الناكر للجميل


 

في زمان بعيد وليس بالقريب في إحدى القرى التونسية الريفية يحكى أنه كان هناك أسرة ثرية تملك أراضي فلاحيه شاسعة المساحات وكانت عائلة علي المتكونة من على زوجته عائشة وبناته وأبناءه وزوجا تهم وأطفالهم ومعروفة لدى الجميع ليس لأنهم أثرياء فقط بل لأنهم متواضعين كان المنزل الكبير الذي يعيش فيه أفراد عائلة علي عامرا فقد كان أبواب المنزل مفتوحا أمام الزوار والضيوف الغرباء كانوا أو أقرباء ومهما كانت المكانة الاجتماعية كانوا يقومون بواجب الضيافة علي أتمم وجه وكان الأطفال يلاعبون زوار ويحدثونهم كأنهم فرد من عائلة وليس ضيف فكان جميع الضيوف يستأنسون بملاعبة الأطفال وينشرحون لحديث علي الممتع بالحكم والمواعظ والنصائح وروايات والأساطير الشعبية والمتناقلة عبر أجيال وكان يأكل مع الضيوف نفس الطعام وفي نفس الطبق فقد كان على من يأمر زوجته أو إحدى بناته بتحضير الطعام قبل دخول أي ضيف بساعات لم يكن أحد يفهم كيف لتلك العائلة رغم كثرة انشغالهم كيف يكون طعام دائما جاهز تمام قبل دخول أي ضيف بدقائق بكمية تكفي جميع أفراد العائلة واختلف تفسير ذلك فالبعض يقول إنه بسبب ثراء فأنهم يطبخون طعام بكميات كثيرة وآخرين كانوا يتقولون أنه بسبب كثرة أفراد العائلة وتفرعها واختلفت الآراء ووجهات النظر حول ذلك لكنهم اتفقوا أن علي وجميع أفراد عائلته كانوا يعطون ضيافة حقها ويقومون بالواجب دون أي تقصير مهما كان الزائر فقيرا غني أو متوسط وكان هناك رجل فقير اسمه أسعد يتردد عليهم كثير ذلك أن منزله بعيد عن السوق فكان يبت فكان يبت في بيت العم علي وفي الصباح يقصد السوق لبيع السلع التي لديه ثم يعود لمنزله وهكذا مضت الأيام وجاء فصل الصيف حيث بدا موسم الحصاد العم علي كان كريم ومتواضع رغم ثراءه فإنه يستقبل الضيوف ببشاشة
جاء أسعد مثل العادة ليبت في منزل العم علي ليقصد السوق في الصباح يوم الآخر لبيع القليل من سلعه ويعود إلى منزله البعيد فاستقبله أحفاد علي
مريم وأحمد وزهرة مرحبا يا عم أسعد كيف حالك
-أسعد بخير وأنتم يا أعزائي كيف حالكم
فاجابو أطفال بخير شكرا
ثم سألهم أين جدكم أريد أن ألقى عليه التحية
فإجابة زهرة أنه في الحقل مع العمال هيا سنأخذك إليه انتظره أمام البيدر هيا يا عم أسعد
وذهب الأحفاد رفقة أسعد إلى البدر حيث كان يوضع جميع أكياس القمح وتوضع حزم السنابل الصفراء كأشعة الشمس الذهبية وكانت حبات القمح منثورة في كل مكان ولان أسعد كان يحضر للأطفال الحلوي ويلاعبهم ويحكي لهم قصص ذهبت مريم وأحمد وزهرة يجمعون حبات القمح ويضعونها في كيس أسعد ولكثرة أكياس اشتعلت نيران الطمع في عين أسعد فقد كان يري جبال عالية من أكياس القمح تكاد تغطي الشمس الساطعة وسط السماء الواسعة وحزم السنابل كجدائل الشعر الأشقر الكثيف
ولان الطمع من أسوء صفات الإنسان فقد أعمى عين أسعد وأنساه جميع حسنات العم علي وعائلته والاطفال الذين كانوا يملؤون حبات القمح الذهبية بدافع الطيبة وبراءة الطفولة الملائكية نسي كل ذلك وامتلاء قلبه حسدا علي ثراء العم علي وعلي سعادة عائلته
واثناء عودة العم علي ليتفقد العمال الذين يعملون علي ربط السنابل وليرسل الاطفال لاستعجال زوجته وبناته لتجهيز الطعام للعمال وجد اسعد امام البيدر يساعد احد العمال في ربط حزمة قمح فقد طال انتظاره وضجر فقرر ان يمد يد المساعدة للعمال ربما يلهي قلبه عن الحسد الذي امتلاء قلبه وقد عرف صدفتا أن الحصاد سيدوم لعدة أيام
العم علي أسعد مرحبا وحللت سهلا متى أتيت أسف لم استقبلك كما ترى أني مشغول في الحصاد ماذا تفعل لماذا تتعب نفسك
أسعد لا عليك عم علي اعلم أنك مشغول ثم إني ضجرت لذا قررت المساعدة ربما يمر الوقت عند قيام بعمل ما أرجوك اتركني أقدم بعض المساعدة
العم علي مريم اذهبي واستعجلي جدتك لتجهيز الطعام للعمال
مريم حسنا جدي
في ليل بعد العشاء اختال أسعد في الغرف المخصصة له عند قدومه فهو يسكن بعيدا عن سوق الأسبوعي وتعرف على العم علي في السوق صدفة وبعد حديث طويل أعجب عم علي بأسعد وباجتهاده في العمل رغم ضعف حاله وقصر اليد فقد كان يجمع أعشاب من الجبل مثل الزعتر والإكليل وغيرها من الأعشاب الجبلية ذات منفعة للإنسان وكان يبع أيضا اللبان والباجور وكحل العين والسواك وبيعهم في السوق حتى يلبي حاجيات والديه العجوزين
ولما عرف العم على أن أسعد أحيانا ينام في الخارج وأحيانا في الغرفة المخصصة لي الولي الصالح عند قدومه لسوق فهو يسكن بعيدا جدا قريبا من سفح الجبل عندها اقترح عليه أن يأتي قبل بيوم من السوق الأسبوعي لمنزله والنوم عنده
عند الفجر أخذ أسعد حماره واتجه نحو السوق ليسترزق رغم أنه لم ينم طوال الليل الذي أمضاه بين الندب على حظه على أنه ولد لأبوين فقيرين لا شيء يمتلكانه سوي منزل مهترئ وأسعد ابنهما فكان يفكر أحيانا في سرقة بعض من القمح وبين تأنيب لضميره خاصتا عندما يراجع نفسه كيف يعامل من قبل العم علي وعائلته بات يمنة ويسرة يتقلب إلى أن بزغ الفجر وقصد طريقه إلى السوق

لكن الطمع هزمه فقرر عند عودته إلى في المساء عند عودته إلى منزل العم علي وأخذ كسين من القمح إلى أمه لتحول كيس إلى طحين خبز والكيس الآخر تقسمه أمه بين كسكسي ومحمصة تطهيرهم في برد الشتاء
امضي أسعد اليوم بأكمله بين بيع أعشابه وبقيت سلعه الأخرى وقيام بعض أعمال أخرى مثل حمل البضائع لتجار ليتحصل علي مال أكثر لشراء قوة عائلته لمدة أسبوع أو أكثر وبين التفكير في خطة كيف ومتى سيحصل علي كيسين من القمح في مساء عاد إلى منزل العم علي فاستقبله أحفاد العم بحفاوة مثل العادة هيئ عم أسعد جاء هيئ عم أسعد جاء
فأخذ أسعد حماره إلى المكان المخصص له والذي صادف أن يكون قرب أكياس القمح ليلتها أسعد لم يتناول العشاء ولم يكن علي عادته حتى أنه لم يجلس مع العائلة ولم يروي أي من نكت أو الغاز أو أخبار سمعها من السوق وقصد غرفته مكدور مهموم والغريب أن العم علي كان يلاحظ وبقي ساكت على غير العادة فقد كان يواسه عندما يشعر أن أسعد مهموم وفي ليل كان أسعد ينتظرافراد ليغطوا في النوم حتى يتسنى له سرقة كيس من القمح بعد أن قرر التراجع عن سرقة كيسين واكتفاء بسرقة كيس واحد وبعد أن تأكد أن الجميع غابوا في نوم عميق حمل زاده واتجه نحو حماره بعد أن وضع حاجياته علي الحمار الذي كان ساكن حتى بعد أن فكه لكنه عندما رأي أسعد يحضر كيس من أكياس القمح هرب الحمار بعيدا وظل أسعد يجري وراءه إلى أن أمسكه وأعاده ليضع فوقه الكيس لكن الحمار مرة أخرى هرب ومرة أخرى أعاده قرر أسعد ربط الحمار لكي لا يهرب ويضع فوقه الكيس لكن الحمار هذه المرة أسقط الكيس وبعد عدة محاولات أسعد لوضع الكيس على الحمار نجحت محاولة أسعد لكن هذه المرة الحمار رفض التحرك رغم ضربه له حتى أن الحمار حاول رفس أسعد سمع صوت من وراءه
أسعد بني اترك الحمار وشأنه لأنه لن يتحرك خطوتا وهو حامل على ظهره الكيس خاصتا وان صاحب الكيس أحسن إليه صوت لم يكن غريب كان يشبه صوت العم علي ولما التفت ليكتشف صاحب الصوت وجده العم علي اندهش أسعد من استيقظ عم علي في ذلك الوقت وقد عجز عن الكلام خجلا واستغراب وحيرة
أضاف العم علي لا تندهش لقد شاهدتك في الحلم أنت ومحالاتك العدت مع حمارك الوفي الذي هرب عدت مرات واسقط الكيس عدة مرات ورفضه لركوب عليه عدت مرات لكن ما ا يقضني هو انك لو حاولت مرة اخري لارداك قتيل وانت وحيد والديك ومعيلهما واعلم انك لم ترد سرقتي بل الظروف علي ذلك الزامتك
عندها انفجر اسعد باكيا ندما علي فعلته المخجلة وخجلا من العم وقد ركع طالبا الغفران منه
العم علي المهم انك ندمت بني علي خطئك لا عليك انا اصلا كنت ساعطيك في الصباح كسين من القمح عد الي النوم ولا تخبر احد بما حدث وفي الصباح سامرهم باعطاك كسين من القمح

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

بسم الله والحمد لله..
قصة رائعة تقبلوا تحياتى وتمنياتى بالتوفيق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب