المنصور بالله الفاطمي الخليفة الذي أنقذ الدولة الفاطمية من الانهيار

يُعد الخليفة  أبو الطاهر إسماعيل بن محمد القائم بأمر الله، الملقب بالمنصور بالله (301 - 341 هـ)، ثالث الخلفاء الفاطميين في إفريقية (تونس الحالية)، والإمام الثالث عشر في سلسلة الأئمة الإسماعيلية، وأحد أبرز القادة العسكريين والسياسيين في تاريخ السلالة الفاطمية. فإذا كان «المهدي بالله» هو المؤسس، و«القائم بأمر الله» هو الموحد، فإن «المنصور بالله» هو الذي أنقذ الدولة من الانهيار التام.

ويقول ابن عذارى إنه وُلِد في سنة 302 هـ برقادة بالقيروان، وكانت فترة خلافته (334 هـ - 341 هـ).وبذلك يكون قد وَلِيَ الملك وعمره 32 سنة، وتوفي سنة 341هـ وعمره 39 سنة، بمعنى أنه حكم 7 سنين فقط.

ملامح شخصية المنصور

لم تكن عظمة المنصور بالله مستمدة من انتصاراته العسكرية فحسب، بل من تلك التوليفة الفريدة التي صاغت شخصيته؛ فقد كان مجمعًا للأضداد ومثالًا حيًّا للقائد الذي يطوع ضعف الجسد لقوة الروح، وقد جعلت منه صفاته شخصية كاريزمية استثنائية، استطاعت أن تبث الثقة في قلوب الأنصار وتزرع الهيبة في نفوس الأعداء.

بين فصاحة اللسان واعتلال البدن

أما عن أهم صفاته فقد كان فصيحًا بليغًا، كما كان خطيبًا مفوَّهًا، «يخترع الخطبة لوقته». وكما هو الحال بالنسبة لسائر الأئمة لا نعرف شيئًا عن صفاتهم الجسمانية، حتى عند الكُتّاب الذين خدموهم عن قرب، مثل القاضي النعمان الذي اكتفى بالإشارة إلى أن المنصور كان ميالًا للعفو والصفح عمن قدر عليه، بمعنى أنه كان لينًا لا يميل إلى العنف.

ولا بأس أن يكون ذلك بسبب اعتلال صحته لما كان يعانيه من المرض، كذلك ما كان يصيبه بالغيبوبة من «صرع» أو غيره، أو من «داء الذرب» «الدوسنتاريا أو البواسير» الذي كان يعذبه واقفًا أو قاعدًا. ولا بأس أن يكون كل ذلك من الأسباب التي جعلت القائم يمنع إعلان ولايته له للعهد لمدة طالت أكثر من عشر سنوات.

وهنا ما حَالَ دون ذلك بسبب قلق إسماعيل المنصور من طول انتظاره الإعلان عن ولايته للعهد التي تعني مشاركته في الحكم كنوع من التمهيد العملي والتأهيل. هذا، كما يُنفي عدم كفايته ما أظهره منذ إعلان ولايته للعهد، وإن كان قبل مدة وجيزة من وفاة القائم، من كفاءة شخصية، بل ومن قوة احتمال بدنية، وشجاعة روحية، وتضحية بالنفس والنفيس، إلى غير ذلك من البساطة والتقشف والنزاهة. وهي الصفات المؤهلة دون غيرها من الصفات والفضائل لتولي الخلافة وإمارة المؤمنين في أوقات الحرب والفتن، وهي الصفات التي أظهرها في قتال أبي يزيد.

كان المنصور بالله فصيحًا بليغًا وخطيبًا مفوَّهًا

التفاؤل والرمزية في ملابس الحرب

كان المنصور متفائلًا بنتيجة الصراع ضد الزناتية عن طريق الإرادة أصلًا والاختيار، على عكس والده القائم الذي يظهر متوكِّلًا منتظرًا عناية الله وقدره المقدَّر. فالمنصور جريء يثير النخوة في قلوب رجاله، والفزع في نفوس أعدائه، والهيبة في أعين الناس، حتى قيل إن المهدي كان يعرف أنه كاشف المحنة ومطفئ نار الفتنة، وهو جنين في بطن أمه.

وهو صلب في مواجهة متاعب الطريق، من سلوك الشعاب وتسلق الجبال، والسير الطويل المسافات. ويظهر تفاؤل المنصور فيما كان يرتديه من ملابس الحرب الزاهية الألوان التي تشد الانتباه، والمظلة المرفوعة «على رأسه كالعلم». فموضعه معروف للأنصار والأعداء. فهو عند التعبئة وآخر أيام الكفاح في بلاد الزاب وقلعة كيانة «يلبس جوشنا وفوقه خفتانٍ أحمر مثقل بالوشي ويتعمم بعمامة صفراء»، أو «يلبس قباء أصفر ويتعمم بعمامة صفراء، ويرخي ذؤابته»، أو يخرج للقتال في ثوب أحمر موشى، مذهب الأكمام والأذيال، وعمامة حمراء معملة الطرفين مذهبة، وقد أرخى لها ذؤابة، وبيده درقة مغشاة بديباج أحمر مصبوغ بصفرة.

الجرأة والعلم: إسهامات المنصور بالله في الشعر والعلوم والجدل

ولا شك في أن تلك الجرأة التي صدمت الأعداء نفسيًّا، ورفعت شأن الأولياء معنويًّا، كانت تستند -إلى جانب صدق النية وقوة العزيمة- إلى صحة العقيدة وسلامة الإيمان بتعاليم المذهب، وخاصة فيما يعد به من النصر والظفر في علم الحدثان. وهنا يصوّر الكُتّاب، وعلى رأسهم القاضي النعمان أبا الطاهر إسماعيل جامعًا بين فخر الجهاد المظفَّر وزهو العلم الأصيل المتمثل في التأويل.

فهو محب للعلم، جماع للكتب، وهو عالم بالنجوم، وإن كان لا يؤمن بتأثيرها في الخطوط، فلا يلتفت إلى استخدامها في أثناء فتنة أبي يزيد. هذا كما أن المنصور جمع إلى فصاحته وبلاغته القدرة على نظم الشعر. فمن ذلك ما نظمه في انتصاره يوم المسيلة على أبي يزيد، وبعثه إلى ولي عهده المعز، ومنه:

أنا الطاهر المنصور من نسل أحمد *** بسيفي أقدُّ الهام تحت المغافر

ومنه أيضًا:

أجوب القفار وأطوي الرحال *** وأحمل نفسي لهول مهول

وهكذا لم يكن من الغريب أن يكون المنصور هو المعلم الأول لولي عهده المعز، الذي يَعُدُّهُ القاضي النعمان مصدر كل العلوم وأساس التأويل وكاشف الأسرار. فالمنصور هو الذي علّم المعز أصول الجدل والمناظرة، وتعريفه بالقاعدة الذهبية في الجدل، وهي: أن العلم لا يثبت إلا بعد الحجة والمعارضة.

وفي سبيل العلم والدفاع عن المذهب لم يترك المنصور عدوه أبا يزيد يهلك مثخنًا بجراحه، بل أمر بعلاجه ومداواته، لكي يناظره من أجل معرفة كنه دعوته، وأسباب احتسابه، وما كان ينكره على الأئمة. وهو يفحمه في كل ذلك، حسبما تعلمه من أصول الجدل وأساليب المناظرة، بناء على قواعد المذهب واستنادًا إلى علم الأئمة.

والمنصور في النهاية محب للعلوم الدنيوية، فهو مغرم بالآثار المغربية القديمة، يشاهدها في أثناء جولاته الحربية، ولا يكتفي بالاستمتاع بجمالياتها المعمارية والفنية، بل يطلب المترجمين العارفين باللغة اللاتينية لفك رموز نقوشها، وقراءتها، وترجمتها إلى العربية ترجمة صحيحة، كما حدث في حملة لواتة قريبًا من تاهرت. وتظهر محبته للعمارة والفن فيما أنجزه وخلد ذكره، في تحويل ضاحية صبرة بالقيروان إلى مدينة ملكية تحمل لقبه، فهي المنصورية.

ورغم كل هذه الصفات التي رفعت من شأن المنصور وهيبته في القلوب، الأمرُ الذي كان يمكن أن يكون مصدرَ زهوٍ وكِبْرٍ له، عُرف المنصور بتواضعه، فهو ينهى القاضي النعمان عن تقبيل الأرض بين يديه، الأمر الذي لم يقبله المعز بعده.

جامع الأضداد: ملامح التواضع في شخصية الحاكم المنتصر

وهكذا يكون المنصور قد جمع في شخصه عددًا من المتناقضات، من الصحة والمرض، وحب الحرب والعلم، وذلك ما يتمثّل في القوة والضعف أو السماكة والشفافية، ويرمز في النهاية -إذا صح القول- إلى وحدة الأضداد متمثلة في النفس الإنسانية بمنازعها إلى الخير والشر.

إعلان خلافته

في اليوم نفسه الذي تم الظفر فيه بأبي يزيد، وهو الخميس 29 من المحرم سنة 336 هـ، أصدر المنصور الأوامر بالسلام عليه، وتوجيه الخطاب إليه باسم: «أمير المؤمنين»، والكتابة بذلك إلى الأمصار أو الأُعمال، لإذاعته بين الرعية، والدعاء به على المنابر، ونقشه على المنسوجات الحكومية الخاصة بالملابس الرسمية، وطبعه على النقود.

أما عن ابنه محمد «أبو تميم المعز» فقد كان إعلان ولايته للعهد سنة 340 هـ، أي قبل مدة وجيزة من وفاة المنصور سنة 341 هـ.

إنجازات المنصور بالله

شهدت فترة حكم المنصور بالله تحولًا جذريًا في مسار الدولة الفاطمية؛ فبعد أن كانت الدولة محصورة في أسوار مدينة المهدية وتحت تهديد السقوط الوشيك، استطاع المنصور بفضل عبقريته العسكرية وإدارته الحكيمة أن يعيد بسط السيطرة على المغرب الأدنى والأوسط، ويضع الأسس المتينة لمرحلة التوسع الكبرى التي تلت عهده.

1. بناء المنصورية

أما عن أول أعمال أبي الطاهر إسماعيل المنصور، بعد أعماله الحربية ضد الزناتية، فهو اتخاذ مدينة ملكية جديدة تعبر عن طبيعة عهده الذي يمثل النصر والفتح الإيجابي، فهي المنصورية، على عكس المهدية التي مثلت في الفكر الشيعي الدفاع والصمود. ويُفهم من النتف الصغيرة التي يقدمها الكُتّاب أن المنصور اختار موضع صبرة، وهي الضاحية الجنوبية على بعد نصف ميل من القيروان، في مقابل رقادة الشمالية، لتكون مقرًّا جديدًا له، وذلك عندما لاحت تباشير النصر على عدوه أبي يزيد الذي كان ينهزم أمامه في القيروان في أواخر سنة 334 هـ.

بناء مدينة المنصورية أول أعمال أبي الطاهر إسماعيل المنصور

وذلك أن الأوامر صدرت بالبناء الذي عهد به إلى قدام الخادم الصقلبي عقب انتصار القيروان الفاصل على أبي يزيد في معركة يوم الجمعة 14 محرم سنة 335هـ، في نفس مكان معسكره في أرض المعركة، استبشارًا بالمكان وبالحدث. وهكذا، فبعد أن أقام المنصورُ باللهِ في خندقه بقية شهر المحرم وشهر صفر، وأخذ يستعد للخروج في أثر أبي يزيد، «أمر بعمارة مدينته في ذلك المكان، في شهر ربيع الأول سنة 335هـ وسماها المنصورية»، «وأمر بإحكام سورها ورفع بنيانها».

وعند الرحيل أصدر الأمر بتعيين قدام الخادم واليًا على كل من القيروان والمنصورية، وطلب إليه ألا يتراخى في البناء. ومنذ ذلك الوقت كان قدام الصقلبي يتلقى أخبار الحملة المظفرة بصفته أمين دار الخلافة، وأقرب العمال إلى الأمير.

التخطيط للمدينة

أما عن التخطيط، حسبما ينقل عن البكري، فكانت المنصورية مربعة، لها أربعة أبواب في الاتجاهات الأصلية الأربعة، بمعنى أنها كانت شطرنجية الشكل يخترقها طريقان رئيسيان متقاطعان، ينتهي طرف كل منهما عند واحد من الأبواب الأربعة. والمفروض أن يكون موضع تقاطع الطريقين الرئيسين هو سرة المدينة حيث المسجد الجامع الذي لا يبعد عنه القصر كثيرًا، والذي تحيط به الأسواق التجارية التي نُقلت بأمر المنصور من القيروان إلى مدينته الجديدة.

أما عن انتقاله فكان في 29 شوال سنة 337 هـ، عقب عودته من حملة المغرب، وبقائه في القيروان لبعض الوقت.

ولقد كانت المنصورية موضع عناية المعز، بعد المنصور، إذ زادت رقعتها ومبانيها وازدهرت قصورها ومرافقها، فجُلب لها الماء على الحنايا من الجبال البعيدة، كما شُقَّت لها القنوات، وهو ما يرد ذكره في مجالس النعمان ومسايراته. والحقيقة أن الاختلاف في تاريخ طريق الانتقال إليها قد يعني بقاء مبدأ الكتمان مع استمرارية نفس نظام الحكم، وهو ما يتمثل في بقاء الحجابة مع جعفر بن علي.

بقايا المدينة

ولقد دلت التنقيبات الأثرية في خرائب صبرة المنصورية على بقايا من الحجر والرخام المنقوشين والزجاج الملوّن، كما بُنيت بقايا المنصورية على أساسات تتداخل فيها ثلاث قاعات متوازية.

أما عن مواد الرصف، فهي مربعات من اللبن المحروق أو قوالب الطوب بغير «مونة» أو بمونة من التراب والحصى، مع وجود بعض قوالب الطوب المزججة من وجه واحد. أما عن مواد الكساء، فتتراوح ما بين طبقة من الجص المنحوت بورقة الأكانتوس أو مربعات الفخار المزججة وغير المزججة.

2. القضاء على ثورة «صاحب الحمار» وتوطيد الأمن

تعد هذه المهمة الإنجاز الأبرز والمفصلي في تاريخ الدولة الفاطمية، ويمكن تفصيل مراحل هذا الإنجاز العسكري الكبير فيما يلي:

فك حصار المهدية والاستراتيجية النفسية

بدأ المنصور عهده بخطوة ذكية، حيث كتم خبر وفاة والده ليحافظ على تماسك الجند، ثم خرج بجيوشه لفك الحصار المضروب على العاصمة "المهدية". نجح في كسر شوكة الثوار عند أسوار المدينة، مما أعاد الثقة لجيشه وبث الرعب في صفوف أتباع أبي يزيد الذين ظنوا أن الدولة قد انتهت بموت القائم.

معركة القيروان الكبرى

قاد المنصور جيشه نحو القيروان، حيث دارت معارك طاحنة استمرت لأيام. استخدم المنصور تكتيكات المناورة والالتفاف، واستطاع استعادة القيروان، وهي العاصمة الروحية والتاريخية للمغرب، مما وجه ضربة قاصمة لشرعية ثورة أبي يزيد.

المطاردة في جبال الأوراس

لم يكتفِ المنصور بطرد الثوار من المدن، بل تعقب أبا يزيد في وعورة جبال الأوراس والمغرب الأوسط. اعتمد استراتيجية قطع الإمدادات وحصار القلاع الحصينة التي لجأ إليها المتمردون، مما أدى إلى انشقاق الكثير من القبائل عن أبي يزيد وانضمامهم لجيش الخلافة.

النهاية في قلعة كيانة

حاصر المنصور أبا يزيد في قلعة «كيانة» (المعروفة بقلعة بني حماد لاحقًا) حصارًا شديدًا. وفي عام 336 هـ، سقطت القلعة وتم أسر أبي يزيد مخلد بن كيداد مثخنًا بجراحه، ثم توفي متأثرًا بها. وبموته، انطوت صفحة أخطر تمرد واجهته الدولة، وأعلن المنصور نفسه «المنصور بالله» تيمنًا بهذا النصر المؤزر.

3. الإصلاح الإداري والمالي واستعادة النفوذ البحري

بعد استتباب الأمن، ركز المنصور على إعادة تنظيم ديوان الخراج وجباية الأموال لإنعاش خزينة الدولة التي استُنزفت في الحروب. كما أولى اهتمامًا كبيرًا بالأسطول الفاطمي، فأمر بترميم دور الصناعة وتجهيز السفن الحربية، مما مكنه من التصدي لهجمات الأمويين في الأندلس واستعادة النفوذ الفاطمي في صقلية، حيث عين عليها "الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي" الذي أسس حكم بني كلب الموالين للفاطميين، وبذلك أمن الحدود البحرية للدولة ومهد الطريق لغزو مصر في عهد خلفه.

لم يكن المنصور بالله مجرد خليفة عابر في سلسلة الأئمة الفاطميين، بل كان "المهندس" الذي أعاد ترميم هيكل الدولة الذي كاد أن يتداعى تحت ضربات الثورات الداخلية. وبوفاته في سن التاسعة والثلاثين، ترك لابنه المعز لدين الله دولة مستقرة، وجيشًا قويًا، وعاصمة مزدهرة، ممهدًا الطريق لأكبر توسع فاطمي شهده التاريخ بالانتقال إلى مصر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة