النار الباردة -الجزء الثالث

الوقوع بحب النفس 

كيف لنطفة و بويضة و قليل من الشهوة أن تحدد وجودنا في بقعة لا نريدها ،هناك من يستسلم لوجوده و يرضخ لواقعه و هناك من يقوم بإعادة كيانه ليتناسب مع شغفه و حبه للحياة . نظرات بيرلا المراقبة لم تكن عبثاً كانت تتفكر منذ نعومة أظفارها بروعة الخلق تمعن النظر بيدها و كيف تستطيع تحريكها و تنبهر بمجرد التفكير بالقدرة على التحرك دون أي موصلات؛ كانت تراقب أيضاً تصرفات الآخرين و تتفكر ما الذي يجعل السيء سيئاً و الجيد  جيداً ، هناك لمحات نمر بها منذ الصغر تعلمنا بأننا يجب أن يكون لنا هدف نلاحقه بشغف ،حب الذات أولاً هو ما سيعطينا تلك القوة للمواصلة و البحث عن معنى لحياتنا .

الأسود الداكن 

بمجرد وضع جيداء المفتاح في الباب تبدأ بيرلا بتحديث وضعها ليتلائم مع ما ستشعر به داخل المنزل الذي كان مليئاً بالحب و الدفئ و فجأة أصبح بارداً هادئ الى الحد الممل. تأوي إلى المكتبة و تطالع وجه اختها و أخيها اللذين فقدا حس الفكاهة و الأمل نعم إنه العمر في رأيهم هم يكبرونها سناً و إحباطاً و خيبات في وقت يجب أن يكونا ممتلئين بالحيوية و الشغف ،ربما يكون طبعهما هو من أبعد جيداء عن الاهتمام بهما، المراهقة شيء يصعب على البعض التعامل معه. تحاول التقرب منهما بحديث حميم بين أم و ابناءها و لكن نظراتهم لها توحي بأنها هي من أرادت تحويل هذا المنزل إلى جحيم باردة ،هي من اختارت الابتعاد و عدم إكمال ما همت به ، كيف يتخيل للبعض بأنه على الوالدين أن ينسلخو عن أنفسهم تماماً و يصبحا مجرد آلة  لتلبية الطلبات و الخدمات و تجاهل موت بطيء يعانيه كليهما جراء علاقة ضبابية سامة .

يدخل كلاوس إلى المنزل و يضع الجريدة على الطاولة و فوقها مفاتيحه و ساعته الذهبية ؛عادته تلك لا تخطئ المكان ولا الزمان يعود بوقت محدد و يضع أشياءه في مكان محدد؛ بعد عودته بنصف ساعة تبدأ جيداء بتحضير طاولة الطعام ،إن وجود الخلافات الزوجية لا يعني التملص من المسؤوليات إذ أن الأشخاص الذين يكرهون المسؤوليات هم أكثر من يلتزم بها. على طاولة الطعام يسود الصمت و تبادل النظرات فيكسر كلاوس صمته قائلاً :(هل استطيع أن أحجز موعداً في عيادتك و تكونين طبيبتي النفسية للمرة الأولى ؟؟) نظرت إليه جيداء مبتسمةً :( و لما لا و لكن ...) يقاطعها كلاوس :(لكن يجب أن تتناسي كوني زوجك أنا فقط أريد أن أذهب لطبيب نفسي بل أحتاج و انتي طبيبة مشهورة لن أجد أفضل منك سأتصل بسكرتيرتك لأحجز موعداً ) و هي تقلب الطعام في صحنها بطرف ملعقتها :( حسناً لا استطيع منع أحد من القدوم لعيادتي و لكن الجلسة ستكون بغاية الشفافية و عليك تقبل ما أقوله عكس ما يحصل في المنزل ) ،يمسح فمه بالمنديل :(لا تقلقي سألتزم بالتعليمات ...) ينظر أخ بيرلا الأكبر (جاك ) إلى أختها الكبرى (سوان) و يبتسم ، لقد استشعر جاك بأن علاقة والديه ستعالج و يبقى هذا البيت دافئا. كم هي رائعة نوايا الإنسان عندما يكون في مقتبل العمر، هناك مساحة رائعة لكل شيء جيد متوقع على عكس كلما تقدم بنا العمر نبدأ بالتنازل عن توقعاتنا و أحلامنا و مبادئنا . يمسك كلاوس بصحنه و يأخذه إلى المطبخ و يلتفت إلى الصالة حيث يوجد فيها المكتبه : ( هناك كتب جديدة لم أرها من قبل!!) بابتسامتها الساحرة ردت جيداء :( أنا من الأشخاص الذين يتأثرون بأبط

ال الروايات أتقمص شخصيتهم لوقت قصير لذا اخترت بعض الروايات الإيجابية لأشخاص استطاعو اجتياز اختبارات الحياة ببراعة بأقل الخسائر و الآلام ) تسمّر نظر كلاوس على جيداء و بدى وجهه و كأنه تمثال بلا تعابير محدثاً نفسه :( ربما أنا الاختبار و هي تتعلم كيف تجتازه )... يتبع

بقلم بيسان زكريا بريشه

 

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب