الميكافيلية والميكافيلييون


ظهر مذهب (الميكافيلية) في أوروبا وتحديدًا في دولة إيطاليا على يد رائد (الميكافيلية) الّذي تبنّاه (نيكولو ميكافيلي) المفكّر والفيلسوف والدبلوماسيّ والسياسيّ الإيطالي في القرن السادس عشر (1469/1527م) في عصر النهضة الإيطاليّة.                       

و(الميكافيلية -Machiavellianism) باللغة الإنجليزية تعني توظيف المكر والازدواجيّة (الخداع) في الكفاءة السياسية أو في السلوك العام، أي أن يكون الإنسان ذا وجهين منافقًا، يظهر غير ما يبطن، و(الفهلوة) مصطلح مرادف لها في اللغة الدّارجة العاميّة المصرية.              

فإذا قلت لشخص (أنت تسير على مذهب الميكافيليين) فإنما تقصد المذهب الذي يقول: "إن الغاية تبرر الوسيلة"، وقد كانت الثورة الإيطالية سببًا في ظهور (الميكافيلية)، ولكنّ هذا المصطلح (الميكافيلية) إبّان ظهوره في أوروبا لم يتعدَّ مفهومه حدود الثورة، والتخلص من الملكية من أجل نيل الحرية والتقدم، وظلّت بقية القيم الاجتماعية الأصيلة عند الشعوب في أوروبا صامدة كما هي - من حيث الحق والخير والتعاون والتدين والتسامح والرحمة - عند الشعوب، ومازال أثرياؤهم يسهمون مع الدولة في تقدمها ومساعدة الآخرين، ثم أخذ مفهوم (الميكافيلية) ينتقل بدوره إلى المجتمعات والشعوب الأخرى ومنها شعوبنا العربية؛ ليصبح لهذا المفهوم دلالة مغايرة لدينا، فأصبح مفهومه يعني لدينا (النفعية والمنتفعون)، وأصبح أصحاب هذا المفهوم في حياتنا نحن كثيرين، بل وتسلل كثير من هؤلاء إلى مجالات كثيرة في الحياة مع أننا لو نظرنا بعمق وبنظرة فاحصة إلى جميع الأديان والرسالات السماوية سنجد أنها جميعًا تدعو إلى الفضيلة والخير والتعاون والتسامح والحب والسلام، والأديان جميعها دعوتها ليست فردية وإنما إنسانية عالمية جماعية تعلي من قيم المجتمع والجماعة، يتشارك فيها الأفراد  لمصلحة المجتمع، وعلى سبيل المثال لا الحصر عندما ننظر إلى قيم ديننا الإسلامي وإلى دستورنا القرآني الكريم سنجد فيه الكثير من الآيات التي تعلي من قيم الحق والخير والفضيلة في المجتمع، فقد قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، وقال: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"، وقال: "ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه مَيْتًا فكرهتموه"، وقال: "يا أيها الناس اتقوا ربكم"، فعندما ننظر إلى هذه الآيات وغيرها الكثير نجد أنّ الخطاب والأمر والنداء والنهي فيها إنّما يتّصف بالجماعيّة لا الفرديّة والذاتية داعيًا إلى الفضيلة والخير والبر والإحسان.                                                                                                                                 كما ورد في أحاديث النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - قوله : "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا"، حتى إنه صلى الله عليه وسلم شبك أصابعه بعد الحديث ليدلّ على قوّة وتماسك المجتمع أيًّا كان، وقد أصبح هذا المذهب (الميكافيلي) يطلق عليه في حياتنا المعاصرة كلمة (الأنا مالية) أي الأنانية والأثرة، أو بالعاميّة (وأنا مالي) أو (يا عم، قول يا باسط) أو (يا عمّ، كبر دماغك )، ومن العجيب والمثير للدهشة والحسرة في ذات الوقت أنّ كثيرًا من تراثنا الثّقافيّ العاميّ يحتوي على كثير من هذه الأمثال الفاسدة مثل (أنا ومن بعدي الطوفان)، و(شخلل جيبك علشان تعدي)، و(لو جالك السيل طوفان حط ابنك تحت رجليك واطلع)، وغيرها الكثير.

ما هذا القبح الذي صرنا إليه حتى في تراثنا، هذه نظرة ضيّقة وسطحيّة، ونظرةٌ تقوم على منطق النفعيّة والمصلحة والنّفعيين والمنتفعين، لقد بتنا اليوم في أمسِّ الحاجة إلى غربلة هذا التراث القديم، وكذلك إلى غربلة حياتنا المعاصرة لنترك الغثّ منها، ونبقى على الثّمين فيها، ونقيم هذه الأمثال في ميزان الخير والفضيلة، ونستبعد من حياتنا بعض هذه الأمثال المدمرة للقيم، ونستبعد من حياتنا كثيرًا من هؤلاء النّفعيين والمنتفعين والأنانيين أرباب الأنا والأثرة، ونفسح الطريق لكثير من الأمثال الرّاقية العظيمة مثل: (القفة اللي ليها ودنين يشيلوها اتنين) و(إن كنتم إخوة فتقاسموا) و(الصديق وقت الضيق) و(اللي ملوش خير في أهله ملوش خير في الناس)، ونفسح الطريق كذلك لكثير من الأشخاص أصحاب فضائل الإيثار والتضحية الذين يرتقون بالأوطان ويسهمون في نهضتها وسُموِّها؛ لأنّ المسؤوليّة في المجتمع ليست مسؤولية فردية، بل هي مسؤولية جماعية يشارك فيها جميع الأفراد بقدر ما يستطيعون، ولكلٍّ من هؤلاء دور مرسوم يؤدونه بتفانٍ وإخلاص مصداقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهمّوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مرُّوا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)، كم أنت عظيم يا رسول الله! عندما جعلت التعاون والمسؤولية في هذا الحديث جماعية لا فردية، فالجماعية سرُّ التّقدم، ولقد أحسنت في إبداعك يامن قلت: "إنما أوتيت جوامع الكلم"، وقلت احترامًا لربك وطاعة له: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، فكنت نورًا هاديًا للبشرية، ومعلِّما عظيمًا لا يباريك أحد إلا غلبته.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية