الموضة قاتلة من مساحيق الرصاص إلى البوتوكس.. أغرب صيحات الجمال عبر التاريخ

هل من الممكن أن يرسم الـ eyeliner مسار الموت بدلًا من العيون؟ 

هل يمكن أن يكون للجمال ثمن باهظ مثل الموت أو العمى؟ 

هل من الممكن أن تكون الموضة قاتلة؟ 

 في رحلة عبر تاريخ الموضة، نكتشف أن سعي الإنسان نحو الجمال المثالي لم يتوقف عند حدود المنطق أو السلامة، بل تجاوزها إلى مخاطر حقيقية، أحيانًا كانت تصل إلى الموت. فمن مساحيق الرصاص التي قضت على ملكات، إلى المشدات التي عصرت الأضلاع، تظل صيحات جمال تنذر بالخطر دليلًا على أن ثمن الجمال عبر العصور لم يكن دائمًا رمزيًا.

وفي هذا المقال، نُسلِّط الضوء على أغرب صيحات الموضة عبر التاريخ، ونقارنها ببعض عاداتنا اليوم، لنسأل: هل تغير شيء حقًا؟

قديمًا في الغرب وتحديدًا في القرون الوسطى وعصر النهضة، أي من القرن الثاني عشر إلى السادس عشر تقريبًا، كان الوجه الشاحب بمثابة إعلان اجتماعي يشير بوضوح إلى أن صاحبه لا يبدأ يومه مع شروق الشمس، ولا يجري خلف القطيع، فبشرة بيضاء كانت تعني أن صاحبتها لم تحرث ولم تحمل جرار المياه ولم تطارد الدجاج في الفجر، أما من أخذت الشمس من لونها فهذا إعلان آخر أن صاحبتها تعيش في الشمس وعلى الهامش، ولتحقيق هذا المظهر الأرستقراطي جرب الناس كل شيء سوى المنطق، واستخدموا مسحوقًا من الخل والرصاص الأبيض، وهي أضرار مستحضرات التجميل القديمة التي دفعت كثيرون حياتهم ثمنًا لها.

نعم الرصاص، المعدن الذي نحذر اليوم حتى من تسرب جزءٍ ضئيل منه إلى الماء، أما هم فكانوا يضعونه مباشرة على الوجه، في الساعات الأولى يعطي بشرة ناعمة ومصقولة ثم يبدأ الجسم في الرد، فالبشرة تتهيج، فيضيفون طبقة جديدة لإخفاء الاحمرار، تظهر القروح فتُغطى بمساحيق أكثر، ومع تراكم الرصاص، تبدأ أعراض التسمم بالظهور: تسقط الأسنان وتتسلل الرعشة ثم يصل الأمر إلى الهلوسة، فتبدأ المحادثات الجانبية مع الجدران والأثاث، ولكن ما دام المظهر محترمًا وأرستقراطيًا فلا بأس بقليل من الهلوسة من حين لآخر. 

ولعل أشهر ضحايا الموضة في القرون الوسطى كانت الملكة إليزابيث الأولى التي كانت زبونة مخلصة لهذا المسحوق، وكانت تستعمله يوميًا عقودًا، ولم ينجح أحد في أن يخبرها بأن وجهها يذوب، لا المرآة ولا الخادمة ولا الطبيب، فأنت في نهاية الأمر لا تتجرأ وتقول للملكة: «جلالتك إن وجهك يذوب»، هنا يسقط الوهم أن الملوك أذكى من رعاياهم، الفرق فقط أنهم قادرون على شراء السم بأغلى الأسعار وفي علب أفخم. 

عينان لامعتان: قطرات البيلادونا وثمن العمى

وفي إيطاليا عصر النهضة، حين كانت العين تُعد أقوى أداة في مخزون الإغراء، والنظرة الواسعة البراقة هي مفتاح القلوب وشهادة الأنوثة، ظهرت قطرات تعرف باسم (بلادونا)، اسم يوحي بالجاذبية لمادة سامة مأخوذة من نبات قاتل، حمل حتى في تسميته إشارة خطر (أتروبادونا)، إذ إن أتوبوس هي إلهة الموت في الميثولوجيا، وبلادونا في الإيطالية تعني المرأة الجميلة، وباختصار، فالمعنى الصريح هو موت المرأة الجميلة.

نبات بيلادونا

الطريقة سهلة ومهلكة في الوقت ذاته، قطرتان في العين فتتسع الحدقة بدرجة غير طبيعية، وتبدو النظرة لامعة كمن يتأمل شيئًا مدهشًا، بينما الرؤية نفسها تتحول إلى ضباب وتشويش، يراكِ الرجال متسعة الحدقة فيظنون أنكِ مسحولة بحديثهم، منتبهة لكل تفاصيلهم، مهتمة بكل كلمة يقولونها، في حين أنكِ لا ترين وجههم إلا كظل غير محدد التقاسيم.

الأثر الفوري كان ضبابية في الإبصار، وحساسية مفرطة للضوء، وصداعًا لا يهدأ، وعلى المدى الطويل يصبح تدهورًا في الرؤية وتلفًا في عضلات العين وأحيانًا عمىً دائمًا، مع ذلك في منطق ذلك العصر، لم يعد هذا ثمنًا كبيرًا، فالعمى إذا أصاب الأرستقراطية عدّوه حساسية فنية أو اهتمامًا بالجمال الداخلي، أو تركيزًا على الروحانيات أكثر من الماديات، وبغض النظر عن المخاطر بقيت (بلادونا) مطلوبة خصوصًا في دوائر الأرستقراطيات وسيدات المجتمع، حتى بعد أن بدأت الشركات الحديثة في تصنيع مسكرات وكحل أكثر أمانًا وخالياً من السموم المهلكة، ظلت نساء كثيرات متمسكات بالطريقة التقليدية، بأن عينًا تلمع بـ(بلادونا) تستحق أي مخاطرة، حتى لو كانت المخاطرة هي فقد القدرة على رؤية العالم مجددًا. 

صرخات الأناقة: الكورسيه وإعادة تشكيل الجسد

لمن لا يعرف المشد أو (الكورس) فهو تلك القطعة الصلبة التي تلف حول جذع المرأة مقواةً بعظم الحوت أو قضبان معدنية، ثم تُشد بأربطة محكمة حتى يتحول الجسم إلى ساعة رملية مصغرة، خصر أنحف وصدر أعلى وظهر أكثر استقامة.

لم يُعد الكورس زينة فقط، بل أداة لإعادة تشكيل الجسم ورمزًا للانضباط والالتزام بقواعد المظهر المحترم، حتى لو كان ذلك يعني أن تعيد توزيع أعضائك الداخلية. كانت الفتاة تبدأ به منذ المراهقة، وكلما اشتد الحزام اقتربت من المقاس المثالي ومن الوضعية الصحيحة في نظر المجتمع.

الكورسيه أو المشد

الكتب كانت تسميه تقويمًا، والمربيات يفضلن كلمة تهذيب، كان التنفس العميق أو الجلوس بلا قيد سلوكًا غير مهذب، أما بعض الأمهات فكنّ يتولين المهمة شخصيًا بكل الحنان وبكل القوة اللازمة لخلق قوام لا يتنفس.

التجربة لم تكن سلسة، التنفس صعب والأكل محدود والحمل مخاطرة حقيقية، وعند الإفراط في الشد -وهو ما كان يحدث دائمًا لأن الجمال يتطلب تضحيات- يبلغ الأمر مسارات طبية أكثر قسوة.. انضغاط الكبد حتى تصبح معصورة كالإسفنجة، وانزلاق المعدة إلى موضع أضيق وأقل راحة، وتغيير دائم في شكل القفص الصدري، كان الجسم يعيد تصميم نفسه ليلائم آلة التعذيب، حتى كسر الأضلاع السفلية في الحالات المتطرفة، ومع ذلك كان كل هذا -بمنطق الموضة- ثمنًا طبيعيًا للأناقة والاحترام.

