أزمة الهوية الحديثة: استراتيجيات استعادة الذات في عالم السوشيال ميديا

في هذا العصر تطور كل شيء بسرعة خارقة كسرعة صاروخ عابر للقارات، تطورت الدنيا كثيرًا إلى الحد الذي جعل جيلًا كاملًا لم يتجاوز الثلاثين من عمره يشكو من كل شيء حوله؛ نعم هو شاب في ريعان الشباب، في حين يعاني من الضغط والسكر والأملاح، فقط ينقصه بعض الزيت ويمتلك حصة تموينية كاملة.

والآن نحن نمتلك جيلًا كاملًا، أو على الأقل جزءًا كبيرًا من الجيل، مصابًا باكتئاب حاد وتذبذب وتخبط وشعور طاغٍ بانعدام الذات والهوية، ووسائل التواصل الاجتماعي مليئة بهذه النماذج، بل إنها ربما لا تحوي إلا هذه النماذج؛ لأن النماذج الناجحة غالبًا وبطبيعة الحال لن تجد وقتًا لفيس بوك وتيك توك وتويتر، الذي تحول إلى «إكس» مؤخرًا.

فيمكنك بكل سهولة ملاحظة أطنان الحيرة والتشتت والاكتئاب التي تنهمر على رأسك فور فتح موقع من مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يتفتت العالم عندها إلى أجزاء صغيرة ومتباينة.

تتفاقم أزمة الجيل الرقمي حين تقوده المقارنة والاستهلاك والاغتراب إلى فقدان هويته، بينما يُستعاد التوازن عبر تقليل التعرض الرقمي وبناء قيمة ذاتية قائمة على الواقع لا المظاهر.

الاغتراب الرقمي: سد فجوة الهوية

أحدها ذلك الجزء الذي يغرق في بحر من اللاشَيء، وهو مجموعة من الأشخاص الذين يشعرون بالعدم، فهم لا يجدون في هذا الكون الواسع شغفًا لأي شيء، ويشعرون أنهم لآلئ في قاع الدنيا قد ابتلعتهم أصداف الظروف، وكلهم بلا استثناء يشعرون أن الظروف قد مرت عليهم حرفيًا كمدرعة حربية، فلم تترك منهم شيئًا.

وهذا الجزء يشعر بداخله، وبدون أي شك، أنه عبقرية منسية لم تجد من يقدرها، ونظرًا لذلك قرر أن يعاقب المجتمع بأن يقضي ما تبقى من عمره في إشعارنا كم خسر العالم لعدم تقديره، وكم خسر الكوكب والمجموعة الشمسية والكون بإهمال عبقريته الخارقة.

كيف تستعيد اتصالك بواقعك؟

  • العودة للأصل: خصص وقتًا يوميًا لممارسة أنشطة يدوية أو حركية بعيدًا عن الشاشات.
  • تصفية المتابعات: الغِ متابعة الحسابات التي تجعلك تشعر بالاغتراب عن واقعك.
  • الصدق الرقمي: توقف عن تجميل اللحظات البائسة خلف فلتر السعادة.

خصص وقتًا يوميًا لممارسة أنشطة يدوية أو حركية بعيدًا عن الشاشات

فخ المقارنة: ترميم تقدير الذات

ثم إن قررت أن تنتقل إلى الجانب المشرق، قرر هو أيضًا أن يشرق في عينك حتى يعميك تمامًا، لدرجة أنك ستحتاج بعد ذلك إلى معقم للعين، ليس وكأن كل ما في هذا الجانب مشرق بالفعل، لكن توجد أنواع أخرى من المحتويات أسوأ من الحزن والاكتئاب، بل ربما تكون هي سبب أساسي من أسباب الحزن والاكتئاب، كمحتوى بعض من يطلقون على أنفسهم «بلوجر» أو «إنفلونسر».

ولا أدري أي نوع من الفائدة يمكن أن يأتي من أشخاص يعرضون حياتهم بكامل تفاصيلها على مرأى ومسمع من الجميع، وبماذا يستفيد العالم من معرفة ماذا فعل «عدنان ولينا» في «الشوبينج»، أو أي لون قد اختاراه لسجاد بيتهما الجديد.

3 قواعد للنجاة من الفخ

إن المقارنة هي اللص الذي يسرق بهجة إنجازاتك الصغيرة، حيث يضعك العصر الرقمي في سباقٍ وهمي مع «خوارزميات» لا تعرف التعب، مما يجعلك ترى حياتك نقصًا دائمًا أمام لقطات الآخرين المختارة بعناية. سأعطيك الآن 3 قواعد عن تجربة شخصية ستعينك على اتقاء هذا الفخ والخروج منه سالمًا:

  1. قاعدة «الكواليس»: تذكر دائمًا أن ما تراه على الشاشة هو «عرض المزايا» فقط.
  2. الامتنان المكتوب: دون ثلاث نعم في حياتك يوميًا لتركز على ما تملكه فعليًا.
  3. تحديد زمن التصفح: ضع حدًا أقصى لنشاطك الرقمي لتقليل فرص الغيرة الاجتماعية.

هوس المظاهر: استعادة الهوية من فخ الاستهلاك

ثم يوجد نوع ثالث، وهو الذي يحاول قدر ما يستطيع أن يتملص من هويته، وكأن هويته هي ما ستجعله شخصًا آخر، وليس ذاك الشيء الذي يسمى «أخلاقًا» على سبيل المثال، فنقول هذا مشروع صغير أو شركة ناشئة، لكن أخانا يصر على أنها «ستارت أب»، وكأن هذا سيسهم في ارتفاع الأسهم أو زيادة الأرباح مثلًا.

نقول سنعقد اجتماعًا، فيمتعض ويقرر أنه سيعقد «ميتنج»، ولسبب ما لا يعلمه إلا الله، يقرر أنه سيعقد الاجتماع من اليسار إلى اليمين، وكأن هذا سيغير شيئًا ما في عقليات المجتمعين، وهذا غيض من فيض، مع الأسف.

كيف تستعيد هويتك؟

لقد أصبحنا نشتري الأشياء لنشتري بها هويةً مستعارة، ظنًا منا أن المصطلحات الأجنبية و«البراندات» العالمية ستحولنا إلى نسخٍ أكثر رقيًا، بينما الحقيقة أن الأخلاق والوقار لا يحتاجان إلى قرضٍ بنكي أو لغة مهجنة. لكي تستعيد هويتك الحقيقة أنت مطال بثلاثة أمور:

  • فلترة المصطلحات: اعتز بلغتك؛ فكلمة «اجتماع» لن تنقص من قدرك المهني أبدًا.
  • القيمة مقابل العلامة: اسأل نفسك: «هل أشتريه لجودته أم لنظرة الإعجاب في عيون الآخرين؟».
  • الاستهلاك الواعي: توقف عن ملاحقة كل «ترند»؛ فالهوية تُبنى بالمواقف لا بالملابس.

توقف عن ملاحقة كل «ترند»؛ فالهوية تُبنى بالمواقف لا بالملابس

هوس التفرعات: حين تحول الستر إلى عبءٍ مالي وقرضٍ بنكي

ثم يوجد نوع رابع، وهو النوع الذي أحب تسميته بعاشقي التفرعات؛ فهذه ملابس خلقها الله لتؤدي مهمة واحدة، وهي ستر الإنسان ووقايته من مختلف الظروف، مع مراعاة أن يحافظ على نظافته ووقاره، فالله جميل يحب الجمال، ليتم لاحقًا إخراج الملابس من سياقها بدعوى الموضة، وتتحول إلى تجارة ومحتوى ومشروعات لا نهاية لها.

فهذا محتوى خاص بتنسيق الملابس، وهذا محتوى خاص بتنسيق ألوان الملابس، وهذا مصنع خاص بصناعة نوع واحد من الملابس، وهذا قرض من البنك الدولي ستحتاجه لشراء ملابسك في العام الواحد، وهذا... ما هذا؟ لا، هذا شخص أصيب بذبحة صدرية بعد رؤية أسعار الملابس، وهذا وهذا وهذا، وهلم جرًّا.

تشتت الجيل زد (Gen Z): حسم التخبط بين الأصالة والتقليد

السؤال الأهم الآن هو: ما الحل ليتحرر الجيل من قيود هذا العصر وتشتته واكتئابه وجنونه الذي لا ينتهي؟ يقف هذا الجيل على جرفٍ حاد بين إرثٍ قديم يراه قيودًا، وحاضرٍ رقمي يراه طوق نجاة، ليجد نفسه في النهاية مشتتًا بلا بوصلة واضحة، يقلد الجميع ولا يشبه أحدًا.

للانتقال من هذا التخبط بين إرث الماضي وصخب الحاضر، يحتاج جيل «زد» إلى منهجٍ عملي يعيد إليه صياغة ذاته بعيدًا عن الأنماط المعلبة. إليك مجموعة نقاط ترسم ملامح هذا المستقبل المستقل:

  1. الانتقاء الذكي للإرث: توقف عن رؤية الماضي عبئًا ثقيلًا، وباشر جديًا في أخذ «القيم الجوهرية» (كالوقار والصدق) ودمجها بأدوات العصر؛ فالأصالة ليست في شكل القالب القديم بل في روح المحتوى الذي تقدمه.
  2. الفلترة الرقمية الواعية: لا تجعل هاتفك بوابةً مشرعةً لكل تافه، بل اجعله أداةً لبناء مهارة حقيقية تمنحك استقلالاً ماديًا وفكريًا، بعيدًا عن دوامة «الترندات» التي تستهلك وقتك وجهدك هباءً.
  3. صناعة «البصمة» الخاصة: تمرد على دور «المشاهد السلبي» وكن صانعًا مؤثّرًا يعكس قضايا جيله بوعي؛ فالتفرد لا يأتي من تقليد «الإنفلونسر»، بل من التعبير عن صوتك الداخلي بـ«شجاعةٍ» واتزان.
  4. بناء المرجعية المعرفية: حصن عقلك بـ «قراءاتٍ» رصينة خارج حدود «المنشورات» السطحية؛ لتمتلك درعًا فكريًا يحميك من الانجراف خلف الأيديولوجيات الرقمية التي تسلبك هويتك قسرًا.
  5. الاستثمار في «الواقع»: ابنِ شبكة علاقاتك في الحياة الواقعية بدلاً من الاكتفاء بـ«صداقاتٍ» افتراضية باهتة؛ فالواقع هو المختبر الحقيقي الذي يصقل شخصيتك ويجعل منك فردًا ناضجًا وقويًا.
  6. تحطيم صنم «المثالية»: تقبل كينونتك البشرية بكسورها وندوبها، ولا تلهث خلف سراب الكمال الذي تروّج له منصات التواصل؛ فالصحة النفسية تبدأ من الرضا بكونك بشرًا يخطئ ويصيب.

ابنِ شبكة علاقاتك في الحياة الواقعية بدلاً من الاكتفاء بـ«صداقاتٍ» افتراضية باهتة

العودة إلى الإنسان: ما وراء الشاشات

في نهاية هذا السباق المحموم، ندرك أن المأساة ليست في سرعة العصر، بل في محاولتنا الهرولة خلفه بأقدامٍ ليست لنا. إن التحرر من قيود هذا الجنون الرقمي يبدأ بلحظة صدق واحدة أمام المرآة، لحظة ترفض فيها أن تكون وقودًا لمحركات البحث، أو رقمًا في إحصائيات المشاهدة.

إن استعادة الذات تتطلب شجاعةً استثنائية لخلع الأقنعة المستعارة، والعودة إلى بساطة الأشياء وعمق الهوية الأصيلة. قد لا نملك إيقاف هذا الصاروخ العابر للقارات، لكننا نملك يقينًا القدرة على اختيار مقعدنا، وتحديد وجهتنا، والحفاظ على قلوبنا صامدةً في وجه الريح، لنكون ملوكًا لأنفسنا لا عبيدًا لتوقعات الآخرين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.