نحن لا نعرف أين ينتظرنا الموت حقًّا؛ فلننتظره في كل مكان.
إن توقعنا للموت هو توقع للتحرر من الخوف الذي يثيره.
الذي يتعلم كيف يموت؛ يتساءل كيف يكون رهينة لمخاوفه، فمعرفة كيف نموت تمنحنا القدرة الكافية على عيش الحياة.
منذ بداية الوعي البشري، كان إدراكنا للموت يرعبنا، وقد كوَّن هذا الرعب معتقداتنا، وأنظمتنا العقلية، وكوَّن على نحو كبير سلوكنا بطرق لا يمكننا فهمها أو إدراكها. لقد أصبحنا نحن البشر ضحايا لمخاوفنا وأهوائنا العقلية.
مشكلة معظم البشر أننا ندرك فكرة موتنا، ومع ذلك، فإننا نخشى تعميق هذا الوعي، وفي كثير من الحالات، تتجاوز المشكلة حقيقة أننا ندير ظهورنا له.
ومع ذلك، يجب علينا أن ننظر إلى الموت كونه نوعًا من الموعد النهائي مستمر.
وهذا يتطلب منا أن ننتبه لهذه الحقيقة، وأن نجعلها أساسًا لتفسيرنا الدائم.
على الرغم من أن عقولنا تتجه نحو المستقبل الذي ستتحقق منه كل آمالنا وأمنياتنا.
إن اقتراب الموت من شأنه أن يشجع النفس على اليقظة، ما يجعل العقل يركز في مستويات عالية؛ نلاحظ تفاصيل جديدة، ونرى وجوه الناس من منظور جديد، ونشعر بمدى سرعة اختفاء كل شيء من حولنا.
لذلك؛ فوعينا بقصر الحياة يحدِّد نهجًا لتصرفاتنا اليومية، ونحن ندرك ذلك دائمًا؛ قد ندرك أن الخلافات التافهة والاصطدامات البسيطة هي مجرد عوامل تشتيت مزعجة تمنعنا من الاستمتاع بحياتنا.
إن الاقتراب من الموت أو الإصابة بأمراض تهدد الحياة يزيل الجنون من الطبيعة، ويمحو الضغينة من نفوسنا، ويجعلنا نرى الحياة بعيون مختلفة.
وسرعان ما سيظهر مشهد الموت، وهذا الإحساس الوجودي بالموت يمنحنا إحساسًا مختلفًا بالحياة. ويتبدد الشعور الطبيعي بالاختلاف والامتيازات، ويظهر شعور عام لم يكن شائعًا بين الناس من قبل.
ودورنا هو أن نبدأ هذا التعاطف على نطاق صغير عن طريق النظر أولًا إلى من حولنا، في منازلنا وعائلاتنا وأماكن عملنا، لنرى ونتخيل موتهم، ونلاحظ كيف يمكن أن يغير هذا فهمنا لهم.
ولعل مصدر هذا الشعور هنا هو الألم العميق الذي ينشأ ونشعر به عند موت كل روح محبوبة، ففي كل إنسان توجد صفة لا نستطيع تفسيرها وهي فريدة بذاتها. هذا الإنسان في اللحظة الحاضرة وهو موجود بيننا، ويجب أن نشعر باحتمال حدوث الألم والموت له، ولا نشعر بهذا الاحتمال بأعيننا فقط.
كذلك فاقتراب الموت يمنع الإنسان من الخضوع والرضا بقضاء الله وقدره، وبأن الأحداث مقدورة. كل شيء يحدث لسبب ما، ودورنا هو اكتشاف الحكمة منه.
ويقدم لنا الاقتراب من الموت فرصًا مثالية للانسحاب من صخب الحياة وضجيجها، وفرصة لإبطاء خطواتنا، وإعادة تقييم أفعالنا، وتقدير نعمة الحياة التي نعيشها. وهو أعلى نهج في التعامل مع حقائق الحياة القاسية وأهمها الموت.
بهذا الفكر؛ نحن نكافح من أجل الحفاظ على إحساسنا بالأهمية لأنفسنا والإحساس بأننا متميزون عن الآخرين، وكلما تعمق عندنا هذا الارتباط العميق مع الناس، تحسنت قدرتنا على التعامل مع الطبيعة البشرية بجميع أنماطها بالتسامح والتحمل.
إن وعينا الجديد بالموت قد خلق لنا صورة جديدة لكيفية التعامل مع الناس من أجل تخليص أنفسنا من الخلافات والصراعات الشائكة التي تعطل سلام الحياة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.