حين يحدث الإغماء وكان يحدث كثيرًا، وتتساقط الفتيات على الأرض في الحفلات والكنائس حتى في البيوت، لا أحد يسأل عن أقرب طبيب، بل تُقدم لها أملاح الشم، وهي مواد كيميائية نفاذة الرائحة ويُقال لها: «تمسكي حبيبتي، الجمال صعب»، وإذا استيقظت واشتكت من الألم جاء التذكير أن أمها وجدتها مرتا بالتجربة نفسها، وأن ذلك جزء من الحياة، فالخصر المنسحق والظهر المستقيم كانا في نظر المجتمع أهم من أعضاء داخلية تعمل بطريقة سليمة.

الأناقة على ارتفاعات عالية: أحذية البولين والشوبين

في القرون الوسطى لم يكن الحذاء يُختار لراحة القدم ولا لحمايتها من الطين والحجارة، كان وجوده في ذاته إعلانًا صاخبًا أن صاحبه ليس فلاحًا يجر أرجله في الوحل، وليس جنديًّا يسحق أقدامه في المسير مع الجيوش، بل هو إنسان يقضي أكثر وقته جالسًا ولا يحتاج إلى الجري إلا إذا لم يجد من يحمله في الممرات.

في القرن الرابع عشر، ظهر نوع غريب من الأحذية يسمى (بولين) وهو حذاء تتمدد مقدمته نحو الأمام لمسافة قد تبلغ 20 أو 30 سم، ولكيلا يتعثر صاحبه في كل خطوة، كان يضطر إلى ربط طرف الحذاء بسلسلة أو حبل عند الركبة، فيصبح المشهد وكأن رجلًا يمشي وقد رُبطت قدماه بدمية مكسورة الأوتار.

حذاء البولين

والمشي بهذا الشكل لم يكن عفويًا، بل عملية مدبرة تتطلب تركيزًا وحسابًا لكل خطوة، وهذا عبء لم يكن الفقير يحمله، فهو أصلًا لا يملك حذاءً ليتعثر به، ومع ذلك لم يتركوها موضة حرة، بل فرضوا قوانين تقيد طول المقدمة حسب الطبقة الاجتماعية، فالأمراء والنبلاء يُسمح لهم بأطوال مبالغ فيها والتجار يحصلون على أطوال أقصر، أما العامة فيكفيهم عدة سنتيمتراتٍ لا أكثر.

نظام طبقي دقيق، مقاسه بالسنتيمتر، وإذا بدا لك ذلك غريبًا فتذكر أن العالم الحديث هو أيضًا يضع قوانينه الخفية، فمن يحمل شعارًا معينًا لماركات باهظة على الحقيبة أو الحذاء يُصنف في طبقة أخرى فقط بالنظر.

 وفي فينيسيا بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، ظهر نوع آخر لا يقل غرابة يسمى (شُوبين) أحذية بمنصة عالية، وثقت بعض المتاحف أن ارتفاعها قد يبلغ 40 سنتيمترًا، كانت تعطي صاحبتها قامةً أطول وحضورًا أبرز، وفي المقابل تنزع منها أبسط مهارة في المشي، فالسير فيها بطيء ومرهق، والسقوط يمكن أن يحدث بسبب طين أو دَرَج أو حتى هبة ريح، ولهذا كانت المرأة التي ترتديها تحتاج إلى خادمتين، واحدة عن كل جانب لتساعدانها على السير، فالتوازن في حذاء يشبه جسرًا صغيرًا شيء أقرب إلى البطولات البهلوانية منه إلى المشي، ولم يكن المقصود منه تقييد الهرب، لأن من ترتديها لن تبلغ بعيدًا على أية حال.

وكان علماء الآثار إذا وجدوا هياكل عظمية تعود إلى ذلك الزمن وفيها شقوق أو كسور في الكواحل والسيقان، فأول ما يفترضونه ليس ضربات جراء حروب ومعارك، بل الاحتمال الأقرب والأكثر بساطة هو أن صاحب هذا الرفات كان فقط ضحية جديدة للموضة.

الكعب العالي: من ساحة المعركة إلى صالونات الموضة

لم يُخترع الكعب العالي في البداية ليبهر أحدًا ولا ليقلده أحد، بل كان ابتكارًا حربيًا خالصًا، ففي القرن العاشر حين احتاج الفرسان إلى شيء يمنع أقدامهم من الانزلاق عن الركاب وهم يمسكون بالسرج لرمي السهام، جاء الحل عبارة عن كعب صغير يثبت القدم ويحسن التوازن، ويمنح الفارس فرصة أكبر في البقاء حيًا والقتال بكفاءةٍ أعلى، وعندما وصل الاختراع لأوروبا، تصرف النبلاء كما يفعلون دائمًا، تمسكوا بالشكل ونسوا الفائدة، فبدؤوا يرتدون أحذية ذات كعوب، بلا خيل وبلا سرج أو معركة وبلا أي منطق سوى منطق الطبقات، كلما ارتفع الكعب، ارتفعت معه المكانة الاجتماعية.

أشهر من رفع مستوى هذه اللعبة هو الملك لويس الرابع عشر، كان قصير القامة بالطبيعة فاختار أن يحل المشكلة بالهندسة، فكان كعبًا أحمر بارزًا بلغ ارتفاعه 12 سنتيمترًا، مع قانون ملكي يمنع غيره من تقليده، وكان يشير إلى نعله بفخر لا يقل عن فخره بالتاج، ويذكّر النبلاء بأن هذا اللون لا يليق إلا بالملك، فأصبح اللون الأحمر في الأحذية حكرًا عليه، وصار الحذاء يعلن سلطته بقدر ما يعلنها التاج.

لويس الرابع عشر والكعب العالي

تطرفت الموضة بعد ذلك، فارتدى بعضهم كعوبًا تجاوزت 15 سم في شوارع غير ممهدة مليئة بالحصي والطين، والنتيجة كانت بديهية، انزلاقات يومية، والتواءات في الكاحل، وكسور في العظام، وإيمان متأخر بقيمة الأرض المستوية.

مع القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأت النساء يتبنين الكعب العالي ويتفوقن فيه، وعندها تراجع الرجال تكيفًا مع مقاييس جديدة للرجولة، ترى أن المشي المستقيم والقدرة على الجري أهم من ارتفاع الكعب، وهكذا ما بدأ سلاحًا للفرسان انتهى رمزًا للأنوثة، والتاريخ كعادته يعشق المفارقات وأقدام البشر هي من يدفع الثمن.

جنون الرؤوس: الباروكات ومخاطرها الصحية

ظهرت باروكات الشعر في القرن السادس عشر وكانت في البداية اختراعًا عمليًا نوعًا ما، اشتهرت أكثر بين الرجال خصوصًا التجار والنبلاء الذين كانوا يسافرون كثيرًا ويفجُرون كثيرًا، ما زاد من فرص إصابتهم بمرض الزهري، كان هذا المرض ينتشر في القصور أسرع من الشائعات، وكانوا يسمونه مرض السادة أو مرض النبلاء، ومن أعراضه المبكرة تساقط الشعر خصوصًا في مقدمة الرأس، لذلك كانت الباروكات وسيلة طبية لتغطية الصلع وتساقط الشعر وإخفاء حرج الإصابة بهذا المرض.

ظهور باروكات الشعر

في بدايتها أدت الغرض بمظهر أنيق نسبيًا إلى أن خرجت عن السيطرة، فمع مرور الزمن حدث ما يحدث دائمًا مع الموضة، تضخمت الباروكات وصغرت رؤوس أصحابها وقلت مرات غسلها، فغسل شعر طوله متر ووزنه قد يصل إلى كيلوغرامين ليس مهمة سهلة.

كانت النتيجة المتوقعة هي تحول الرأس إلى حديقة حشرات متنقلة، فصار من السهل أن تجد في الباروكة قملة وربما مستعمرة كاملة من القمل والبراغيث تنعم بالرفاهية والتعايش، وقد سجلت بعض المراجع الأدبية حوادث في الحفلات المضاءة بالشموع حين يقترب أحد الضيوف أكثر مما ينبغي، فتلتقط الباروكة شعلة صغيرة تتحول في ثوانٍ إلى نار تلتهمها وتجعل صاحبها يجوب قاعة الرقص كمشعل بشري قبل أن تبدأ الموسيقى حتى.

وبحلول القرنين السابع عشر والثامن عشر بلغ الجنون ذروته، فظهرت باروكات تحتاج إلى دعائم معدنية لتثبيت الهيكل، وأوزان تصل إلى 5 كجم تسحق الرقبة، وديكورات فوق الرأس تراوح بين طيور محنطة وسفن بحرية مصغرة ومشاهد معارك وحتى حدائق بأشجار صغيرة، كانوا يحولون رؤوسهم إلى معارض فنية متنقلة، والمشكلة أن هذا المعرض كان يمشي على ساقين متعبتين، أما الصداع وآلام الرقبة فكانت جزءًا من السعر المدفوع مقابل المظهر، وكل ذلك في سبيل أن تبهر الضيوف وتجعلهم يتساءلون كيف مرت هذه الباروكة عبر الباب.

النحافة المقدسة: الجمال الروحي وضحايا الجوع

في المجتمعات المسيحية الأوروبية لا سيما في العصور الوسطى وعصر النهضة لم تكن النحافة الشديدة تُفهم على أنها سوء التغذية أو المرض، بل علامة التقوى والرقي الروحي، كان المنطق في ذلك أنه كلما خف الجسد ثقلت الروح، فكل كيلوجرام يتضاءل يعد خطوة نحو الخلاص، وكان الجوع يُرى جزءًا من التقرب وتدريبًا للنفس على الخضوع والصبر، وبما أن المرأة وفق التصور المسيحي السائد هي المسؤولة عن الإغواء والشهوة فالطريق الأفضل لتطهيرها هو التجويع المنظم، وصفة بسيطة: خبز أسود وماء وقليل من الأعشاب المُرة، للتذكير بأن المتعة غير مسموحة، مع الابتعاد عن كل ما فيه دهون أو فواكه أو بقول، صوم يليه سهر يليه صوم آخر، روتين روحي جعل الجوع يُعامل كقداس يومي، بعض النساء خاصة الرهبانيات عشن سنوات على ما نسميه اليوم اضطرابًا في الأكل، غير أنه في ذلك الزمن لم يُعد مرضًا، بل قُدم كدليل على القداسة.

نحافة المرأة في العصور الوسطى

فقد الدورة الشهرية أو الإغماء أو الشحوب، كانت جميعاً تُقرأ علامات على أن الروح غلبت الجسد، ومع مرور الوقت أُعيد تأويل الهُزال كونه مصدر إلهام ومظهر من مظاهر الضياء الروحي، صحيح أن بعض الكتب الطبية وبعض تعاليم الأديرة أشارت إلى مخاطر التجويع المستمر، ولكن كما هو معروف تذوب الاعتراضات سريعًا عندما تقابل قيمة روحية راسخة، في النهاية لم يكن هناك شيء أكثر وقارًا من أن تموت المرأة بلا شهوة ومعدة فارغة، لتُسَجل خاتمتها كدليل على القداسة.

ضريبة اللحية: حين تصبح الموضة أداة سياسية

في سنة 1698 قرر القيصر بيتر الأعظم أن يجر روسيا جرًا نحو أوروبا المتقدمة، فإلى جانب قائمة طويلة من الإصلاحات العسكرية والإدارية والثقافية، أضاف قرارًا لا يظهر في أي كتاب اقتصاد، ففرض ضريبة على اللحية في روسيا، والحجة الرسمية كانت رغبة تغيير المظهر العام للرجال الروس وجعلهم يشبهون نبلاء القارة الأوروبية، ففي لندن وباريس كان النبلاء يظهرون بوجوه حليقة ناعمة وقصات شعر متقنة، تشير حسب الرؤية الجديدة إلى التحضر والتقدم والتهذيب، فصارت الخطة أن يشبه الرجل الروسي نبيلًا أوروبيًا لا راهبًا أو تاجر فراء.

وعلى هذا الأساس كان كل رجل يريد الاحتفاظ بلحيته سواء كان جنديًا أو تاجرًا أو فلاحًا ملزمًا بدفع ضريبة سنوية، لا للسماح للشعر أن ينمو فقط، بل للسماح له أن يمشي في الشارع دون أن يوقفه أحد، وفي المقابل كان يتسلم قرصًا نحاسيًا صغيرًا يعلن لكل من يراه أنه قد دفع ثمن اللحية، فأصبح عليه أن يحمل هذا القرص جواز مرور يخبر العالم أنه دفع مالًا ليحتفظ بشعر وجهه.

أما تنفيذ القرار فلم يترك للمصادفات، فقد تحول الحلاقون الذين كانوا مصدر الرغوة ورائحة الصابون لجباة ضرائب حقيقيين، إذ يسجلون الأسماء ويراقبون ذقون الرجال، ويحذرون المتأخرين عن الدفع، وإلى جانب ذلك جالت فرقة عسكرية مختصة الشوارع وتقف عند أبواب الكنائس تراقب اللحى كما يُراقَب المهربون، وعند الحاجة يُخير الرجل بين دفع الضريبة في الحال أو الجلوس على المقعد والحلاقة، فإما أن تدفع وإما أن تخرج من المحل ناعم الوجه.

في الحياة اليومية لم يستسلم الرجال للأقراص النحاسية والموس بكل سهولة، فاخترعوا حيلًا غريبة للاحتفاظ بشيء من لحاهم أو على الأقل بعض من مظهرها، فمنهم من قص لحيته وحفظ خصلات في قلادة صغيرة تتدلى على الصدر كأنها تذكار من ماضٍ قريب، ومنهم من نسج لها نسخة زائفة من الفراء أو الشعر الحيواني ليرتديها خصيصًا عند المجامع الدينية والمحافل الرسمية تجنبًا للإحراج، وبعضهم كان يحلق لحية كاملة ثم يخيط خصلات منها على صدر الثوب كأنها زخرفة لا غاية لها إلا أن تعلن أن صاحبها كان يومًا ما ملتحيًا، هذه المحاولات أنتجت مشاهد عجيبة، منها رجل يحمل لحيته في جيبه كما يحمل النقود، وآخر يلبس نسخة خشنة الملمس تشبه فرو معطف بالٍ، وثالث يمشي بلحية إدارية مخصصة بختم حكومي صغير. 

مشاهد تجعلك تتساءل، هل هذا فعلًا مشهد من الحياة الروسية في القرن السابع عشر أم لقطة من مسرحية هزلية عن التنكر؟ وبغض النظر عن كل الخطب والبلاغات الرسمية التي قدم فيها القرار كخطوة تقدمية لتحديث مظاهر الرجال، فإنه في الحقيقة كان أداة لفرض السيطرة وقص جذور الهويات الدينية والثقافية، وفي سجلات الضرائب يبقى هذا الإجراء أحد أكثر القرارات جرأة وفي الوقت ذاته أسخفها.

موضة اليوم: هل تغير شيء؟

نضحك على مساحيق الرصاص، نحدق في المشد باشمئزاز، ولكننا اليوم نحقن وجوهنا بالبوتوكس، ونملأ الشفاه بالفيلر، ونقشر الجلد بسكين كيميائية، ونعيش أيامنا وهمومنا على عدد السعرات كما كانوا يعيشونها على زجاجات الزئبق. الأدوات تغيرت والهوس لم يختفِ، حقن تشل الوجوه، خيوط تشد الجلد، ومشرط يرسم أنفًا جديدًا أو خدًا أو حتى أذنًا، وإذا لم يطعن المشرط طعنت النظرات (لا تأكل كثيرًا)، (اجلس باستقامة)، (لو نحفت قليلًا)... التاريخ لم يختفِ، ما زال هنا، لكنه يُسوق كشيء يُباع مع خصم وإعلانات، فإذا حرقك الليزر أو نزفت قدمك من حذاء راقٍ أو ترك البنطلون أثرًا أزرق في خاصرتك، فلا تنزعج، أنت لست ضحية، أنت فقط مواكب للموضة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.