النابغة الذبياني: شاعر الاعتذاريات وحكم عكاظ

يحتل النابغة الذبياني مكانةً استثنائيةً في تاريخ الأدب العربي؛ فهو ليس شاعرًا مجيدًا فحسب، بل كان حَكَم الشعراء الذي تُضرب له القبة الحمراء في سوق عكاظ لتخضع لرأيه فحول الشعراء.

اشتهر زياد بن معاوية بلقب «النابغة» لظهوره المفاجئ وتفوقه في نظم الشعر، وغدا شاعر البلاط الأول في الحيرة لدى المناذرة، قبل أن تضطره الوشايات للفرار إلى الغساسنة في الشام، ليترك لنا أرقى فنون «الاعتذاريات» في الشعر الجاهلي. في هذا المقال، نستعرض تفاصيل حياته ونسبه، وأقوال القدماء في فنه، وصولًا إلى نص معلقته الشهيرة وتاريخ وفاته.

اسمه ونسبه

هو زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، يكنى بأبي أمامة، وأبي ثمامة ابنتيهْ أمامة وثمامة، على عادة العرب في ذلك الوقت.

من هو النابغة الذبياني؟

غفل التاريخ عن ذكر ميلاد هذا الشاعر، ولم يذكره إلا وهو شاعر ملء الأفواه والأسماع، وقد ذكروا تاريخ وفاته (... - نحو 18 ق.هـ= ... - نحو 604م).

كان يلقب بالنابغة، وبهذا اللقب اشتهر، وقد ذهب النقاد في تأويل هذا اللقب مذاهب شتى، فبعضهم يقول: إنه سمي بالنابغة لقوله: «فقد نبغت لهم منا شؤون»، وقيل لأنه نبغ بالشعر بعدما احتنك، وهلك قبل أن يهتر.

لماذا سُمي النابغة ومن شاركه هذا الاسم؟

إن عدة شعراء آخرين لقبوا بهذا اللقب، ذكرهم الآمدي في المؤتلف والمختلف، وهم النابغة الذبياني الذي نترجم له، والنابغة الجعدي الصحابي، ونابغة بني الديان الحارثي، والنابغة الشيباني، والنابغة الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة الذبياني أيضًا، وهو نابغة بني قتال بن يربوع، والنابغة التغلبي واسمه الحارث، ونرجح أن التعليل الصحيح للقبهم هذا هو العلو والظهور والشهرة من غير سابق وراثة.

بين الحيرة والشام: رحلة النابغة في بلاط الملوك

أما حياته الثانية، مرحلة الاكتمال والنضج، فهي غنية بالأحداث والوقائع، وتبدأ بوفادته على أبي قابوس النعمان بن المنذر ملك الحيرة، فقربه إليه دون سائر الشعراء، وجعله في حاشيته ينادمه ويؤاكله في آنية من الفضة والذهب، وقد جر عليه تقريب النعمان له، وإغداقه عليه العطايا حسد الحاسدين الذين أخذوا يتربصون له؛ ليبعدوه عن بلاط المناذرة.

في هذه المرحلة حقق الشاعر شهرته الأدبية، ومكانته الاجتماعية المرموقة في صفوف قومه، وفي سائر أنحاء الجزيرة العربية، وقد أصبح سيد قومه يدفع عنهم الأذى، ويخلص أسراهم، وغدا سيد الشعراء والحكم، يفصل بينهم فيذعنون إلى رأيه وفصله.

وكذلك أدى دور الزعيم المرشد في قبيلته، فتراه ينهاهم مرة عن الحرب، ويأمرهم بها مرة أخرى، ويحثهم على الاحتفاظ بمحالفتهم وعهودهم، ويخوفهم بطش الغسانيين، وقد كان له من وجهاء رهطه معارضون ينكرون سياسته، فيرد عليهم، ويدافع عن سياسته لينًا حينًا، وعنيفًا حينًا آخر.

ولم تقتصر حياة النابغة على الإقامة في بلاط المناذرة، والاكتفاء برفدهم وعطاياهم، بل انتقل عندما انقلب عليه النعمان بن المنذر ملك الحيرة إلى بلاط الغساسنة في بلاد الشام، فنزل بكنف عمرو بن الحارث الأصغر، فمدحه ومدح أخاه النعمان، ونال منهما الجوائز القيمة.

فن الاعتذاريات: كيف استعطف النابغة قلب النعمان بن المنذر؟

وكان النابغة في أثناء نزوله عند الغساسنة يمدح النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه، مبرئًا نفسه مما رماه به أبناء عوف بن قريع، وهذه القصائد التي مدح بها النعمان، واعتذر فيها إليه تسمى الاعتذاريات، وهي من أجمل شعر النابغة، فهي تصور وجده وشوقه، وقلقه، واضطرابه، ليله ونهاره، وما يكابد فيهما من حنين وهموم ولوعة وأسًى، يقول في إحداها، والألم يعصر قلبه ويدمي مقلتيه:

النابغة يمدح النعمان بن المنذر

فكفكفتُ مني عبرةً فرددتها

على النحر منها، مستهلٌ ودامعُ

ولم تطل غربة الشاعر عن دياره، فقد رجع إلى قومه بعد موت المنذر، وأمضى بين أهله أواخر أيامه.

وقد جُمعت آثاره في ديوان تنوعت أغراضه بين المديح والوصف والسياسة والاعتذار، وجمع هذا الديوانَ الأصمعي في القرن التاسع الميلادي؛ ونقله إلى الفرنسية المستشرق ديرنبورغ (DERENBOURG) في القرن التاسع عشر الميلادي، وحظي بكثير من الدراسات الموضوعية، وإن لم تكن تليق بمكانة الشاعر التي تبوأها بين أقرانه.

قبة النابغة في عكاظ: شهادات الخنساء وحسان بن ثابت في فنه

قال صاحب الأغاني: «كان يُضرب للنابغة الذبياني قبة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه أشعارها، وأول من أنشده الأعشى، ثم حسان بن ثابت، ثم أنشدته الخنساء بنت عمرو بن الشريد:

وإن صخرًا لتأتم الهُداةُ به

كأنه علم في رأسه نارُ

فقال: والله لولا أن أبا بصير أنشدني آنفًا لقلت: إنك أشعر الجن والإنس، فقام حسان فقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك! فقال له النابغة: يا بن أخي، أنت لا تحسن أن تقول:

فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خلتُ أنَّ المنتأى عنك واسعُ

خطاطيفُ حُجنٍ في جبالٍ متينةٍ

تَمُدُّ بها أيدٍ إليك نوازعُ

فخنس حسان لقوله.

من هذا النص نستدل على مكانة النابغة في عالم الشعر، وتفوقه على الشعراء الذين يرضخون إلى أحكامه، ويحترمون أقواله.

وجاء في العقد الفريد: «وفد حسان بن ثابت على النعمان بن المنذر، قال: فلقيت رجلًا ببعض الطريق، فقال لي: أين تريد؟ قلت: هذا الملك؛ قال: فإنك إذا جئته متروك شهرًا، ثم تترك شهرًا آخر، ثم عسى أن يأذن لك، فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه خيرًا، وإن رأيت أبا أمامة النابغة فاظعن، فإنه لا شيء لك، قال: فقدمت عليه، ففعل بي ما قال: ثم خلوت به وأصبتُ مالًا كثيرًا ونادمته، فبينما أنا معه إذا رجل يرتجز حول القبة ويقول:

أنام أم يسمع ربُّ القُبّهْ

يا أوْهبَ الناسِ لعُنْسِ صُلْبَهْ

ضرَّابةٍ بالمشْفر الأذِبَّهْ

ذات نَجَاء في يديها جَذْبهْ

فقال النعمان: أبو أمامة! ائذنوا له، فدخل فحيّاه وشرب معه، وَوَرَدَت النَّعم السُّود، ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود غيره، ولا يفتحل أحد فحلًا أسود، فاستأذنه النابغة في الإنشاد، فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

فإنك شمس والملوك كواكبُ

إذا طلعت لم يبدُ منهن كوكبُ

فأمر له بمئة ناقة من الإبل السُّود برعاتها، فما حسدتُ أحدًا قط حسدي له في شعره وجزيل عطائه».

