الموت البطيء للمدرسة التقليدية

منذ بداية جائحة كورونا، التي صدمت العالم والحياة الإنسانية في جميع الميادين وما يترتب عنها من تداعيات وأزمات مترتبة، مثلت الهاجس الكبير للعلماء والمفكّرين والتّربويين وحتى السّياسيين، خاصّة وأن هذه الجائحة لم تكن أزمة عابرة كما كان الجميع يعتقد منذ بدايتها في شتاء عام 2020م، بل كشفت عن طابعها الممتدّ لسنوات من خلال تحورها وتغيُّر تركيبتها الجينية من دلتا إلى أوميكرون، الأمر الذي يحتم علينا الدّخول في مرحلة جديدة رغم جرعات التطعيم بمختلف أنواعه متمثلة في رحلة التّعايش مع هذا الزّائر الغريب الذي فقد اتّجاه البوصلة،  وجعلنا نعيش في بحار تئن فيها الرّياح ضاع فيها المجداف والملاح.

سبّب فيروس كوفيد سارس 19 اضطرابًا في عملية التّعليم والتّعلُّم منذ بدايته ثمّ عند اشتداده أو ما يعبّر عنه بالموجة الثّانية والثّالثة والرّابعة خلال عام 2021م ممّا دفع بعديد الدّول المتقدّمة والرّائدة إلى انتهاج أسلوب غير تقليديّ في عملية التّعليم والتّعلُّم يسمّى التّعليم عن بعد أو الإلكترونيّ، وهو نظام اعتمد سابقًا منذ 1956م في الولايات المتّحدة الأمريكيّة بخلاف الدّول الفرانكفونية التي أساءت التّخطيط لهذه المرّحلة وفضحتها الجائحة فالتجأت إلى اتّخاذ تدابير استثنائية تتمثل في تخفيف البرامج التّعليمية من خلال حذف وحدات تدريسية ومفاهيم بطريقة عشوائية لا تخضع إلى أسس وبحوث علمية مع اعتماد التدريس بنظام الأفواج؛ لتحقيق التّباعد، واستعمال الكمامات والمعقم، وتطبيق البروتوكول الصحيّ، الذي كان بعيدًا عن الواقع في ظلّ حصانة نفسيّة متزحزحة للمتعلمين وبيئة لا تساعد على التّعلم في ظلّ الخوف من العدوى.

الأمر الذي  كانت نتيجته تتمثل في تدني مستوى تحصيل المتعلمين في جميع المؤسسات التّعليميّة وفقدان قدرتها على مواكبة المستجدات في ظلّ الانفجار المعرفيّ والتطوّرات المتسارعة المتلاحقة، وغياب دورها الرّئيسي والمتمثّل في نقل الإرث الحضاريّ من خلال غرس الأفكار والقيم والمعقدات عن طريق المنهج الذي يمثل انعكاسًا لواقع المجتمع خلال مراحل تطوره، وبالتّالي دقّت هذه الجائحة المسمار الأخير في نعش المدرسة التقليدية، أو ما عبر عنه السوسيولوجيون بموت المدرسة التقليدية البطيء في ظلّ طهور مؤشرات في كثير من الظواهر الاجتماعية في زمن وضع الفيروس النقطة في نهاية السطر، فاستثناء دول مجلس التّعاون الخليجيّ التي نجحت في مواكبة المستجدات واعتماد نظام التّعلم عن بعد أو الإلكترونيّ بنجاح، أغلقت وستغلق جميع المسارح التربوية الأخرى قبل اكتمال العروض لأن البضاعة المعروضة منتهية صلاحيتها، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب