ما بين النجاح والإنجاز.. رؤية فلسفية وإنسانية

في محاولة العثور على جواب لسؤال: «من هو الشخص الناجح في الحياة؟» تذكرت أيام الطفولة حينما كانوا يخبروننا بأن الشخص الناجح هو الطبيب أو المهندس أو رجل الأعمال الغني، أي إنه الشخص ذو الوظيفة المرموقة والدخل الجيد، وأن أولى الخطوات على سلم النجاح هي التفوق الدراسي، إضافة إلى أنه كلما زادت إنجازاتك في الحياة، انطبقت عليك صفة الناجح.

مع بلوغي السابعة عشرة، في حين كنت لا أزال ابنًا جيدًا وصديقًا رائعًا راضيًا كليًا عن حياتي المتواضعة، تكونت في ذهني صورة خاطئة بفعل البيئة المحيطة بي عن الشخص الناجح، ألا وهو الفرد الذي يحصل على أعلى الدرجات الأكاديمية في سنين دراسته، ويرتقي في سلم المناصب العليا، وتتحدث عنه الصحف والقنوات باستمرار على أنه نموذج يُقتدى به، فضلًا على نجاحه في الارتقاء بمستوى معيشته. وعلى هذا الحال، اتخذت قراري بأني سأمضي في هذا الطريق للوصول إلى مجد النجاح.

أخذت حياتي، على الرغم من صغر سني، تتأرجح بين أعلى الدرجات والمراكز في الحياة الأكاديمية ووظائف ذات دخل مرتفع، وإنجازات تُكتب في الجرائد والمواقع الإخبارية، وأعين تنظر إليَّ بإعجاب وذهول، وأمهات تتمنى أن يصير أولادها مثلي. لكن، وفي المقابل، كنت أشعر بأني أفقد تدريجيًا جزءًا مني، مثل سعادتي، وعلاقتي الجيدة بأصدقائي وبعائلتي.

أصبحت أرى قضاء الوقت مع الأصدقاء والأسرة مضيعة للوقت، وأنه يجب استغلال هذا الوقت في إنجاز شيء جديد، لدرجة أني صرت أرى أن النوم مضيعة للوقت أيضًا، وأنه ويجدر استغلالُ تلك الساعات في الإنتاجية، حتى أصبح لدي هوس بالإنجاز. لم أعد قادرًا على البقاء مدة أسبوع كامل من دون تحقيق شيء جديد. بمرور الوقت، كنت أشعر بأني أتحول إلى آلة خالية من العواطف، لا تعبأ إلا بإنتاج المزيد والمزيد.

من المنظور النفسي، يوجد مصطلحان يفسران جيدًا تلك الحالة. الأول هو «دوامة اللذة» الذي يعني الوقوع في دوامة السعي لتحقيق إنجازات أكبر في كل مرة عن سابقتها فقط للشعور بالرضا والسعادة بعد أن يصبح الإنجاز مجرد عادة، حتى يتحول الأمر هنا إلى إدمان يضاهي إدمان المخدرات والكحول. والثاني هو «التفريغ العاطفي» الذي يعني استهلاك الموارد العاطفية والنفسية نتيجة السعي المفرط وراء الإنتاجية.

في أثناء تلك المدة، كانت علاقتي بالجميع في أسوأ مراحلها، إذ لم أعد الابن الجيد ولا الصديق الرائع. لم أعد أفكر إلا في شيء واحد طول الوقت: الإنجاز، مزيد ومزيد منه. وفي مرحلة ما، توقفت هُنيهة وسألتُ نفسي: «هل أنا شخص ناجح في الحياة؟ إن الجميع راضون عني، ولكن هل أنا راضٍ عن نفسي؟».

الغريب هو أني لم أكن أشعر بأي قدر من السعادة بعد تحقيق نجاح أو إنجاز جديد. وتذكرت كيف كانت تغمرني السعادة فقط حين كنت أذهب لأتسكع مع الأصدقاء، أو أجلس مع العائلة ونلعب وندردش معًا، أو فقط أشاهد فيلمًا وأستمع إلى الموسيقى. لاحظت كيف تسلب الإنتاجية والسعي إلى الإنجاز جماليات الحياة البسيطة منا، وتحول مفهومها إلى تفاهات تعرقل النجاح.

كان أرسطو يرى في كتابه «الأخلاق النيقوماخية» أن الحياة الجيدة -التي تعني في سياقنا هنا النجاح- تتحقق بتفتح الذات، أي عبر عيش حياة يسودها التعقل وتنمية الفضائل، وأن المال، المنصب، الشهرة، الصحة الجيدة هي أشياء ضرورية لتحقيق الحياة الجيدة، لكنها ليست الحياة الجيدة نفسها. وبما أن الحياة الجيدة في نظر أرسطو تتحقق عبر تنمية الفضائل الإنسانية، فإن العلاقات هي أرض خصبة للفضيلة. العلاقات ليست إضافة ممتعة للنجاح فقط، بل هي جزء أصيل من تعريف الازدهار الإنساني وأساس ممارسة الفضيلة. وأن النجاح هو أن تكون إنسانًا كاملًا، لا آلة إنجاز.

توجد في اللغة الإيطالية عبارة يرددها الإيطاليون كثيرًا، وتترجم إلى العربية: «حلاوة عدم القيام بشيء». كأن تستمتع باحتسائك القهوة، أو بقراءة كتاب ما، أو بالتجول في الشوارع دون هدف، دون الشعور بالذنب أو قلق الحاجة إلى الإنجاز والإنتاجية. والاستمتاع بهذه التفاصيل البسيطة هو نجاح في حد ذاته. تكمن في تلك العبارة الصغيرة فلسفة عظيمة حقًا، ألا وهي أن قيمة الحياة تكمن في اللحظات والتفاصيل الصغيرة التي يتم تجاهلها عند السعي المفرط للأهداف الكبرى البعيدة.

مع بلوغي سن الحادي والعشرين، أدركت كم كنت مخطئًا في تقديراتي، وأن النجاح ليس فقط إنجازات وإنتاجية. وعلى الرغم من كل ما حققته، فإنه لا يُحتسب نجاحًا في الحياة بتاتًا، بل وتيقنت من فشلي الذريع فيها، إذ أدركت أن النجاح الحقيقي في الحياة يعني نجاحك في علاقاتك الإنسانية، بين الأسرة والأصدقاء وشريك حياتك، ونجاحك في الاستمتاع بما حولك، فالشخص الذي يعيش في أسرة متقاربة دافئة، وبين أصدقاء منسجمين سويًا، ومع شريك يكترث لأمره ويبادله الحب، هو من يجدر أن يُطلق عليه صفة «ناجح في الحياة».

أدركت أن كل الأشياء التي تجاهلتها لكي أصبح ناجحًا، كانت هي نفسها الأمور التي تجعل منك شخصًا ناجحًا. كل التفاصيل البسيطة التي حسبتها تفاهات تقف في طريق النجاح، كانت هي الجواب الذي لطالما فتشت عنه الذي توصلت إليه قبل فوات الأوان. والنجاح الحقيقي هو رضاك عن نفسك، وليس رضا الآخرين عنك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة