المنهج اليقيني في هندسة إقليدس.. تعرف الآن

إن تعريف علم ما بمنهجه يوضح لنا طبيعة موضوعه في الوقت نفسه، وهذا ما ينطبق على التصور الرياضي الحديث، كتحول دقيق لها.

وقد كان أساس هذا التحول أو نقطة البدء، هو الحركة التي قام بها الرياضيون المحدثون في محاولة للبرهنة على مسلمة إقليدس الخامسة (مسلمة التوازي) لجعلها نظرية من النظريات فلم يحصدوا من عملهم هذا إلا الفشل الذي قادهم إلى عوالم مختلفة عن المكان الذي تصوره إقليدس، والذي قامت عليه الهندسة الكلاسيكية.

اقرأ أيضاً أصول ومبادئ الرياضيات حسب نظرية إقليدس

المنهج اليقيني في هندسة إقليدس

ولما كان إقليدس معاصرًا لأرسطو فإن اليقين الذي اتسمت به هندسته نابع كما قلنا سابقًا من التحليلات المنطقية الأرسطية التي منحتها من اليقين ما أمكن.

وأهم ما يمكن ذكره عن كتاب إقليدس في الهندسة أعني بذلك كتاب «الأصول» فقد دمج فيه بذكاء وحدة ما وصله من رياضيات القدماء مدمجًا إياها بمنطق أرسطو، وقدَّم الهندسة على الحساب الفيثاغوري رغم تأثره الكبير به.

وكان بهذا قد أنشأ أول نسق رياضي متكامل مستندًا إلى المبادئ الثلاثة الأساسية (البديهيات، والمسلمات، والتعريفات) قدَّمت عددًا من النتائج والمفاهيم اليقينية مضيفًا إليها نظريات Théorèmes أو ملحقات Corolaires أو تمرينات مشهورة Eexercises.

إضافة إلى هذا عمد إقليدس إلى البرهنة عن كل نظرية على حدة.

كما اعتمد إقليدس في كتابه على الأشكال والرسومات التوضيحية التي استخدمها للبرهان، كل هذه الخطوات المتبعة في البرهان كانت معروفة لدى الذين سبقوه، وترجع أهمية إقليدس في ذلك إلى أنه بواسطة تلك الخطوات تمكَّن من تكوين نسق يقيني استنباطي لكل تلك النظريات التي كانت مشتتة ومتفرقة والتي خلَّفها السابقون.

اقرأ أيضاً أصول ومبادئ الرياضيات الإقليدية

أمثلة على براهين إقليدس

القضية السابعة والعشرون:

إذا وقع خط مستقيم على خطين آخرين مستقيمين وجعل الزاويتين المتبادلتين متساويتين فالخطان متوازيان.

كما في المثال التالي:

ليقع المستقيم (ي ق)على الخطين المستقيمين (أ ب) (س د) وليجعل معهما الزاويتين المتبادلتين أ ي ق، ي ق د متساويتين، فالخطان (أ ب) (س د) متوازيان، وإلا فيلتقيان إذا أُخرجا.

فلنفرض التقاءهما في النقطة "غ" فيكون (غ ي ق) مثلثًا وزاويته الخارجية أ ي ق تكون أكبر من الداخلية المقابلة ي ق غ.

وقد فرض مساواتهما فلا تكون إحداهما أكبر من الأخرى، فلا يلتقي (أ ب) و(س د) إذا أُخرجا إلى جهة "ب" و"د"، وهكذا يبرهن أنهما لا يلتقيان إذا اُخرجا إلى جهة "أ" و"س" فهما متوازيان.

هذا البرهان الذي قدَّمه إقليدس عن القضية السابعة والعشرين، هو بذاته البرهان عن مسلمة التوازي، والمعروفة بالمسلمة الخامسة هي القائلة إن الخطين المتوازيين لا يلتقيان، وفعلًا هو كذلك؛ نظرًا لتصور المكان عند إقليدس، ونعني به المكان المستوي.

وبعد هذا فإن ما يميز النسق الاستنباطي عند إقليدس وأرسطو كذلك هو أنه يهتم أو بالأحرى يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تلك البديهيات والمسلمات بالرغم من الاختلاف في درجة وضوحها، لكن لا بد للرياضي -وبعد عناد في قبولها- إلا الأخذ بها.

فهي معبرة أيما تعبير عن الواقع، فبهذا تُعد حقيقة، وهذا هو أهم ما في الأمر عندهما بالنظرة الفلسفية التي يقدمانها، أي إن الحقيقة لا بد لها أن تكون مطابقة للواقع أو العالم الخارجي.

اقرأ أيضاً العلماء العرب المهجور تاريخهم

المنهج اليقيني الاستنباطي

هذا التصور المشترك بين «إقليدس» و«أرسطو» حول النسق الاستنباطي ومدى مطابقته للواقع جعله موصوفًا بالمنهج اليقيني الاستنباطي، وتبرز هنا كلمة يقيني -وقد سبق ذكرنا للتعريف الذي قدَّمه أندريه لالاند عن اليقين- وهي مستمدة من المبادئ والأصول التي بُني عليها النسق، وما دامت مطابقة للواقع فإن القضايا المبرهنة تبعًا لهذه الأسس هي الأخرى يقينية.

ومن هذا المنظور كان لفيلسوف مثل كانط أن يصف هذه الهندسة الإقليدية بأنها الوحيدة الصالحة ليتبناها الإنسان؛ لأن قضاياها ضرورية مستمدة من أسس يقينية.

قال: «.. فالمعارف الرياضية هي من زمان في حوزة اليقين... بل إنها تضاد على ما يبدو كل تخميناتهم (محللي العقل البشري) على الرغم من أنها لا تقبل النقص، ومن أنها ذات نتائج مهمة جدًّا.

ذلك أنهم لما رأوا أن استدلالات الرياضيين تحصل كلها بموجب مبدأ التناقض الذي تستلزمه طبيعة كل يقين واجب».

فالمفاهيم الرياضية في نظر كانط يقينية منذ نشأتها، لما تحمله من نتائج يقينية ذات أهمية كبيرة، فالاستدلال الرياضي يحصل بموجب التناقض الذي يستلزمه اليقين.

تفكير إقليدس في المنهج اليقيني 

إن نسق إقليدس أو نسق البديهيات الذي يُعد منهجًا يقينيًّا استنباطيًّا يوصف بأنه نسق مشبع؛ لأنه لا يمكننا أن نضيف أي بديهية لبديهياته من أجل تكملتها، فكل البديهيات مستقلة بعضها عن بعض.

وهو بهذا حقَّق شرط الإشباع والاستقلالية، ما يبعد عنه التناقض ويجعله يصف لنا بدقة مدى يقين المنهج المتبع وواقعيته.

وعلى الرغم من كل هذا فإن المسلمة الخامسة لإقليدس في هذا النسق وُصفت بعدم الوضوح، وراح الرياضيون عبر العصور يبحثون عن سبيل للبرهنة عليها، هذا ما نجم عنه بروز ما يُسمى بالهندسات اللاإقليدية التي لها منهج مخالف للمنهج اليقيني الاستنباطي الإقليدي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة