الموشحات الأندلسية فنٌ شعريٌ فريدٌ من نوعه، هذا الفن الغنائي العربي الرائع نشأ ليجمع بين روعة القصيدة وعذوبة اللحن، ويُعد فن الموشحات من أبرز إبداعات الأدب الأندلسي الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالغناء الأندلسي، فوُجد ليُنشد ويغنى. فإذا كنت تتساءل عن أسرار هذا الفن الخالد، وإذا كانت له أوزان محددة، فإن الإجابة في هذا المقال.
تعريف الموشح
الموشح كما حدده ابن سناء الملك هو كلام منظوم على وزن مخصوص، ويقال للموشح أيضًا التوشيح؛ اشتقاقًا من معنى الوشاح. والوشاح بمعناه اللغوي هو شبه قلادة من نسيج مرصع بالجواهر تلبسه النساء وجمعه وشح مثل كتاب وكتب. وتوشح بثوبه أي أدخله تحت إبطه الأيمن ثم ألقاه على منكبه الأيسر. ويقال أيضًا موشح إذا كان الثوب موشى ببعض التزيينات.

والقاعدة في صياغة الموشح هي أولًا أن يكون معنى أول البيت دالًّا على قافيته. ويصفه الرافعي في كتابه الأدب العربي بقوله: «فينزل فيه هذا المعنى بمنزلة الوشاح، كما ينزل أول الكلام وآخره منزلة محل الوشاح من العائق والكشح أي أعلى الصلب».
أوزان الموشحات: جدل الخروج عن بحور الشعر
على كم وزن كتبت الموشحات؟ الجواب على هذا السؤال محيّر، فقد قيل: لا حصر لعدد أوزان شعر الموشحات. وقيل: أما عدد أوزان الموشحات فلم يزد على عدد أوزان الشعر العربي، أي 16 وزنًا. وقيل: عدد أوزان شعر الموشحات بلغ 146 وزنًا حسب دراسة المستشرق الألماني هارتمان. إذن للموشح موازين خاصة.
يقول ابن سناء الملك في موضوعها ما يلي: «والموشحات تنقسم إلى قسمين: الأول ما جاء على أوزان شعراء العرب، والثاني ما لا وزن له. والموشحات هي المنظومة على الأوزان الفراهيدية، ويعدها الوشاحون من النوع المرذول المخذول، وهي أشبه بالخمسَّات منها بالموشحات، ولا ينظمها إلا الضعفاء من الشعراء.
ومع ذلك فإننا نجد بعض الموشحات موزونة على التفاعيل الفراهيدية، وتُعد من أشهر الموشحات كموشح لسان الدين الخطيب المشهور، وهو من بحر الرمل:
جادك الغيث إذا الغيث هما *** يا زمان الوصل بالأندلس
وأما الموشحات التي خرجت عن الأوزان الفراهيدية فهي كموشح «صبرت والصبر شيمة العاني، ولم أقل للمطيل هجراني معذبي كفاني». وهذا الموشح من وزن المنسرح وقد خرج عن الميزان (معذبي كفاني) فجُبر هذا الكسر بكلمات «لا لا» فأصبح الميزان هكذا: «لا لا معذ – ذ بي كفى – في لالا» فاستقام الوزن.
وقد حاول المستشرق الألماني هارتمان في كتابه القديم عن الموشح حصر أوزانه بـ146 وزنًا مقتبسًا من بحور الشعر الستة عشر، وحصرها شاعر آخر بمئتي وزن. ولكن الدكتور جودت الركابي رد في كتابه (الأدب الأندلسي) على هذه المحاولة وقال إنه توجد موشحات تشذ عن الأوزان التي ذكرها هارتمان ولا تخضع لها. ومعنى ذلك أن أوزان الموشحات ظلت لا حصر لها. ولا شك أن هذا الرد صحيح ومعقول؛ لأن كل من يحاول دراسة هذه الأوزان يجد صعوبة في حصرها.
هيكل الموشح وخصائصه الفنية
يتألف الموشح في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له التام، وإذا لم يستهل يقفل ويقال له الأقرع. فالتام ما ابتدئ به بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ بالأبيات.

ولفهم الفرق بين القصيدة والموشح، يجب النظر إلى هيكله الفريد. يتألف الموشح من أجزاء متناوبة، لكل منها اسم وموقع محدد.
تشريح الموشح
-
المطلع (أو القفل الأول): هو بداية الموشح ويتكون من شطرين أو أكثر بقافية موحدة.
-
البيت: هو القسم الذي يلي القفل، وتكون قوافيه مختلفة عن قوافي الأقفال ومتحدة بين أجزاء البيت نفسه.
-
القفل: هو قسم يتكرر بعد كل بيت، ويلتزم بقافية ووزن المطلع.
-
الدور: هو الاسم الذي يطلق على مجموعة (البيت + القفل الذي يليه).
-
الخرجة: هي القفل الأخير من الموشح، وتعتبر ذروته الفنية، وغالبًا ما كانت تُكتب باللغة العامية الأندلسية أو إحدى اللغات الأعجمية، بصوت شخصية نسائية غالبًا.
أما الأبيات يلزم في كل بيت منها أن يكون متفقًا مع بقية أبيات الموشح في وزنه وعدد أجزائه على أن تختلف قوافي كل بيت عن الآخر.
ويجب أن تختلف قوافي كل بيت عن الآخر، وأن تختلف عن قوافي القفل، ويتألف البيت من شطرين أو ثلاثة أشطر في حالته الطبيعية، وأقصى حدوده خمسة أشطر. والجزء من البيت قد يكون مفردًا أو مركبًا، والمركب يتألف عادة من فقرتين أو ثلاث فقرات أو ثلاث فقرات ونصف، وقليلًا ما يتألف من أربع فقرات. وينتهي كل موشح بالخرجة وهي عبارة عن القفل الأخير من الموشح.
نشأة الموشحات الأندلسية وعلاقتها بالغناء
للإجابة عن سؤال من مخترع الموشحات؟ تختلف الروايات التاريخية. ظهرت نشأة الموشحات الأندلسية في عهد الدولة المروانية، أول مُوجِد لها على رأي ابن خلدون هو مقدم بن معافر الفريري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر المتوفى عام 940 م.

ويقول ابن بسام في (الذخيرة) إن أول من صنع أوزان الموشحات واخترع طريقتها هو محمد بن محمود القبري الضرير. وقيل إن ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد كان أول من سبق إلى هذا النوع من النظام التوشيحي.
ويقول آخر إن الموشحات من صنع التروبادور والتروفير (وهما شعراء وموسيقيون فرنسيون كانوا يغنون في العصور الوسطى)، ولكن الرأي الأخير غير وارد لأن الموشحات وُجدت في القرن التاسع الميلادي، في حين ظهر التروبادور والتروفير في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي.
وأعتقد أن أسبقية التاريخ بنيف وثلاثة قرون تقريبًا عن تاريخ التروبادور كافية للرد على هذا الرأي. ومما لا شك فيه أن شعراء التروبادور هم الذين اقتبسوا خصائص الموشح الأندلسي وأدخلوه إلى فنونهم الشعرية. ويقول المستشرق نيكلسون «إن الموشحات فن عربي ترجع أصوله إلى الشعر التقليدي العربي وحده».
وقد وُجد الموشح ليغنَّى، ولا تستقيم أوزانه إلا بالغناء، وكلمة الإنشاد في اللغة العربية تعني التلاوة أو الغناء معًا. فيقال إن الشاعر الفلاني أنشد القصيدة أي تلاها، والمنشد الفلاني أنشد القصيدة أي غناها، وما زلنا متأثرين في تلك الاصطلاحات القديمة القاضية بدمج الشعر بالموسيقى والغناء الأندلسي حتى يومنا هذا، وهذه هي علاقة الموشحات بالغناء، فهي علاقة عضوية لا تنفصل.
وقال المتنبي في هذا المعنى:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي *** إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا
أشهر الموشحات الأندلسية
خلد تاريخ الموشحات أعمالًا رائعة لا تزال تُغنى حتى اليوم، ومن أشهرها:
-
«جادك الغيث» للسان الدين بن الخطيب (ت. 1374م): يعد أشهر موشح أندلسي على الإطلاق، وهو يرثي فيه مملكة غرناطة الزائلة.
-
«لما بدا يتثنى» (مؤلف مجهول): موشح غزلي عذب، يُعد من أساسيات التراث الموسيقي العربي.
-
«يا غصن نقا مكللاً بالذهب» لابن سهل الإشبيلي (ت. 1251م): من أروع الموشحات في الغزل والوصف.
لماذا بقيت الموشحات فنًا خالدًا؟
يُعد فن الموشحات من أبرز الفنون التي أثرت في الأدب الأندلسي، حيث مثّل حالة فريدة من التجديد والتجريب، وكسر القيود التقليدية للشعر. لقد كانت الموشحات أكثر من كونها شعرًا؛ كانت لوحات غنائية تظهر جمال العصر الأندلسي وتُعبر عن حساسية فنانيه. هذا التجديد هو ما جعلها خالدة، قادرة على تجاوز حدود الزمان والمكان، لتبقى رمزًا للإبداع العربي الذي لا حدود له.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.