المناب


زمان أيام ستي وستك، وأيام أمي وأمك، كان فيه حاجة أكيد كل الجيل الكبير فاكرينها كان اسمها (المناب)، يعني حق متساوي للكل في الطعام، للغائب قبل الحاضر، ورغم بساطة الفكرة وتلقائية العادة إلا إنها خلّفت وراءها في نفوسنا وفي تكويننا قيمًا جليلة وجميلة لا تحصى ولا تعد منها:

1. انعدام الأثرة فيما بيننا وهي الأنانية وحب الذات.

2. علمتنا بأنه لا تمييز بين أفراد المجموع.

3. تعلمنا منها معنى العدالة الأسرية وهي جزء من العدالة الاجتماعية.

4. تكافؤ الفرص فلكل نصيب آتيه حتى وإن غاب.

5. تعلمنا منها أنه لا أفضلية لأخ على أخيه.

6. زرعت فينا الحب والحرص على إيصال الحقوق لأصحابها.

7. ضمنت للجميع وجبة صحية متكافئة ونموا بدنيا صحيا.

8. قضت على مقولة "إن أنا بأحب ده... ومشا بأحب ده".

9. قضت على الجشع والحرص في نفوسنا.

10. تقدير دور الأب في الإنفاق على المنزل.

11. تقدير دور الأم وجهدها ودورها في إدارة شؤون المنزل وحسن تدبيرها.

12. الالتزام والانضباط واحترام المواعيد وشكر نعم المولى علينا.

ومن الممكن أن أعداد من تلك القيم إلى ما شاء الله، من وراء هذا الفعل البسيط العفوي الدارج لأمهاتنا وجداتنا، ولا زلت أذكر الوالد رحمه الله حين كان يقسم فيما بيننا قطعة الشكولاتة التي ربما أهداها له زميل، فأبت عليه نفسه أن يستأثر بها لنفسه بعيدًا عن زوجته وعن أولاده فجاء بها إلينا ليعطي كل منا (فتفوته) منها، تلك القيم التي ورثناها هي التي جعلتني لا أحس بمذاق وحلاوة أي طعام مهما كان لذيذًا بعيدًا عن أسرتي...

ربما يسخر من كلامي هذا أبناء هذا الجيل، بل ربما يعتقد البعض بأني أبالغ وأعطي الأشياء فوق ما تستحق... ليكن... لكن هذا حقيقة ما أحسه بمنتهى الصدق، ويؤكده الواقع الذي أراه ماثلا أمامي، وهو بلا شك فيه إدانة لي وكذلك لزوجتي الفاضلة، حسنا فلنرى ما آل إليه حالنا:

1. أبناء يفضلون أكل المطاعم والتيك أوي والوجبات الجاهزة عن كل ما تقدمه لهم الأم مهما كان لذيذ الطعم.

2. أصبح للأبناء طعام مخصوص وللآباء طعام مختلف عنهم تماما.

3. لم تكد الأسرة تجتمع معا على مائدة واحدة اللهم إلا نادرًا.

4. جحود وإنكار لدور الأب والأم، وعدم الاكتراث بفضلهما ولا بما يبذلانه ولا بما يقدمانه للأسرة.

(ومن الممكن إضافة أشياء أخرى وأحوال مغايرة وفقا لأحوال وظروف كل أسرة)

أخيرا، بالقطع ليس (المناب) السبب الوحيد فيما آلت إليه الأحوال في بيوتنا (لكنه السبب الرئيسي في انعدام القيم والطباع والعادات التي ذكرتها مسبقا)، ولكن هناك أيضا ما يلي من الأسباب التي غابت فأدت إلى حدوث ذلك:

1. كانت هناك شبه سيطرة للأم على المطبخ وما فيه، كانت هناك ربة للمنزل تصحو من الفجر لتعد الإفطار، ولازم الكل يفطر (وتعويد الأبناء على ذلك من سن الحضانة) "ما فيش حاجة اسمها مالي نفس، كل علي قد نفسك، بس لازم تفطر قبل ما تروح المدرسة أو الجامعة أو العمل، ولا يجب أن تنزل من البيت على معدة فارغة".

2. لم يكن هناك ما يسمى بأن كل واحد يعمل إفطار مختلف، أو غذاء مختلف أو عشاء مختلف.

3. لم يكن هناك أعذار مثل إن فلان تأخر ولا ذنب لي كي أنتظره، فالبركة واللذة كلها في اللمة.

4. هناك مواعيد شبه ثابتة لتقديم الوجبات الثلاث، لا تتغير إلا لأسباب قهرية.

فاللهم أصلح حالنا وبالنا ووسع علينا وعلى أولادنا، وارزقنا وإياهم، وارزقهم وإيانا، اللهم أصلح شأنهم وشأننا، وسخرهم لنا بالقناعة وبالمحبة والطاعة، واجعلهم قرة عيوننا، اللهم حبب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين واصرف عنهم كل سوء، وارزقهم البطانة الصالحة، اللهم سلّمهم من العلل والآفات والأوبئة، اللهم سلّمهم من شر الأشرار آناء الليل وأطراف النهار، واغفر لهم يا غفار.                       

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب