المونولوج الداخلي في قصة ألف ليلة وليلة: هل سبقت العرب الغرب؟

بعد عقودٍ من الانبهار بالغرب ومحاكاة فنونه تحت مسمى النهضة، نجد أنفسنا اليوم في مرحلةٍ استثنائية من مراجعة الذات؛ لنتأمل ما أهملناه من جذورنا، واستعادة الاعتبار لموروثنا القصصي، وعلى رأسه «ألف ليلة وليلة»، حيث يثبت الإبداع العربي القديم أنه كان يغوص في أعماق النفس البشرية ويصيغ المونولوج الداخلي وأحلام اليقظة ببراعة تضاهي روائع الأدب العالمي.

يكشف تراث «ألف ليلة وليلة» عن استخدام مبكر للمونولوج الداخلي وتحليل أحلام اليقظة بعمق نفسي يضاهي السرد الغربي الحديث، كما يتجلى في قصة حلاق بغداد.

العودة إلى الذات بعد الانبهار بالغرب

أعتقد أننا الآن في مرحلة «مراجعة الذات» التي نتقصى فيها ما ورثناه من فنون ومعارف، ونتفهمه، ونتوصل بفنوننا ومعارفنا إليه، بعد أن أوغلنا في مرحلة النهضة التي جرينا فيها أشواطًا طويلة مع الغرب. كان لا بد من تلك الأشواط لنهب من رقودنا، ونسير في ركب الحضارة الحديثة، ونأخذ عن العالم الغربي ما ينفعنا، وهو كثير.

في غمرة تلك الأشواط لم نلتفت كثيرًا، أو كما ينبغي أن نلتفت، إلى الأصول والجذور؛ بل أكثر من هذا رحنا نكيل لها التهم ونسمها بالتأخر، ونرمي من ينظر إليها بالرجعية... على أن هذا لم يكن كله باطلًا؛ فالرجعية والتأخر كانا ولا يزالان كائنين، ولكن الأمر ليس على الإطلاق.

مما ناله الرشاش الأعمى: الفن القصصي في تراثنا؛ ظللنا نأخذ عن الغربيين فنونهم ونحاكيهم فيها حتى بلغنا مستواهم في بعضها، وارتقينا بذلك، ولا شك في ذلك؛ ولكننا أوغلنا حتى نسينا ذاتنا، ثم آن لنا أن نرجع إلى هذه الذات.

«ألف ليلة وليلة»: الكنز الغائب والاعتراف المتأخر

كتاب «ألف ليلة وليلة» مثلًا: «أخذه عنا الأوروبيون فترجموه إلى لغتهم، واستفادوا منه في فنونهم، استوحوه وتأثروا به، ونحن عنه غافلون؛ لم نلتفت إليه كما يجب إلا بعد أن رأيناه عندهم».

كتاب «ألف ليلة وليلة» أخذه عنا الأوروبيون ترجموه إلى لغتهم

ربما كان ازدراؤنا لألف ليلة وليلة، أو استهانتنا به، راجعًا إلى ما يتفشى فيه من لغة عامية تختلط بالفصحى، وإلى ضعف بنيانه اللغوي على وجه عام، وإلى ما فيه أحيانًا من زوائد وأشياء يأباها الذوق العصري العام.

ولا شك أن الأوروبيين لم يواجهوا ذلك؛ لأنه تُرجم إلى لغاتهم منقحًا خاليًا مما يشوبه في الأصل.

«علقة ساخنة»: ذكريات القراءة في الخفاء

قرأت حكايات ألف ليلة وليلة وأنا صغير، متخفيًا بعيدًا عن الأنظار، حتى لا يلحظني أحد، فيكون نصيبي «علقة ساخنة»؛ لا بد أن أقول معها: «حرمت!».

وامتد الزمن، وسرني كثيرًا ما قرأت في لغتنا عن ألف ليلة وليلة من دراسات تعيد إليه الاعتبار؛ أذكر منها الدراسة التي نالت بها «سهير القلماوي» درجة الدكتوراه، كما سرتني الاستلهامات الفنية منه، مثل بعض قصص كامل كيلاني للأطفال، وبعض المسرحيات التي عُرضت أخيرًا، والتمثيليات الإذاعية التي كتبها طاهر أبو فاشا.

وفي هذه الأيام عدت إليه قارئًا راشدًا مطمئنًا، واستغرقت في قراءته، فرأيته يبرئ نفسه مما أُلصق به وبأمثاله من قصص عربية من تهم باطلة رميناها بها ونحن في عدونا للغرب؛ كأننا نقول: لا، هذا كلام فارغ، ونحن سنأتي بالفن الصحيح!

صحيح أن الفن الغربي الذي أتينا به فن صحيح؛ ولكن موروثنا ليس كلامًا فارغًا كما زعمنا سفهاء.

قالوا إن الفن القصصي الحديث يتميز بالغوص داخل النفس للتحليل وتصوير أدق الخلجات، ومن وسائل ذلك ما يسمى «المونولوج الداخلي»؛ أي المناجاة التي يجري فيها الحديث بين المرء ونفسه.

«حلاق بغداد»: عبقرية السرد في تحليل أحلام اليقظة

وما دروا أن هذا الحديث عن داخل النفس موجود عندنا في القديم... هذا مثال من قصص ألف ليلة وليلة:

حلاق بغداد يحكي للخليفة عن إخوته، ويفيض في الحديث عما جرى لهم، وهو يزعم أنه «صامت» غير ثرثار كالحلاقين الآخرين... ولكن ثرثرته تتغلغل إلى داخل النفوس فتبرز أدق ما فيها؛ يقول عن أخيه الخامس إنه أخذ حصته من ميراث أبيه مائة درهم، واحتار ما يصنع بها حتى: وقع في خاطره أنه يأخذ بها زجاجًا من كل نوع ليتجر فيه ويربح، فاشترى بالمائة درهم زجاجًا وجعله في قفص كبير، وقعد في موضع ليبيع ذلك الزجاج، وبجانبه حائط فأسند ظهره إليه... قعد متفكرًا في نفسه وقال:

إن رأس مالي في هذا الزجاج مائة درهم؛ أنا أبيعه بمائتي درهم، وأشتري بالمائتين درهم زجاجًا وأبيعه بأربعمائة درهم، ولا أزال أبيع وأشتري إلى أن يبقى معي مال كثير، فأشتري به من جميع المتاجر والعطريات حتى أربح ربحًا عظيمًا، وبعد ذلك أشتري دارًا حسنة، وأشتري المماليك والخيل والسرج المذهبة، وآكل وأشرب، ولا أُخلي مغنية في المدينة حتى أجيء بها إلى بيتي وأسمع مغانيها.

هذا كله وهو يحسب في نفسه، وقفص الزجاج قدامه، ثم قال:

وأبعث جميع الخطابات في خطبة بنات الملوك والوزراء، وأخطب بنت الوزير؛ فقد بلغني أنها كاملة الحسن بديعة الجمال، وأمهرها بألف دينار؛ فإن رضي أبوها حصل المراد، وإن لم يرض أخذتها قهرًا.

وسأشتري عشرة خدام، ثم أشتري لي كسوة الملوك والسلاطين، وأصوغ لي سرجًا من الذهب مرصعًا بالجوهر، ثم أركب ومعي المماليك يمشون حولي وقدامي وخلفي؛ حتى إذا رآني الوزير قام إجلالًا لي وأقعدني مكانه، وقعد هو دوني؛ لأنه صهري، ويكون معي خادمان بكيسين، في كل كيس ألف دينار؛ فأعطيه ألف دينار مهر بنته، وأهدي إليه الألف الآخر إنعامًا، وأُظهر له مروءتي وكرمي وصغر الدنيا في عيني، ثم أنصرف إلى داري؛ فإذا جاء أحد من جهة امرأتي وهبت له دراهم وخلعت عليه خلعة.

وإن أرسل الوزير هدية رددتها عليه ولو كانت نفيسة، ولم أقبل منه حتى يعلموا أني عزيز النفس ولا أُخلي نفسي إلا في أعلى مكانة، ثم أقدم إليهم في إصلاح شأني وتعظيمي؛ فإذا فعلوا ذلك أمرتهم بزفافها، ثم أصلح داري إصلاحًا بينًا؛ فإذا جاء وقت الجلاء لبست أفخر ثيابي، وقعدت على مرتبة من الديباج، لا ألتفت يمينًا ولا شمالًا لكبر عقلي ورزانة فهمي، وتجيء امرأتي وهي كالبدر في حليها وحللها، وأنا لا أنظر إليها عجبًا وتيهًا؛ حتى يقول جميع من حضر: يا سيدي، امرأتك وجاريتك قائمة بين يديك.

فأنعم عليها بالنظر، فقد أضراها القيام، ثم يقبلون الأرض قدامي مرارًا؛ فعند ذلك أرفع رأسي وأنظر إليها نظرة واحدة، ثم أطرق برأسي إلى الأرض، فيمضون بها وأقوم أنا وأغير ثيابي وألبس أحسن مما كان علي؛ فإذا جاءوا بالعروسة المرة الثانية لا أنظر إليها حتى يسألوني مرارًا، فأنظر إليها، ثم أطرق إلى الأرض، ولا أزال كذلك حتى يتم جلاؤها.

ثم إني آمر بعض الخدامين أن يرمي كيسًا فيه خمسمائة دينار للماشطة؛ فإذا أخذته آمرهن أن يدخلنني عليها؛ فإذا أدخلتني عليها لا أنظر إليها ولا أكلمها احتقارًا لها؛ لأجل أن يقال إني عزيز النفس؛ حتى تجيء أمها وتقبل رأسي ويدي وتقول لي:

- يا سيدي، انظر جاريتك؛ فإنها تشتهي قربك، فاجبر خاطرها بكلمة.

فلم أرد عليها، ولا تزال كذلك تستعطفني حتى تقوم وتقبل يدي ورجلي مرارًا، ثم تقول:

- يا سيدي، إن بنتي صبية مليحة ما رأت رجلًا؛ فإذا رأت منك الانقباض انكسر خاطرها، فمل إليها وكلمها.

ثم إنها تقوم وتحضر لي قدحًا فيه شراب، ثم إن ابنتها تأخذ القدح لتعطيني؛ فإذا جاءتني تركتها قائمة بين يدي وأنا متكئ على مخدة مزركشة بالذهب، لا أنظر إليها من كبر نفسي وجلالة قدري؛ حتى تظن في نفسها أني سلطان عظيم الشأن، فتقول:

- يا سيدي، بحق الله عليك، لا ترد قدحًا من يد جاريتك؛ فإني جاريتك.

فلا أكلمها، فتلح علي وتقول:

- لا بد من شربه.

وتقدمه إلى فمي؛ فأنفض يدي في وجهها وأرفسها وأعمل هكذا - ثم رفس أخي برجله فجاءت في قفص الزجاج، وكان في مكان مرتفع، فنزل على الأرض فتكسر ما فيه.

ثم قال أخي: هذا كله من كبر نفسي!

ويتابع الحلاق حديثه إلى الخليفة فيقول: لو كان أمره إليَّ يا أمير المؤمنين، لضربته ألف سوط وشهرته في البلد.

هويتنا في مرايا الفن العالمي

وبعدها، ما رأيك في هذا المونولوج العجيب؟! ألا يقف إلى جانب روائع الفن الحديث في عالم التحليل ومناجاة النفس أو أحلام اليقظة؟! ألا تراه يقول: أنا عربي، وعيبي عندكم أني لست «خواجه»؟!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.