ولقد كان النابغة موضع إعجاب الخليفة عمر بن الخطاب، فقد جعله أفضل شعراء غطفان، بل قال كذلك إنه أفضل شعراء العرب جميعًا.

قام رجل إلى ابن عباس، فقال: أي الناس أشعر؟ فقال ابن عباس: أخبره يا أبا الأسود الدُّؤلي؛ قال الذي يقول:

فإنك كالليل الذي هو مُدركي

وإن خلتُ أنّ المنتأى عنك واسعُ

قال معاوية بن بكر الباهلي: «قلت لحمّاد الراوية: بم تقدم النابغة؟ قال: باكتفائك بالبيت الواحد من شعره، لا بل بنصف بيت، لا بل بربع بيت، مع دقّة تامّة، وبلاغة تصوير، وسهولة لفظ، وعذوبة أسلوب، مثل قوله:

حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً

وليس وراء الله للمرء مذهبُ

النابغة في ميزان النقاد

قال الشعبي: «دخلت على عبد الملك وعنده رجل لا أعرفه، فالتفت إليه عبد الملك، فقال: من أشعرُ الناس؟ فقال: أنا، فأظلم ما بيني وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتعجب عبد الملك من عجلتي، هذا الأخطل، فقلت: أشعر منه الذي يقول:

هذا غُلامٌ حسنٌ وجهُهُ

مُستقبلٌ الخير سريعُ التمام

فقال الأخطال: صدق يا أمير المؤمنين، النابغة أشعر مني.

سأل أحد خلفاء بني أمية جريرًا قائلًا: «ما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قال: كانا ينيران الشعر ويُسْديانه».

وجاء في العمدة: «أما النابغة فقال من يحتجّ له: كان أذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، ومدحًا وهجاءً وفخرًا وصفة».

ولا شك أن النابغة يستحق تلك المكانة التي وضعه النقاد والرواة فيها؛ فهو مصور بارع، سلك في بيان الصور وجلائها أشكالًا مختلفة، فأحيانًا يستخلص الصورة مما يحيط به، ويبعد عنها كل شائبة، ويخرجها إخراجًا جديدًا دون اللجوء إلى الاستعارة أو المجاز، أو التشبيه وإنما يصور الواقع كما هو.

النابغة يلقي الشعر

وإن هذا النوع من الصور الذي لا يعتمد في التوضيح والبيان غير إبراز الحقيقة زاهية ناصعة، لهو صنعة حقيقية تدل على مقدرة فذّة على إبراز الصور الشعرية في أدق تفاصيلها.

وهو أيضًا شاعر مطبوع تفوّق بأغراض الشعر عامة، وفي المديح والاعتذار والسياسة خاصة، وقد امتاز في قصائده بالتوافق بين المعاني والألفاظ، وهذا ما دفع ابن سلام الجمحي أن يصفه بقوله: «إنه كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتًا».

وكان النابغة يُعنى بتهذيب شعره وتنقيحه، قيل: إنه كان يقول: «إنّ في شعري لعاهة ما أقف عليها، فلما قدم المدينة غُنّي بشعره؛ فلما سمع قوله: واتقتنا باليدِ، ويكادُ من اللطافة يُعقدُ، فطن إلى هذا الإقواء، فغيّره وجعله:

عنمٌ على أغصانه لم يُعقدِ.

وكان يقول: وردت يثرب وفي شعري بعض العاهة، فصدرت عنها وأنا أشعر الناس».

معلقة النابغة الذبياني

يا دار مية بالعلياء فالسند

أقوت وطال عليها سالف الأبد

وقفت فيها أصيلانا أسائلها

عيت جوابا وما بالربع من أحد

إلا الأواري لأيا ما أبينها

والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد

ردت عليه أقاصيه ولبده

ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد

خلت سبيل أتي كان يحبسه

ورفعته إلى السجفين فالنضد

أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا

أخنى عليها الذي أخنى على لبد

فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له

وانم القتود على عيرانة أجد

مقذوفة بدخيس النحض بازلها

له صريف صريف القعو بالمسد

كأن رحلي وقد زال النهار بنا

يوم الجليل على مستأنس وحد

من وحش وجرة موشي أكارعه

طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد

سرت عليه من الجوزاء سارية

تزجي الشمال عليه جامد البرد

فارتاع من صوت كلاب فبات له

طوع الشوامت من خوف ومن صرد

فبثهن عليه واستمر به

صمع الكعوب بريئات من الحرد

وكان ضمران منه حيث يوزعه

طعن المعارك عند المحجر النجد

شك الفريصة بالمدرى فأنقذها

طعن المبيطر إذ يشفي من العضد

كأنه خارجا من جنب صفحته

سفود شرب نسوه عند مفتأد

فظل يعجم أعلى الروق منقبضا

في حالك اللون صدق غير ذي أود

لما رأى واشق إقعاص صاحبه

ولا سبيل إلى عقل ولا قود

قالت له النفس إني لا أرى طمعا

وإن مولاك لم يسلم ولم يصد

فتلك تبلغني النعمان إن له

فضلا على الناس في الأدنى وفي البعد

ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه

ولا أحاشي من الأقوام من أحد

إلا سليمان إذ قال الإله له

قم في البرية فاحددها عن الفند

وخيس الجن إني قد أذنت لهم

يبنون تدمر بالصفاح والعمد

فمن أطاعك فانفعه بطاعته

كما أطاعك وادلله على الرشد

ومن عصاك فعاقبه معاقبة

تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد

إلا لمثلك أو من أنت سابقه

سبق الجواد إذا استولى على الأمد

أعطى لفارهة حلو توابعها

من المواهب لا تعطى على نكد

الواهب المئة المعكاء زينها

سعدان توضح في أوبارها اللبد

والأدم قد خيست فتلا مرافقها

مشدودة برحال الحيرة الجدد

والراكضات ذيول الريط فانقها

برد الهواجر كالغزلان بالجرد

والخيل تمزع غربا في أعنتها

كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد

احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت

إلى حمام شراع وارد الثمد

يحفه جانبا نيق وتتبعه

مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا

إلى حمامتنا ونصفه فقد

فحسبوه فألفوه كما حسبت

تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد

فكملت مئة فيها حمامتها

وأسرعت حسبة في ذلك العدد

فلا لعمر الذي مسحت كعبته

وما هريق على الأنصاب من جسد

والمؤمن العائذات الطير تمسحها

ركبان مكة بين الغيل والسعد

ما قلت من سيئ مما أتيت به

إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي

إلا مقالة أقوام شقيت بها

كانت مقالتهم قرعا على الكبد

إذا فعاقبني ربي معاقبة

قرت بها عين من يأتيك بالفند

أنبئت أن أبا قابوس أوعدني

ولا قرار على زأر من الأسد

مهلا فداء لك الأقوام كلهم

وما أثمر من مال ومن ولد

لا تقذفني بركن لا كفاء له

وإن تأثفك الأعداء بالرفد

فما الفرات إذا هب الرياح له

ترمي أواذيه العبرين بالزبد

يمده كل واد مترع لجب

فيه ركام من الينبوت والخضد

يظل من خوفه الملاح معتصما

بالخيزرانة بعد الأين والنجد

يوما بأجود منه سيب نافلة

ولا يحول عطاء اليوم دون غد

هذا الثناء فإن تسمع به حسنا

فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد

ها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت

 

فإن صاحبها مشارك النكد

متى توفي النابغة الذبياني؟

توفي النابغة الذبياني قرابة عام 604م (أي قبل البعثة النبوية بنحو ست سنوات). وتذكر المصادر التاريخية أنه عاش عمرًا طويلًا حتى قيل إنه أدرك النعمان بن المنذر في أواخر أيامه، ثم توفي بعده بفترة وجيزة.

مكان الوفاة

توفي في بادية نجد بوسط الجزيرة العربية، وهي الموطن الأصلي لقبيلته «ذبيان». ورغم أنه قضى جزءًا كبيرًا من حياته في قصور المناذرة بالحيرة (العراق حاليًا) وقصور الغساسنة (بلاد الشام)، فإنه عاد إلى قومه في أواخر حياته وتوفي بينهم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة