سأتكلم عن استخدام المناورة الساخرة كونها استراتيجية دفاعية نفسية تَقي صحتك وتُستَخدم في أوقات معينة، ولا أقصد الترويج لاستخدام السخرية بغرض إلحاق الأذى من دون مبرر، سواء أكان هذا الأذى مقصودًا عن خبث أم عشوائيًّا عن حماقة..
اقرأ أيضاً ما الفرق بين النقدين التقليدي والثقافي؟
فن النقد الساخر
فن النقد الساخر أكثر حِنكة، ومنهجه على درجة ومستوى أرفع، وهو من فنون المُزاح والنكتة أو التهريج غير الهادف والمُسيء في معظم استعمالاته.
خُذ مثالًا مقالب الكاميرا الخفية، وما تُسببه للبشر من صدمات عصبية ونفسية لا يُدرك مدى جدِّيتها معظم من يعمل في هذا المجال. فهذه المقالب تستخدم فن السخرية، ولكن بأسلوب عشوائي، مؤذٍ، مبتذل وغير مسؤول... فتجعل من هذا الفن العريق خليطًا من المزاح الثقيل والتهريج التافه.
وقبل الخوض أكثر في الموضوع، أريد أن أُوضِّح وجهة نظري من الناحية الإنسانية والأخلاقية في استخدام النقد الساخر في حياتنا اليومية.
أنا وأغلبية البشر ضد السخرية المبتذلة دون مبرر، تلك السخرية الموجهة على نحو مقصود من قبل البعض بنيَّة جرح النفوس فقط..
كالسخرية من حالة اجتماعية لأحدهم، والسخرية المؤذية والعشوائية بين الأصدقاء، والسخرية من مرض أو إعاقة، أو دمج السخرية مع الشماتة ضد أي شخص للتسلية والأذى فقط.
بالمختصر، أنا ضد السخرية غير المُبررة ولا سيما في الأمور الجدِّية التي قد يعاني منها أي كائن حي.
أنا فقط مع مناورة بعض مواقف الحياة الشائكة بأسلوب ساخر لأغراض وقائية دفاعية تَصون صِحَّتك، وتَقيك ومن حولكَ من أذى قد يتضاعف أثره عند عدم رده أو عند رده بأسلوب غير مناسب أو متطرف.. مثلما سأشرح تباعًا.
لماذا اتخاذ الأسلوب الساخر دومًا على أنه معيار منافٍ للأخلاق وهو معيار غير دقيق ومُعمَّم على نحو زائد؟
اقرأ أيضاً كيف تكون ناقدًا محترفًا؟ (هيكلة النقد كاملة)
رأي البشر عن النقد الساخر
يظن أغلب البشر أنَّ النقد الساخر في التعامل مع الحياة اليومية هو سلوك يجب النظر إليه بازدراء في جميع ومختلف المواقف، بحجة أنه مُعيب أو غير ناضج وما إلى ذلك.. هذا الكلام غير دقيق أو صحيح بالضرورة، فهكذا أمر يُقاس نسبيًّا حسب سياق الموقف الذي تتعرض له وليس مُطلقًا.
فيوجد مفهوم سائد يُروَّج له على المستوى العام للمجتمع، ومن قبل جهات مُعيَّنة، على ضرورة وجوب التزام الجدِّية والصبر وكظم الغيظ والتصرف بصورة ناضجة على الدوام إذا كنت بالغًا.
دعني أقول هنا بدايةً بأنه من غير السليم أو الصحي اتباع أي سلوك وتطبيقه في جميع ومختلف المواقف على نحو جامد ومُطلق.
النصيحة الأمثل هي ممارسة أي طقس أو سلوك بشيء من الأريحية واللِّيونة، لأنك في الأغلب لن تستطيع فهمه على نحو موضوعي مُطلق وشمولي، فجميع الأمور تُفهَم وتُقاس نسبيًّا.
فمن الأفضل لك ألا تُمارس أي طقس أو سلوك على نحو حرفي، بجمود، وبجديَّة مبالغ فيها، وذلك إذا لم توجد ضرورة مُلحَّة لذلك... وخصوصًا إذا كنت لا تفهم ما تمارسه كفاية.
ألا تلاحظ ازدياد نسبة التوتر والمشكلات بين البشر في شهر رمضان بالذات؟ لماذا برأيك؟
بسبب عدم فهم أغلبية البشر لطقس الصيام بصورة كاملة، صحيحة، ومعتدلة.
اقرأ أيضاً تعرف على مفهوم النقد السلبي والنقد الإيجابي
أهمية مناورة الحياة بأسلوب ساخر في بعض المواقف الحساسة
كثير منَّا لا يُدرك وجود أساليب في مناورتك الساخرة لما قد يعترضك من مشكلات في حياتك اليومية يمكن لها أن تَقيك من أضرار محاولة حسم هذه المشكلات مباشرة.
فهذه المشكلات قد تكون خارجة عن إرادتك وسيطرتك أو قد تصادفك فجأة.. لا أحد يدري. المهم في الأمر هو أن إتقان فن السخرية بذكاء وحنكة سيعمل عند استخدامه في الوقت الملائم على التخفيف من وطأة هذه المشكلات وتليين زواياها الحادة عليك وعلى من حولك.
فالتجريح السطحي والنقد الساخر بوعي مدروس يوجَّه بطاقة مُركَّزة ليرتد إلى مصدر غيظ أو إزعاج هو أمر ضروري وصحي في لحظة بدء تجمُّع طاقة سلبية مخيفة في جسدك كالغضب مثلًا، وذلك بهدف المساعدة في تفريغ وتوزيع طاقة الغضب المُتَجَمِّعة داخل جسدك إلى الخارج، وجعلها تتوزع وترتد إلى مصدر الغيظ ومحيطه.
فأن تَشعُر بقليل من الذنب من سُخريتك لأمر، موقف، أو شخص ما سبَّب لكَ الشعور بالغضب، وذلك بغية تبديد بدايات تَجمُّع طاقة الغضب وتراكمها، خير لك من أن تَتَسبَّب بأضرار حقيقية، جسدية ونفسية ومادية، لنفسك ولمحيطك.. لأنك في حال سمحتَ لغضبك بالتعبير الكامل عن طاقته المؤذية والمُتجمِّعة عند نقطة وصوله إلى ذروة الانفجار ستُخَلِّف وراءك آثارًا سلبية ستندم عليها وتدفع ثمنها لاحقًا.
اقرأ أيضاً النقد الأدبي وعلم النفس.. ما العلاقة بينهم؟
لا تتبلوَر في مبادئك على نحو مبالغ فيه.. فَتُكسَر
الشخصية صاحبة المبادئ المُتبَلوِرة والثابتة على الدوام، التي تفتقر إلى شيء من اللِّيونة، ولا تقبل أبدًا أن تأخذ نفسها إلا بجديَّة مبالغ فيها في كافة المواقف، الصغيرة منها قبل الكبيرة... على هذه الشخصية توخِّي الحذر من انفجار مفاجئ قد يصيبها، وذلك بسبب الضغط النفسي اليومي الذي يتراكم لا شعوريًّا وتدريجيًّا كالأسيد داخل الإناء الزجاجي عند جميع البشر.
فالمناورة الدفاعية الساخرة في وقتها المناسب والموجَّهة لأحد زملاء العمل، للحكومة، للطقس، لارتفاع الأسعار، أو لموقف مزعج أو مُحرج أو غريب مؤقت تمر به، هو أمر ضروري وصحي لك ولمحيطك عامة، وخصوصًا إذا كان يوجد من يصغي إليك.
مثال عن الاستخدام الصحيح لمناورة ساخرة
عندما يأتيك شخص صاحب سلطة سياسية أو عسكرية ويعاملك بشيء من الوقاحة والتكبر، فما عليك سوى أن تُبالغ في تعظيمه كلاميًّا أو سلوكيًّا بعض الشيء، وتُشهِد من حوله وحولك على ذلك... فالجميع هنا سيفهمون ضمنيًا بأنك تستهزئ بهذا الشخص، وذلك في حال لم يكن هذا الشخص أحمق ووصلت إليه الرسالة المُبطَّنة، فهو لن يستطيع ولا يحق له الرد عليك لأنك لم تغلط بحقه كلاميًّا أو سلوكيًّا على أرض الواقع.
المهم في الأمر هو أنك قد أوصلت الرسالة ورددت إليه تكبُّره الوقح، والذي سَيشعِرُه بالمقابل بشيء من الصِّغَر، التلبُّك، والغباء بينه وبين نفسه.
لا تستخدم النقد الساخر بكثرة إذا لم تكن لديك بعض الخبرة... فهو سلاح ذو حدين
المهم في الأمر أن تعرف متى يجب عليك استخدام مناورة ساخرة، ما الأسلوب الأنسَب والموقف الذي يجب عليك معالجته، وإلى أي عمق من التعبير... وذلك من أجل الاعتدال، فلا تُبالغ مُؤذيًا بإسراف، ولا تُقصِّر في حق نفسك وتَرد ما أتاها من أذى مقصود إلى مصدره.
تاريخ الفن الساخر وبداياته
ما لا يعلمه كثير من الناس أن الأسلوب الساخر هو فن ومناورة عريقة نشأت بداياتها في أحضان الفلسفة العبثية، وذلك قبل أن تصبح فنًّا ومنهجًا متكاملًا بحد ذاته فيما بعد، ولا سيما ضمن مجالس البلاط المَلَكي الترفيهي عبر العصور.
فالفن والأسلوب الساخر مُشار إليه على نحو غير مباشر منذ آلاف السنين من قبل أعظم الفلاسفة، علماء النفس، المُفكِّرين، الأدباء، الشعراء، الروائيين، الفنانين، والمَسرحيِّين.
وبالطبع أنا لا أشير في هذا المقال إلى النَّقد الأدبي الفنِّي الساخر، أو ما يعرف بالهجاء Satire، والذي يستهدف نَقد الموضوعات الجدِّية بأسلوب فكاهي ساخر، وذلك عن طريق منصَّات إعلامية رسمية أو فنية أدبية في الكُتب، المسرح، أو السينما... وإنما أشير إلى ضرورة استخدام النقد والأسلوب الساخر كونه تدبيرًا وقائيًّا صحيًّا في معالجة بعض المواقف الشائكة التي قد تعترضنا في حياتنا. كما وضَّحت فيما ذكر سابقًا.
بالختام
لا يمكنك الاعتماد على النقد والمناورة الساخرة على نحو كامل ومُفرط في محاولة منك لحل جميع مشكلاتك.
يمكنك أن تعد الانتقاد والمناورة الساخرة سلاحًا نفسيًّا وقائيًّا أو دفاعيًّا فقط، سلاحًا له وقته المناسب للاستخدام، ويتطلب منك مهارة وخبرة عند استخدامه.
فالهدف منه هو أولوية الحفاظ على صحتك وسلامتك في أثناء التعامل مع ما يغيظك، وعدم اللجوء إلى أساليب أخرى لحسم الأمور كالعنف مثلًا. فالحسم بالعنف اللفظي أو السلوكي قد يترتب عليه سلسلة من النتائج والمضاعفات السلبية التي ستنعكس ضدك وضد من يهمك أمرهم في أغلب الأحيان.
فسلاح النقد والمناورة الساخرة هو سلاح وقائي دفاعي واحد، موجود ضمن ترسانة كاملة من الأسلحة السيكولوجية الأخرى والضرورية أحيانًا في معالجة والتعامل مع كثير من الأمور في حياتنا بالمجمل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.