الفقه وفي علم أصول الدين. ويبدو أنَّ هذه النزعة العقلية في التراث العربي قد وجدت طريقها إلى الثقافة العربية الإسلامية بعد توسُّع العالم الإسلامي القديم، ودخول شعوب أخرى من غير العرب إلى الإسلام، ليحصل التلاقح الحضاري في الثقافة الإسلامية حينًا والتصادم أحيانًا أخرى، ولينتهي العقل إلى مآلات مختلفة بعضها إشادة وإعلاء وبعضها إدانة واتِّهام.

ومن الواضح أنَّ الجذور العقلية في الأدب العربي تعود إلى القرنين الثاني والثالث للهجرة، مع علمين من أعلام النثر العربي انخرطا في حركة الترجمة في العصر العباسي والتدوين والكتابة وانفتحا على «علوم الأوائل» وأفادا منها هما: عبد الله بن المقفَّع (106-142هـ)، وأبو عثمان الجاحظ (159-255 هـ). إذ اشترك الرجلان في خصائص واختلفا في أخرى سنحاول تبيُّنها في هذا الإيجاز بعقد مقارنة بين ابن المقفع والجاحظ.

المشتركات بين ابن المقفَّع والجاحظ (جيل التأسيس)

على الرغم من اختلاف زمنهما قليلًا، فإن الرجلين يمثلان حجر الزاوية في الفكر العربي القديم وتأسيس النثر الفني.

  • الانحياز للنثر

يُعد الكاتبان من روَّاد النثر العربي؛ إذ لم يخلِّفا فيما كتبا أيَّ شعر. بل إنَّ انحيازهما للنثر في مواجهة الشعر كان جليًّا في أسلوب الكتابة وفي المواقف، فهذا ابن المقفع يقول عندما سُئل: لم لا يكتب الشعر؟ «الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه». ويلتقي مع الجاحظ في اعتبارهما أن الشعر خاصٌّ بالعرب، بينما يمكنك أن تخاطب بالنثر كلَّ العقول وكلَّ الأمم على اختلاف ألسنتها؛ ذلك أنَّ النثر في نظرهما أقرب إلى العقل والتمحيص من الشعر الذي يظلُّ محكومًا بالانفعالات والعواطف، وهو أقرب إلى الوجدان منه إلى العقل.

  • الانفتاح الحضاري وحركة الترجمة

من المشتركات بين الرجلين أيضًا انفتاحهما على ثقافات أخرى، فقد ترجم ابن المقفَّع درَّة من درر الحكمة القديمة ألا وهي كتاب (كليلة ودمنة) الذي يعد عصارة تفاعل ثلاث حضارات: الهندية والفارسية والعربية الإسلامية، وهو ما يبرز أثر الحضارات الهندية والفارسية في فكر ابن المقفع.

في حين أقام الجاحظ في دكاكين الورَّاقين وفي مكتبة بغداد؛ ليواكب حركة الترجمة في العصر العباسي التي نشطت في عصره، وليطَّلع على كلِّ دخيل وافد ويستفيد منه، حتَّى إنَّنا نجد أثر الفيلسوف اليوناني أرسطو في كتبه ما يظهر عمق التلاقح الحضاري في الثقافة الإسلامية. وإلى ذلك فقد جعل من تجارب الأمم السابقة وآدابها مصدرًا من مصادر المعرفة عنده، وبذلك يمكن اعتبار الرجلين من الجيل المؤسِّس في الثقافة العربية الإسلامية قديمًا.

  • تعريف العقل (الفطري والمكتسب)

يعد ابن المقفع والجاحظ العقل هو «أعدل الأشياء قسمة بين الناس» وكادا يعرِّفان الإنسان على أنَّه ذلك «الحيوان العاقل الناطق». فالجاحظ يصنِّف الإنسان بكونه «دليلًا مستدلًا ناطقًا» والحيوان والجماد «أدلَّة صامتة غير مستدلَّة». وفي هذا الإطار ميَّزا بين نوعين من العقل، وهما:

  1. العقل الفطري (Innate Reason): وهو تلك الملكة أو الآلة التي وهبها الله للإنسان، وعلى أساسها استخلفه في الأرض وميَّزه على سائر الكائنات.

  2. العقل المكتسب (Acquired Reason): الذي يطوِّره الإنسان من خلال تجاربه في الحياة ومطالعاته ومعارفه.

وفي ذلك يقول ابن المقفَّع: «العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب وتقويه التجارب»، وفي الحالتين فإنَّ العقل عندهما هو المحدِّد أنطولوجيًا (وجوديًّا) ومعرفيًّا للإنسان، مما يؤكد اهتمام الفلسفة العربية الإسلامية بهذا الثنائي.

  • الفرق العقل الفطري والعقل المكتسب؟

العقل الفطري هو ملكة فطرية يولد بها الإنسان، أما العقل المكتسب فهو الذي يطوره الفرد بالتعلم والتجارب والمطالعات، وقد ميّز بينهما كل من ابن المقفع والجاحظ.

تأثير الترجمة في الأدب العربي

  • الاختلاف بين العِقال الأخلاقي والشك المعرفي

على الرغم من اشتراك ابن المقفع والجاحظ في كثير من المنطلقات التأسيسية، فإنَّهما اختلفا في تصوُّر وظائف العقل وأبعاده، وهذا هو الفرق بين تصور الجاحظ للعقل وتصور ابن المقفّع.

  • العقل عند ابن المقفّع (البعد العملي)

ظلَّ العقل عند ابن المقفّع محكومًا بمرجعياته الثقافية الهندية الفارسية الوافدة، فهو يختزله في أبعاده العملية اجتماعيًّا وسياسيًّا. فالعقل عنده مجرَّد «عِقال» يكبح جماح النفس، ويتحكَّم في الغرائز، ويوجِّه السلوك، إذ «لا ينفع العقل بغير وَرَع» في نظره، ولا ينفع علم بلا عمل في تصوُّره. هذا يؤكد دور العقل الفلسفي في التراث العربي الإسلامي كونه أداة تهذيب.

  • العقل عند الجاحظ (البعد المعرفي والجدلي)

يتَّسع العقل عند الجاحظ لمهامَّ أبعد من الأخلاق والسلوك قد تصل حدود المعرفة والتدبُّر والاعتبار. فهو عنده مصدر من مصادر المعرفة في قوله: «إنَّما يُعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق، وبالسنة المجمع عليها، والعقول الصحيحة». بل هو وسيلة منهجية نمارس بها الشكَّ والنقد والتمحيص في الأخبار والمرويَّات من أجل بلوغ اليقين، ما يؤكد انتماءه إلى مدرسة الشك النقدي، وهو ما يتجلَّى في رأيه حين يدعونا إلى «تعلُّم الشكِّ في المشكوك فيه تعلُّمًا».

الجاحظ لم يحصر العقل في هذه الأبعاد العملية، بل حاول تأصيله ونزَّله في رؤية عربية إسلامية أصبح معها العقل وسيلة دفاع وإقناع في سياقات الجدل الكلامي والمذهبي والعقائدي، وجعل النزعة العقلية استجابة للدعوة القرآنية للتدبُّر والاعتبار والنظر في الكون وفي الموجودات من خلال تواتر آيات مثل «أفلا تعقلون؟ أفلا تُبصرون؟ أفلا ينظرون».

الفرق بين تصور الجاخظ للعقل وتصور ابن المقفع

دور الجاحظ في ترسيخ العقلانية في الثقافة الإسلامية

واستنادًا إلى ما تقدَّم نتبيَّن أنَّ هاجس ابن المقفَّع كان محاولة تأسيس الأخلاق على العقل؛ فنزع العقل عند ابن المقفّع منزعًا عمليًّا نفعيًّا، في حين وسَّع الجاحظ آفاق العقل ليتحوَّل إلى عقل معرفي من جهة، واعتباري من جهة أخرى. ويُحسب لجهود الجاحظ دورها الكبير في ترسيخ مفهوم دور العقل في المعرفة ضمن الأدب والكلام.

العقل في الثقافة العربية الإسلامية

هنا نجيب عن أبرز التساؤلات حول العقل في الثقافة العربية الإسلامية:

  • كيف أثّرت الترجمة في النزعة العقلية في الأدب العربي؟

  • ساعدت حركة الترجمة في العصر العباسي على انتقال علوم الأوائل (الهندية والفارسية واليونانية)، مما وفر الأدوات والمفاهيم الفلسفية التي اعتمد عليها رواد مثل ابن المقفع والجاحظ لتأسيس النزعة العقلية في الأدب العربي.

  • ما الفرق بين تصور الجاحظ للعقل وتصور ابن المقفّع؟
  • تصوّر ابن المقفع للعقل كان عمليًا وأخلاقيًا (عِقال يكبح النفس)، في حين تصور الجاحظ كان معرفيًّا وجدليًّا (أداة للشك والنقد في الأخبار).

  • كيف نشأت النزعات العقلية في الثقافة العربية الإسلامية؟
  • نشأت نتيجة التلاقح الحضاري ودخول شعوب غير عربية في الإسلام، إلى جانب الاستجابة للدعوات القرآنية للتدبر، وتمت بلورتها عبر التراث الفلسفي الإسلامي في مرحلة الترجمة والتدوين.

أثر الجاحظ وابن المقفع في تأسيس العقلانية العربية

وفي الحالتين يُحسب لهذين العَلَمين فضلهما في تأسيس الجذور العقلية في الأدب العربي في تراث ظلَّ محكومًا لقرون بسلطة النصِّ والمرويِّ. ويُحسب لهما جهدهما الكبير في مرحلة ناصعة من تاريخنا هي مرحلة الترجمة والكتابة والتدوين التي شكَّلت ملامح الثقافة العربية الإسلامية قديمًا، وجعلت منها نموذجًا للانفتاح على الآخر وهضمه والاستفادة منه في حوار حضاري لا يقصي الوافد، ولا يُغلق النوافذ دونه. لقد قدّم لنا الفكر العربي القديم إطاراً فريداً لفهم دور العقل الفلسفي في التراث العربي الإسلامي، بفضل رواد مثل الجاحظ وابن المقفع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة