ما من اسمٍ في فضاء الفكر العربي المعاصر يستدعي الجدل ويفرض المهابة في آنٍ معًا، كاسم المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة، فهو ليس عالم مستقبلياتٍ أو سوسيولوجي حاذق فحسب، بل هو ظاهرة فكرية متكاملة، ورجلٌ امتلك من الشجاعة الفكرية والجرأة في الحق ما جعله صوتًا فريدًا صارخًا في برّية الصمت العربي.
لقد كانت كتبه القيمة، من «الحرب الحضارية الأولى» إلى «الإهانة في عهد الميغا إمبريالية» و«قيمة القيم» التي الصدمات الكهربائية التي حاول بها إيقاظ ضميرٍ كاد أن يسبت. ولكن، هل كل ما أضاءه المنجرة كان شمسًا للحقيقة؟ أم أن في بعض نسيج رؤاه خيوطًا حجبت من المشهد بقدر ما كشفت؟
إن أي محاولة نقدية لفكر المنجرة لا يمكنها، إن توخَّت الإنصاف، لكن تبدأ بالإقرار بعبقرية الرجل وبصيرته النافذة، لقد كان المنجرة سبّاقًا في تفكيك شيفرة نظام عالمي جديد كان يتكَّون على أنقاض الحرب الباردة، نظامٍ لم يَرَ فيه نهاية التاريخ كما بشَّر فوكوياما، بل بداية حربٍ من نوعٍ آخر، حربٍ تُشَنّ بالرموز والقيم والثقافة قبل أن تُشَنّ بالطائرات والدبابات.
لقد أدرك بفطنة نادرة أن القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لن تكون للعسكر والاقتصاد فحسب، بل للمعرفة ورأس المال اللامادي، وفي وقتٍ كان فيه الخطاب السائد يدور حول صراع الأيديولوجيات، حوَّل المنجرة بوصلة التحليل نحو صدام الحضارات، ليس كونه داعيةٍ له، بل كونه كاشفًا عن ستاره، محذّرًا من أن الغرب، في ذروة غطرسته، غير مستعد لقبول عالمٍ متعدد الأقطاب ثقافيًّا وحضاريًّا.
وتجلَّت بصيرته في مفهوم «انتفاضة المهانين» الذي صاغه قبل أن تُعرَفَ «ظاهرةُ الربيع العربي» بسنواتٍ؛ لقد أدرك أن محرّك الثورات القادمة لن يكون الجوع والفقر فحسب، بل هو الشعور العميق بالإهانة والمساس بالكرامة. فالإنسان، في فلسفة المنجرة، ليس كائنًا اقتصاديًا أولًا، بل هو كائنٌ ذو كرامة، وحين تُسلب منه هذه الكرامة، يصبح انفجاره حتميًا. هذا الفهم العميق للنفسية الجماعية للشعوب المقهورة هو ما منح تحليلاته تلك القوة الاستشرافية التي لامست حدود النبوءة.
ولكن، وهنا يبدأ النقد، هل كانت نبوءات المنجرة دائمًا خريطة دقيقة للمستقبل، أم كانت أحيانًا مرآة مكبّرة لمخاوفه ورغباته العميقة؟ إن الإطار النظري الذي حكم فكر المنجرة، وبالأخص ثنائية «الغرب» و«الإسلام» أو «الشمال» و«الجنوب»، على الرغم من قوته التفسيرية، يقع أحيانًا في فخّ الاختزالية والتعميم.
فـ«الغرب» في كتاباته يبدو كتلة متجانسة ذات إرادة واحدة للهيمنة، وكذلك «عالم الجنوب» يبدو موحّدًا في تطلعاته ومعاناته. هذا التيسير، وإن كان مفيدًا في رسم الخطوط العريضة للصراع، فإنه يتجاوزُ التناقضاتِ الداخليةَ الهائلة، والتحالفات العابرة للحضارات، وشبكات المصالح المعقّدة التي تجعل العالم أكثر تركيبًا من مجرد قطبين متنافرين.
إن تركيزه المحق على الهيمنة الثقافية الغربية دفعه أحيانًا إلى التقليل من شأن الأزمات البنيوية الداخلية التي تعصف بدول الجنوب، من استبداد سياسي، وفساد نخبوي، وتوترات مجتمعية لا يمكن ردّها جميعًا إلى مؤامرة خارجية. لقد كان المنجرة، في دفاعه المشروع عن الذات الحضارية، يميل أحيانًا إلى رومانسيةٍ معيّنةٍ تجاه هذه الذات، متغافلًا عن ضرورة النقد الذاتي الداخلي كشرطٍ لا غنى عنه لأي نهضة حقيقية.
أما على مستوى المنهج، فقد كان المنجرة مفكرًا حدسيًا أكثر منه عالمًا وضعيًا، كانت قوته في التقاط الإشارات الخافتة، والشعور بـ«روح العصر» «Zeitgeist»، وصياغة مفاهيم صادمة توقظ العقول. لكن هذا المنهج، على عبقريته، يفتقر أحيانًا إلى الصرامة المنهجية التي تُمكّن من التمييز بين «السيناريو المحتمل» و«الحتمية التاريخية». ولهذا السبب، فإن قراءةَ فكره كونه كتابِ نبوءاتٍ مُنَزَّلة هي ظلمٌ له وللفكر معًا، فالمنجرة لم يكن يهدف إلى تقديم إجابات نهائية بقدر ما كان يهدف إلى طرح الأسئلة الصحيحة والمقلقة.
في الختام، لا يمكن إنكار أن المهدي المنجرة كان قامة فكرية باسقة، ومثقفًا عضويًا نذر قلمه وحياته للدفاع عن كرامة أمته والشعوب المقهورة. إن قيمته الحقيقية لا تكمن في صحة توقعاته من عدمها، بل في تأسيسه لمدرسة كاملة في التفكير النقدي، وفي شجاعته على تحدي المسلّمات الغربية والمحلية على حدٍّ سواءٍ.
إن إرثه ليس مجموعة من الإجابات، بل هو شعلة من الأسئلة الملحَّة عن القوة والكرامة والهوية في عالمٍ يزداد تعقيدًا، وعليه، فإن أعظم تكريمٍ لفكره ليس تقديسه، بل محاورته ونقده والبناء عليه، لنكون جديرين بتلك الصرخة التي أطلقها، صرخةٍ من أجل مستقبلٍ لا تكون فيه الكرامة ترفًا، بل حقًا إنسانيًا أصيلًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.