ما الميتافيرس (Metaverse)؟ إنه ليس لعبة أو تطبيق فقط، بل هو المرحلة التالية من تطور الإنترنت؛ عالم رقمي موازٍ ومستمر، فضاءٌ مشترك يمكن لملايين البشر الوجود فيه في الوقت نفسه ليعملوا ويلعبوا ويتعلموا.
في هذا المقال، نستكشف نشأة الميتافيرس، ونتتبع جذوره من الخيال إلى الواقع، ونحلل مكوناته وتحدياته، لنفهم كيف يعيد هذا العالم الجديد تكوين مفهوم الواقع والمجتمع والإنسانية ذاتها.
مصطلحات أساسية مهمة
-
الميتافيرس (Metaverse): شبكة واسعة من العوالم الافتراضية ثلاثية الأبعاد والمستمرة، تركز على الاتصال الاجتماعي.
-
الأفاتار (Avatar): تجسيدك الرقمي أو شخصيتك الافتراضية داخل الميتافيرس.
-
الواقع الافتراضي (VR): تقنية تغمرك بالكامل في بيئة رقمية باستخدام نظارات خاصة.
-
الواقع المعزز (AR): تقنية تضيف طبقة من المعلومات أو الصور الرقمية فوق العالم الحقيقي من حولك.
-
الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs): شهادات ملكية رقمية فريدة تستخدم لإثبات ملكية الأصول الرقمية داخل الميتافيرس.
تمتد أمامك عوالم لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وأنت جالس على كرسيك بعدسات لاصقة ذكية أو شرائط حيوية تُلصق على الصدغ، تُترجم الإشارات من الدماغ إلى «الأفوام» وتُعيد المحفزات الرقمية إلى الحواس. أنت لا ترى بعينيك الماديتين فقط، بل تشعر بكل تفصيلة في عقلك، إذ يكون لديك نظام رعاية حيوية يراقب العلامات الحيوية للجسد المادي ويوفر له التغذية والتحفيز العضلي، في حين يكون وعيك وانتباهك وشخصيتك منغمسين بالكامل في «الأفوام».. تبحر في عوالم مختلفة بطرفة عين، في حين يرسو جسدك في ميناء الواقع.
تستمع إلى موسيقى هادئة على شاطئ بحر من الزمرد لك وحدك، لست محكومًا بقوانين الفيزياء والمكان، فالجغرافيا هي اللامكان، والمسافة لا معنى لها؛ إذ يمكنك الانتقال في أقل من ثانية إلى جبل شامخ على كوكب غير مكتشف في مجرة مجهولة، أو أن تحضر ندوة ثقافية في مكتبة الإسكندرية القديمة.
قد تعمل مع مجموعة مكونة من عشرين عضوًا من عشرين بلدًا مختلفًا في مكتب افتراضي واحد، تجتمعون وتتحدثون، إذ تتخذ الأفكار شكل طيور ملونة تحلق فوق الرؤوس، ومشاعر الغضب قد تتجسد كهالة عاتمة اللون تحيط بك، وفي أثناء وقت الترفيه تحضر مهرجانًا موسيقيًا يضم ملايين الحاضرين من كل بلدان العالم على مسرح ضخم على كوكب المريخ الافتراضي، ترقص وتغني وتتعرَّف على أصدقاء جدد وتدفع بعملات رقمية أو تشاهد إعلانًا ممولًا؛ فلم يعد الذهب أو النفط ذا قيمة اقتصادية تُذكر. رأس مالك الاجتماعي هو تقييماتك، تفاعلاتك، مساهماتك في العوالم المختلفة، كل ذلك هو رصيدك الاجتماعي الذي يفتح لك الأبواب أو يغلقها.
كون متعدد ومليارات من العوالم المختلفة، وترحال من مكان لآخر بطرفة عين، وأنت جالس على كرسيك البسيط بعدسات لاصقة أو شرائط حيوية تُلصق على الصدغ، لتصبح ذا «الأفاتار» الهائم في متاهة الخوادم في القرن الواحد والعشرين، في عالم سيطر عليه الميتافيرس، ذلك الكون الرقمي المتشابك الذي أعاد تكوين مفهوم الواقع والمجتمع والإنسانية ذاتها.
الجذور التاريخية ونشأة عالم الميتافيرس
من مقاطع إعلانات الشركات التقنية إلى أحاديث المقاهي والعامة، نسمع في كل مكان كلمة «ميتافيرس»، يصوره البعض على أنه مستقبل البشرية والإنترنت أو أداة للهروب من الواقع. ولكن لفهم ما هو قادم، يجب علينا أولًا أن نعود إلى الوراء، إلى الجذور العميقة لهذا المفهوم الذي ليس تقنيًا بحتًا بقدر ما هو فلسفي أدبي.

إن العلاقة بين روايات الخيال العلمي والميتافيرس هي علاقة الرؤية بالتحقيق، لم يُولد فجأة مع «فيسبوك» أو شركة «ميتا»، ولكنه نتاج عقود من الخيال البشري والجهد التقني بحثًا عن ذلك العالم الموازي المنشود. ولك أن تتخيل أن الفكرة قد وُلدت قبل عام 1990، قبل أن تكون هناك حواسيب قادرة على رسم رسوم ثلاثية الأبعاد، وقبل أن توجد شبكة إنترنت، كان هناك الأهم من ذلك وهو الخيال، إذ حلم البشر بخلق عوالم مختلفة أو واقع مزيف نشعر يقينًا أنه حقيقي.
النشأة الأدبية والفلسفية
ظهرت تلك الرغبة في الأساطير القديمة والأدب الديني والفلسفي، ولكن البذرة المباشرة للميتافيرس كما نعرفه اليوم نبتت في أدب الخيال العلمي، فهي لم تكن ترفيهًا، لقد كانت الخريطة التي أرشدت العلماء والمبرمجين والمهندسين التقنيين، إذ قدَّمت الرؤية. فجاء التطور التقني لاحقًا ليحاول تحقيقها، ومنها:
1- رواية «عالم السيما» (Simulacra 3) عام 1964
للكاتب دانيال جالوي، والتي قدّمت فكرة محاكاة الواقع الكاملة، إذ يعيش بشر افتراضيون داخل عالم محوسب دون أن يدركوا أنهم ليسوا حقيقيين.

2- رواية «سقوط الطائر الحوَّام» (The Falling Astronauts) عام 1971
للكاتب ديفيد جيرولد، والتي استُخدمت فيها كلمة «ميتافيرس» أول مرة لوصف فضاء رقمي افتراضي.
3- رواية «نيومانسر» (Neuromancer) عام 1984
للكاتب ويليام جيبسون، إذ قدّم فكرة «السايبر سبيس» ووصفه بأنه هلوسة جماعية يواجهها مليارات المستخدمين كل يوم في الفضاء الإلكتروني. لم يكن مجرد إنترنت، بل كان فضاءً يمكن الدخول إليه، مكان له أبعاد وحضور، وهذا الوصف يُعتبر النبوءة الأدبية الأقرب لما نطلق عليه اليوم «الميتافيرس»، إذ نضجت الفكرة تمامًا.

4- رواية «التحطم الثلجي» (Snow Crash) عام 1992
للكاتب نيل ستيفنسون، إذ وُلد الاسم نفسه في الرواية، فالميتافيرس هو عالم افتراضي ثلاثي الأبعاد، شارع ضخم يمتد حول كوكب افتراضي يستخدم الناس فيه «أفاتارات» (شخصيات رقمية) للتنقل والتفاعل مع بعضهم البعض والهروب من واقعهم المادي الكئيب. وتُعد تلك الرواية هي الجوهر، إذ لم تقدّم الاسم فقط، بل العالم الافتراضي الموازي والأفاتار والطبيعة الاجتماعية والاقتصادية له.
النشأة والتطور الرقمي.. ثلاث مراحل نحو العوالم الافتراضية
مرّت المرحلة التقنية بثلاث مراحل تطويرية تدريجية، ويمكن تقسيمها كالتالي: «الطفولة الرقمية – التربة الخصبة – الصحوة الكبرى».
فمرحلة الطفولة الرقمية بدأت مع تطور قدرات الحواسيب الشخصية وبدايات اتصالها ببعضها عبر شبكات بدائية، والتي امتدت على مدار عشر سنوات من 1990 إلى 2000. أما «التربة الخصبة» فكانت الثورات الرقمية التي مهَّدت الطريق من 2000 إلى 2010، وختامًا جاءت المرحلة الأخيرة وهي «الصحوة الكبرى» بين عامي 2010 و2020، عندما أصبح حلم الميتافيرس مشروعًا عالميًا.
المرحلة الأولى: الطفولة الرقمية (1990 – 2000)
1- عوالم «ميد» (MUD)
هي عوالم افتراضية للألعاب الجماعية، نصية بالكامل، لا توجد بها أي رسوم، إذ كان اللاعبون يكتبون أوامر وأوصافًا مثل «اذهب شمالًا» أو «اهجم مباشرةً» وهكذا للتفاعل مع اللاعبين الآخرين. وعلى الرغم من بدائيتها، كانت عوالم الألعاب هذه أول تجسيد حقيقي لفكرة الوجود الافتراضي المشترك، إذ كانت مجتمعات كاملة تعيش وتتفاعل داخل خوادم الحاسوب.
2- «سكند لايف» و«ثير دوت كوم» (Second Life – There.com)
حدثت القفزة الكبرى مع تحسّن الرسومات ثلاثية الأبعاد، وجعلت مفهوم الميتافيرس ينتشر داخل الوعي العام، فتلك لم تكن عوالم ألعاب، بل منصّات. كان بإمكان المستخدمين أن يبنوا شيئًا، أن يشتروا ويبيعوا الأراضي والعقارات الرقمية، وكانوا قادرين على عقد اجتماعات عمل حقيقية باستخدام عملة خاصة بها.
ثم إن «سكند لايف» أثبتت أن الناس مستعدون لقضاء وقت طويل في عالم افتراضي، وأنهم يريدون أكثر من اللعب، يريدون العيش والتفاعل الاجتماعي والاقتصادي. وعلى الرغم من المشكلات التقنية التي مرَّت بها، فإنها كانت نموذجًا أوليًا مدهشًا.

المرحلة الثانية: التربة الخصبة (2000 – 2010)
1- ثورة الألعاب الإلكترونية
كانت الألعاب الإلكترونية هي المعمل الحقيقي لتقنيات الميتافيرس، إذ جعلت المستخدمين يدركون معنى أن تكون جزءًا من اقتصاد رقمي ضخم، ومعنى بناء هوية اجتماعية معقّدة داخل عالم افتراضي. ألعاب مثل «ووركرافت» و«ماينكرافت» قد طوّرت المهارات والتوقعات الثقافية التي يحتاجها المستخدمون للعيش في الميتافيرس.
2- ثورة وسائل التواصل الاجتماعي
منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر» جعلت الهوية الرقمية جزءًا أساسيًا من حياتنا بالتفاعل ومشاركة المحتوى وبناء مجتمعات عبر الحدود الجغرافية التي لا تعيقها المسافات.

3- تطور البنية التحتية
تحسّن معالجات الرسوم، وتطور الهواتف الذكية، وانتشار الإنترنت عالي السرعة؛ كل تلك العوامل جعلت فكرة الاتصال الدائم بعالم افتراضي غني بالرسومات أمرًا ممكنًا من الناحية التقنية.
المرحلة الثالثة: الصحوة الكبرى (2010 – 2020)
1- الواقع الافتراضي (VR و AR)
بتلك التقنيات أصبح الواقع الافتراضي ليس استعارة، بل أصبح تجربةً تشعر فيها بأنك هناك فعلًا. أظهرت تلك التقنيات كيف يمكن دمج العالم الرقمي مع العالم المادي ما يخلق طبقة رقمية فوق واقعنا.
2- الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)
تلك الرموز التي تسمح بإنشاء سجلّ ملكية لامركزي وآمن، فمنزلك الرقمي، وسيارتك، وقطعة الأرض الافتراضية هي ملك لك حقيقية وغير قابلة للضياع أو المصادرة، تمامًا كما تملك منزلك وسيارتك وممتلكاتك في العالم الحقيقي ما خلق اقتصادًا رقميًا موازيًا.
3- الجائحة العالمية (كوفيد – 19)
تلك الجائحة التي مر بها العالم أجبرت الجميع على الاعتماد على الأدوات الرقمية للعمل والتعلّم والترفيه، إذ زادت الحاجة -مع الحظر الصحي- إلى وجودٍ رقميٍّ للِّقاء والتفاعل، فكانت الجائحة المحفّز الاجتماعي الذي جعل فكرة الميتافيرس تبدو ضرورة أكثر من كونها رفاهية.
التحديات الأخلاقية والاجتماعية: الجانب المظلم من الحلم
مع كل هذا الوعد، يطرح الميتافيرس تحديات هائلة لا يمكن تجاهلها:
-
السيطرة على البيانات والخصوصية: من سيملك هذه العوالم الرقمية ويتحكم في بياناتنا الشخصية وسلوكياتنا داخلها؟
-
الفجوة الرقمية: هل سيصبح الميتافيرس عالمًا للنخبة التي تستطيع تحمل تكلفة أجهزته، مما يزيد من الانقسام الاجتماعي؟
-
الصحة النفسية والإدمان: ما هو تأثير الهروب الكامل من الواقع على صحتنا النفسية وقدرتنا على التفاعل في العالم الحقيقي؟
الواقع الحالي ورؤية شركة ميتا
عندما أعلن مارك زوكربيرج، مؤسس «فيسبوك»، تغيير اسم الشركة الأم إلى «ميتا» عام 2021، كانت تلك لحظة دخول الميتافيرس كمفهوم إلى التيار الرئيسي العالمي، إذ تتصور الشركة أن الميتافيرس سيكون مركزيًا إلى حدٍّ ما، يكون فيه «الأفاتار» هو جوهر هويتك الرقمية، وتكون مساحات العمل والترفيه مترابطة.وقد دخلت شركات التقنية المختلفة في المنافسة وضخَّت مليارات الدولارات في تطوير أجهزة الواقع الافتراضي والواقع المعزز، وبدأت التجارب ورصد التحديات التقنية ومعالجتها لبناء ذلك الواقع الافتراضي المتكامل القادر على منافسة الواقع المادي الفيزيائي.
وأصبح السؤال المطروح ليس «هل سيوجد الميتافيرس؟» بل «كيف سيكون شكل الميتافيرس؟».
الميتافيرس وعد المستقبل
تُظهر الجذور التاريخية أن الدافع نحو خلق عوالم بديلة هو جزء من طبيعتنا البشرية. الميتافيرس هو التعبير التقني الأحدث عن هذا الحلم القديم، فمستقبله لا يكتبه المبرمجون والمستثمرون وحدهم، بل العالم أجمع يشارك في كتابته وتكوينه.
نحن لا نعيش اليوم في الميتافيرس، ولكننا نشهد لحظات ميلاده ونموه وتطوره، فلا يزال أشبه بإنترنت التسعينيات؛ مثير، مملتئ بالإمكانيات، مجزَّأ، وبطيء، ومحفوف بالمخاطر، لكنه على أعتاب المرحلة الناضجة بفضل الاستثمارات العملاقة، كوعدٍ لمستقبل البشرية القادم.
الوعد الكبير الذي يهز أركان التكنولوجيا ويعيد تشكيل طريقة عيشنا وعملنا وتواصلنا جذريًّا.
عالم رقمي موازٍ مستمر وليس له نهاية، فضاءٌ مشترك يمكن لملايين البشر في العالم الوجود فيه في الوقت نفسه ليعملوا ويلعبوا ويتعلموا ويشتروا ويبنوا علاقات اجتماعية معقدة.
يمكنك السفر إلى المريخ أو الغوص في أعماق المحيط أو الطيران كطائر في السماء، إذ تذوب فيه قيود الواقع ويتجسد الخيال صورةً وصوتًا وشعورًا. عالم رقمي شاسع لا يقل واقعية عن العالم المادي، بل قد يتفوق عليه في مرونته واتساع أفقه.
نشأة الميتافيرس هي قصة تطور مستمرة، وليست لحظة اختراع مفاجئة. هي رحلة بدأت بخيال كُتَّاب الخيال العلمي، وترعرعت في مختبرات العوالم الافتراضية والألعاب، وتغذت على ثورات التواصل الاجتماعي وتطور الهواتف الذكية، وتستعد الآن لمرحلتها الناضجة كحلمٍ كان في الأمس القريب ضربًا من المستحيل.. حلمٌ له ظله الطويل وتقدمه الخارق، يأتي بفرصٍ وإمكاناتٍ رائعة، وأيضًا بمخاطر هائلة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.