دور النحل في الطبيعة: ولماذا يُعد حارس التوازن البيئي؟

يعد نحل العسل أداة رصد بيئي حيوية عالية الدقة، فتكشف تحليلات جثث النحل وشمع العسل وحبوب اللقاح عن بصمة كيميائية دقيقة للملوثات، بما في ذلك المعادن الثقيلة وبقايا المبيدات الحشرية. وتتفوق خلية نحل واحدة في قدرتها على مسح وتغطية مساحات واسعة بتكلفة زهيدة، مقدمةً بديلًا فعالًا لمحطات مراقبة الهواء التقليدية، مع كون شمع العسل سجلًا تراكميًا يوثق مستويات التلوث على مدى سنوات طويلة.

في هذا المقال نسلِّط الضوء على دور النحل في رصد الملوثات البيئية كالمعادن الثقيلة والمبيدات، ونستعرض أبرز الدراسات العالمية المؤسِّسة لهذا المجال الحيوي.

في ظل التقدم العلمي المستمر جيلًا بعد جيل، برز نحل العسل بوصفه مؤشرًا حيويًا مثاليًا، إذ يمتلك خصائص فريدة تجعله قادرًا على عكس الحالة البيئية للمنطقة التي يجمع منها غذاءه، وتتجلى أهمية النحل للبيئة في قدرته على تقديم صورة دقيقة للسلامة البيئية، ولذا ففوائد النحل للبيئة تتجاوز كونه منتجًا للعسل إلى كونه حارسًا طبيعيًا. 

ما هو دور النحل في الطبيعة؟

يؤدي النحل دورًا محوريًا في النظم البيئية، حيث لا تقتصر وظيفته على إنتاج العسل، بل يُعد من أهم الملقِّحات النباتية. إذ يعتمد أكثر من ثلث الغذاء الذي يستهلكه البشر على التلقيح الذي تقوم به هذه الحشرات، ما يجعل وجودها ركيزة أساسية لاستدامة الحياة النباتية والتنوع البيولوجي على كوكب الأرض، فهي المهندس الصامت الذي يحافظ على استمرار دورة الحياة النباتية.

كيف يساعد النحل في تحقيق التوازن البيئي؟

يسهم النحل بفاعلية في تحقيق التوازن البيئي بتعزيز التنوع النباتي؛ فبفضل عملية التلقيح، يضمن النحل بقاء وازدهار كثير من الأنواع النباتية البرية والزراعية، ما يوفر موائل ومصادر غذائية للكائنات الحية الأخرى. هذا التفاعل المستمر يخلق حلقة وصل حيوية تضمن استمرارية السلاسل الغذائية واستقرار النظم البيئية بمختلف أنواعها.

يسهم النحل بتلقيح النباتات واستقرار النظم البيئية

الخصائص الفريدة للنحل

في كل صباح، تخرج أعداد هائلة من النحل من مساكنها، قاطعةً عدة كيلومترات لتجمع الرحيق والماء، وتعود به إلى خليتها لتطعم يرقاتها وتخزِّن العسل الذي يمثل مخزونها للشتاء الذي يشاركها به الإنسان الذي عرف على مر التاريخ فوائد صحية كثيرة للعسل الطبيعي.

وعلى الرغم من معرفة البشر بفوائد النحل كحشرة تلقيح، وفوائد العسل كمادة علاجية مفيدة، فإن قليلًا منهم يعلمون أن هذه الحشرة هي دليل بيئي متنقل يعطينا بصمة بيئية عن المكان الذي تزوره بمائه وهوائه وتربته، ما يوضح كيف يؤثر النحل في البيئة كونه مراقبًا دائمًا. 

وقد تنبه العلماء إلى أهمية النحل في مراقبة التلوث البيئي، ولا سيما أن لدينا أعدادًا هائلة من النحل تغطي مساحات شاسعة، وهي غير مكلفة، تطير لمسافات طويلة وتجلب الماء والرحيق وتجمع حبوب اللقاح بفضل الزوائد الشمعية لأرجلها.

وقد كان للنحل منذ عام 1962 دور مهم في مراقبة التلوث البيئي بالعناصر الثقيلة والمبيدات والمواد المشعة، واستُعمل النحل ومنتجاته كمؤشر للتلوث بالعناصر الثقيلة (Yarsan et al., 2007). فجميع مكونات البيئة من تربة وماء ونبات وهواء يقوم النحل بزيارتها وأخذ عينات منها والرجوع للخلية (Conti, M.E., & Botrè, F., 2003).

دراسات مختارة في الرصد الحيوي

استخدم كثير من الباحثين نحل العسل ومنتجاته كدلائل حيوية للتلوث البيئي في المكان الذي تطير فيه النحلة. وقد وجد العلماء (Celli, 1983; Porrini et al., 2002) أن النحل يعمل أنه كاشف بيئي بطريقتين:

  • الأولى: بعدد الوفيات المرتفعة لحشرات النحل وتحليل أجسام النحل الميتة.
  • الثانية: بالأثر المتبقي للمبيدات والمعادن الثقيلة في العسل وحبوب اللقاح والشمع.

وبناءً على ذلك، بدأت مشروعات بحثية تعتمد على تحليل أجسام النحل الميتة، والعسل، وشمع العسل، وحبوب اللقاح لرسم خرائط التلوث البيئي وأماكن تركز المعادن الثقيلة والمبيدات الحشرية وأنواع الملوثات في الغبار.

ومن بين الدراسات التي قام بها العلماء في هذا المجال، دراسة قام بها بعض الباحثين في فرنسا (Chauzat et al., 2006) لبقايا المبيدات في جثث النحل الميت، وقد أظهرت النتائج وجود بقايا لمبيدات حشرية في غالبية العينات التي تم فحصها، وتم اكتشاف 16 مبيدًا حشريًا مختلفًا في العينات، وكان المبيد «إيميداكلوبريد» (Imidacloprid)، وهو من فئة النيونيكوتينويد المثيرة للجدل، من بين الأكثر اكتشافًا في حبوب اللقاح وجثث النحل.

وكانت النتيجة الأكثر أهمية هي أن كثيرًا من العينات، لا سيما من الخلايا المنهارة، احتوت بقايا أكثر من مبيد في الوقت نفسه، قد يصل إلى 4 أو 5 مبيدات مختلفة في العينة الواحدة. هذا المزيج، حتى بجرعات منخفضة غير مميتة لكل مبيد على حدة، يمكن أن يكون له تأثير تآزري سام ومميت للنحل.

وأثبتت الدراسة بوضوح وجود علاقة قوية بين وجود هذه الخلطات من المبيدات في جثث النحل الميت وارتفاع نسبة انهيار الخلايا، ما يجعل تحليل النحل الميت أداة تشخيصية قوية. ويشبه النحل الأرشيف؛ كونه يبقى في الخلية سنوات ويمتص المركبات الكيميائية المتطايرة في الهواء ويخزنها، ويمكن منه الاطلاع على التغيرات التي حصلت في مستويات التلوث على مدى سنوات.

وفي دراسة أخرى أُجريت في 6 أحياء متنوعة داخل مدينة فانكوفر (Vancouver) الكندية (Smith et al., 2019)، شملت مناطق صناعية وزراعية وسكنية ووسط المدينة، قام فريق من جامعة كولومبيا البريطانية (UBC) بتحليل عينات عسل من خلايا نحل حضرية.

وقد أعطت الدراسة نتائج بوجود تركيزات رصاص في العسل، لكنها كانت أقل من الحدود الصحية المسموح بها. وقد اكتشف العلماء مصدر هذا الرصاص الذي نُسب إلى وقود وزيوت السفن في المنطقة القريبة من الميناء، أما الأحياء السكنية القديمة فقد كانت مصادر الرصاص من الدهانات القديمة في المباني، وأما المناطق الزراعية المجاورة، فعُثر على رصاص يعود مصدره إلى مبيدات قديمة كانت تستخدم في البساتين.

وقد نجح الباحثون في إنتاج خريطة لمدينة فانكوفر توضح مصادر التلوث المختلفة بالرصاص، ليس عبر تركيب مئات المحطات، بل فقط بمتابعة أين ذهب النحل.

ولم يكتفِ العلماء بالعسل، بل درسوا حبوب اللقاح؛ فالنحلة تجمع حبوب اللقاح من مساحة واسعة، تلتقط معها جزيئات التلوث الدقيقة، ما يجعل حبوب اللقاح التي تعيدها للخلية خريطة متكاملة للمنطقة المحيطة.

كشفت الدراسات أن النحل مؤشر فعال لرصد التلوث البيئي

وقد أُجريت دراسة في فرنسا (Lambert, O. et al., 2012) تم فيها اختيار 18 موقعًا تختلف في درجة التلوث: مناطق قريبة من طريق سريع مزدحم، مناطق حضرية، مناطق قريبة من مصنع قديم لمعالجة الرصاص، ومناطق ريفية معزولة كمجموعة ضابطة.

ووضع الباحثون خلايا نحل في هذه المواقع، وجمعوا عينات من حبوب اللقاح التي يجمعها النحل من مداخل الخلايا للمقارنة. وقد جمع الباحثون أيضًا عينات من العسل والنحل الحي، ووجد العلماء أن حبوب اللقاح هي المؤشر الأكثر دقة.

كانت النتيجة الأهم هي أن تركيز الرصاص في حبوب اللقاح كان الأعلى والأكثر وضوحًا مقارنة بالعسل أو حتى أجسام النحل نفسه؛ وهذا يؤكد أن حبوب اللقاح ممتازة في التقاط الجسيمات الملوثة والتصاقها بها. 

وقد أظهرت الدراسة علاقة واضحة جدًا؛ كلما كانت الخلية أقرب إلى مصدر التلوث (كالطريق السريع أو المصنع)، ارتفع مستوى الرصاص في حبوب اللقاح كثيرًا. وهذا سمح للباحثين برسم خريطة دقيقة لشدة التلوث حول كل موقع، وقد أثبتت الدراسة أن خلية نحل واحدة، بتحليل حبوب اللقاح التي تجمعها، تغطي مساحة تعادل عمل عدد كبير من محطات رصد الهواء التقليدية، وبتكلفة أقل بكثير.

ولم يغفل العلماء عن شمع العسل كونه مادة دهنية تحتفظ بالمبيدات سنوات طويلة، ما يجعله سجلًا تراكميًا للتلوث في البيئة المحيطة بالخلية. وقد جمع بعض العلماء (Chauzat, M. P. et al., 2011) عينات من شمع العسل من عدة دول أوروبية، وحللوا الأثر المتبقي للمبيدات في هذه العينات باستخدام تقنيات متقدمة، وكانت النتائج صادمة، فقد وجدوا أن 99.6% من العينات المفحوصة احتوت على بقايا مبيد واحد في الأقل، وهذا يعني أن التلوث بالمبيدات في شمع النحل ظاهرة شبه عالمية في القارة الأوروبية. 

وقد اهتم العلماء بشمع العسل بشكل أكبر من العسل الذي يتم إنتاجه واستهلاكه بسرعة، أو النحل الميت الذي يظهر تلوثًا حادًا، لأن الشمع يبقى في الخلية سنوات، والمبيدات المحبة للدهون تتراكم فيه طبقة بعد طبقة؛ لذلك يعمل الشمع جهاز تسجيل يوثق تاريخ تعرض الخلية للملوثات على المدى الطويل، وهو ما لا تستطيع المواد الأخرى فعله بنفس الدقة.

هل تُسهم النحلات في حماية البيئة؟

نعم، فهي تعمل كشافًا حيويًّا مبكرًا للتلوث. فكل مكان تزوره النحلة تحمل منه عينات بيئية مصغرة.

ماذا يحدث لو اختفى النحل من البيئة؟

يؤدي اختفاء النحل إلى اضطراب حاد في الأمن الغذائي العالمي؛ فغياب الملقحات يعني تراجع إنتاجية المحاصيل الزراعية، وعلى هذا نقص الموارد الغذائية الأساسية. 

إضافة إلى ذلك، فإن اختفاءها سيسبب انهيارًا في النظم البيئية، حيث ستفقد النباتات التي تعتمد على التلقيح قدرتها على التكاثر، ما يؤدي إلى تدهور الغطاء النباتي وانقراض كثير من الأنواع الحيوية التي تعتمد على تلك النباتات، وهو ما يهدد التوازن الطبيعي بالكامل.

لا بدّ لنا أن نسأل أنفسنا: هل يعيش الإنسان بخير لو اختفى النحل؟

إن جوابنا عن هذا السؤال يجب أن يتجاوز سذاجة التفكير بالنحل كحشرة عادية وبالعسل كمادة حلوة المذاق، وأن ننظر للنحل أنه مؤشر حيوي يظهر حالة البيئة بصفتها محطة رصد مجانية، وهذا ما يجعل الإنسان والمنظمات البيئية مطالبين بالاستثمار به، ومتابعة الدراسات المرتبطة بالتلوث البيئي بمساعدة النحل، والمحافظة عليه وزيادة أعداده.

ومن واجب البلديات والهيئات البيئية، حتى الأفراد -كتوصية- وضع خلايا نحل في مناطق مختلفة وتحليل حبوب اللقاح دوريًا للحصول على نظام إنذار مبكر منخفض التكلفة وعالي الدقة لرصد التلوث بالمبيدات والمعادن الثقيلة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة